قضية ابن الوزير العرج قد تغير وجه السعودية إلى الأبد

قضية ابن الوزير العرج قد تغير وجه السعودية إلى الأبد

بعد مرور أسبوع على تصريحات مسؤولين حكوميين بارزين أثارت موجة غضب عارمة في السعودية، لم تُبد الجهات الرسمية أي ردة فعل بشأنها حتى الآن، لكنها قد لا تواصل الصمت مع تصاعد الاحتجاج عليها بشكل غير مسبوق في تاريخ المملكة.

فقد تجاوز مئات الآلاف من المدونين السعوديين على مواقع التواصل الاجتماعي، تصريحات لوزيرين ونائب وزير الأسبوع الماضي اعتبرت استفزازية للداخل، ويطالبون اليوم بمعالجة جذرية لأداء كثير من وزراء الحكومة قد لا تقتصر على الإقالة.

وقال الكاتب السعودي ، طراد العمري معلقاً لـ “إرم نيوز”على الجدل الحاصل “أنا أتوقع تغييراً قريباً، لا أعرف فيما إذا كان وزير بعينه سيتغير، وأغلب الظن أن التغيير سيشمل عددا من الوزراء”.

ويبدي كثير من السعوديين جرأة في طرح مطالبهم وانتقاد الوزراء بشكل غير معهود في المملكة، إذ تتيح لهم مواقع التواصل الاجتماعي هامشاً من الحرية.

وساهمت وسائل الإعلام المحلية وكتّابها في تصاعد نبرة السعوديين الغاضبين من أداء وزراء حكومتهم في ملفات أساسية، لكن ليس بينهم أي وزير من الأسرة الحاكمة.

بداية الغضب.. وصمت العرج

بدأت موجة الغضب العارمة تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية قبل نحو عشرة أيام، عندما قال وزير الخدمة المدنية خالد العرج إن إنتاجية الموظفين السعوديين لا تتعدى ساعة في اليوم، فيما قال نائب وزير الاقتصاد محمد التويجري إن المملكة ستفلس في غضون ثلاث سنوات لو لم تُتخذ إجراءات تقشفية بينها إيقاف صرف بدلات ومزايا مالية للموظفين الحكوميين.

وتراجع التويجري عن تصريحاته تلك في وقت لاحق تحت الضغط، وقال إن التعبير خانه، لكن وزير الخدمة المدنية خالد العرج، مازال يلتزم الصمت رغم أن اسمه تصدر موجة ثانية من الانتقادات بعد تداول وثيقة تكشف عن تقاضي ابنه راتباً عالياً بمنصب وظيفي كمدير مشاريع في إحدى المؤسسات الحكومية.

ولم يردّ الوزير العرج على اتصالات “إرم نيوز” المتكررة للتعليق على الجدل الذي تسببت به الوثيقة التي لا يمكن التأكد من صحتها، رغم أن مدير قناة “العرب” الإخبارية جمال خاشقجي أكد أن عبدالله خالد العرج موظف بالفعل، لكنه قال إن تعيينه تم قبل تولي والده الحقيبة الوزارية.

وطالبت صحيفة “مكة” الإلكترونية المحافظة بجرأة غير مسبوقة، الوزير العرج بالتعليق على ما يجري من جدل، وقالت “الوزير هو شخصية عامة وما انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي يتطلب أن يوجد إحساسا بالمسؤولية تجاه الرأي العام. لذا تطالب صحيفة مكة الإلكترونية إصدار بيان صحفي يكذّب أو يقر بما جاء على مواقع التواصل الاجتماعي من اتهام صريح”.

وبلهجة جريئة مماثلة، تناولت كبريات صحف المملكة، وأشهر كتّابها، القضية التي تتصدر تدوينات نخب المملكة السياسية والاقتصادية والثقافية ومشاهير وفنانين ورجال دين ونجوم مجتمع.

وقال الكاتب السعودي عبدالعزيز السويد في مقال له بصحيفة “الحياة” تحت عنوان “أحياناً…زمن كان فيه الناس يستحيون” “نحن بحاجة إلى فتوى من فقيه معتبر، يفتينا في سؤال يقول: “هل توظيف الأقارب من البِر أم من الهدر؟ وهل له شروط؟ وما هي؟”.

تحول جديد تجاوز الوزير وابنه

لكن تحولاً واضحاً ظهر في اليومين الماضيين في تدوينات كثير من السعوديين، بعد أن تجاوزوا قضية الوزير العرج وابنه، وبدأوا بتداول وثائق أخرى عن مؤسسات حكومية ومسؤولين آخرين تكشف عن تعيينهم لأقاربهم كموظفين برواتب عالية.

وتكررت كلمات الفساد والواسطة في تدوينات آلاف المغردين السعوديين على موقع “تويتر” الذي يعد أكبر ساحة افتراضية تجمع السعوديين، لتعكس حجم الغضب الشعبي من أداء وزارات الحكومة الأساسية.

ويقول كثير من المعلقين إن استبدال وزير بآخر لا يلبي طموحاتهم، ويطالبون بتدخل العاهل السعودي الملك سلمان لمحاربة الفساد وانتشار الواسطات التي يقولون إنها السبب الرئيسي لأزمة السعودية الاقتصادية التي يتحدث عنها الوزراء الحاليون بعد تراجع أسعار النفط قبل نحو عام ونصف العام

وقال الكاتب السعودي شجاع المطرفي في مقال غاضب له بعد سلسلة تغريدات في الاتجاه ذاته “معالي الوزير.. أخبرني هل تقف الآن في طابور المخبز لتأخذ أرغفة خبز لأسرتك؟ وهل تذهب لسوق الخضار لتتبضع منه ؟ وكم رقم ملفك بالمستشفى الحكومي إذا سمحت ؟.. قصّرك يُسكّن ٢٠ أسرة من الشعب، ساعة يدك من أفخم الساعات السويسرية، بشتك من أجود البشوت الحساوية، بخورك كمبودي وسيارتك الفارهه ألمانية، وقلمك أمريكي، ولم يُقطع هاتفك أو تُفصل الكهرباء عن قصرك لعدم السداد .. لا يوجد عليك أقساط سيارة ولا قروض بنكية”.

وفي تعليق هادئ وسط موجة غضب عارمة، أثنى الكاتب والإعلامي السعودي جمال خاشقجي على تقدم أحد السعوديين بشكوى لهيئة مكافحة الفساد ضد ابن الوزير العرج للتأكد من قانونية تعيينه، لكن اللجوء للهيئة التي لم تحقق الهدف من إنشائها منذ تأسيسها قبل خمس سنوات، لم يقنع السعوديين على مايبدو.

والسعوديون الغاضبون منذ أن مست إجراءات التقشف رواتبهم الشهر الماضي، ظلوا يكررون الأسئلة ذاتها عن الفوائض المالية الكبيرة التي جلبتها سنوات بيع النفط بأسعار تفوق مئة دولار، وعن عجز الحكومات المتتالية عن إيجاد استثمارات توفر إيرادات بديلة للنفط.

ورفض كثير من المحللين والكتاب السعوديين التعليق لـ “إرم نيوز”على إمكانية أن يقود الجدل الحاصل لحدوث تغييرات جذرية في الحكومة السعودية وآلية عملها، بسبب حساسية الموضوع، لكن واحداً منهم فقط اشترط عدم ذكر اسمه، قال إن “التغيير بات حتمياً لإرضاء مئات آلاف الغاضبين”.

ولا يُعرف على وجه الدقة كيف سيتعامل قادة المملكة مع الاحتجاجات الشعبية على أداء الوزراء والتي تتزايد مع بروز مزيد من الوثائق وقضايا الفساد بشكل يومي، لكن التوقعات تشمل على الأقل تغييرات في وزارات الخدمة المدنية والإسكان والاقتصاد والتخطيط والعمل والاتصالات.

كما تشمل توقعات ومطالب السعوديين، هيئة مكافحة الفساد، لتعزيز دورها في مكافحة الفساد وانتشار الواسطات التي بدا أنها أكثر ما أثار حفيظة السعوديين في موجة غضبهم التي قد تغير من وجه السعودية إلى الأبد.

وقال الكاتب طراد العمري في أحدث مقالاته عن القضية ذاتها “لم يُسقط الدول إلا الحكومات وسوء الإدارة وسوء فهم وزراء تلك الحكومات لتفكير وحاجات الشعوب. المواطن السعودي وفي جداً، وذكي جداً، ويملك ولاءا وانتماءا غير مسبوق وغير محدود للقيادة والوطن، فلا تتركوه يامولاي الملك .. فريسة لوزراء يؤكد البعض أنهم لم يقوموا بأعمالهم بالأمانة والصدق والإخلاص، امتثالا للقسم الذي أدوه عند تعيينهم”.