أحكام الإعدام.. 4 رسائل سعودية للداخل والخارج

أحكام الإعدام.. 4 رسائل سعودية للداخل والخارج

المصدر: إرم – محرر الشؤون الخليجية

 حمل تنفيذ حكم الإعدام في حق سبعة وأربعين مُدانا فيما يُعرف بـ“قضايا الإرهاب“ في السعودية، والذي نُفذ أمس ( السبت الثاني من يناير 2016 – وليس يوم الجمعة كما هي العادة في تنفيذ أحكام القصاص في السعودية)، أربع رسائل  لأكثر من جهة، داخل المملكة وخارجها:

الرسالة الأولى التي يُمكن قراءتها – وهي موجهة للداخل والخارج معا – مفادها أن سياسة الاحتواء التي اعتمدتها السعودية، والتي استُثمر فيها الوقت الكثير والمال الكثير حيال من يوصفون بالمتشددين لم تؤتِ أوكُلها. فتلك السياسة التي كان مهندسها ولي العهد الأمير محمد بن نايف، منذ كان نائباً لوزير للداخلية وبعدها وزيرا للداخلية، والتي تُعرف بالـ“مناصحة“ لم تنجح، كما يبدو، إلا في حالات قليلة، في تجفيف مصادر التشدد داخل البلاد، وتفريغ هواء التطرف والكراهية ضد الآخر، بما فيه الدولة السعودية، واستبداله بهواء جديد منفتح.

وكثير من العائدين من حاضنة الإرهاب الأولى ”تنظيم القاعدة“ وكثير ممن قُبض عليهم، على خلفية نشاط إرهابي، على مستوى الدعوة إليه وممارسته، لم يتخلصوا من جرثومة التطرف المتمكنة منهم، رغم قبولهم برنامج المناصحة وإعلانهم التوبة الظاهرة. فثمة من عاد إلى عالمه السابق، بعد خروجه من السجن ونيله امتيازات ”التوبة الظاهرة“ وبعضهم ذهب إلى اليمن ليعود إلى حاضنته الأم ”القاعدة“. وبالتالي، فإن أحكام الإعدام هذه تقول بوضوح، إن من سيقع تحت قبضة العدالة تحت تهمة الإرهاب سوف لن يتم التهاون معه، وأن رحابة صدر الأمير محمد بن نايف، الذي أصبح اليوم الرجل الثاني في البلاد، ضاقت ولا فُسحة لديه للمناصحة وإعادة تأهيل من لا يقبلون التأهيل.

الرسالة الثانية موجهة للداخل والخارج معا أيضا، وتُوجه، على وجه التحديد، إلى من يوصفون بالمواطنين السعوديين الموالين للخارج – هذا الخارج هنا ليس سوى إيران – وهؤلاء المواطنين ليسوا إلا بعض أتباع المذهب الشيعي من سكان المنطقة الشرقية الغنية بالنفط، وأن مجرد الاستقواء بالخارج، بصرف النظر عن المبررات والذرائع الطائفية والأقلوية، والدعوة إلى التمرد على النظام والخروج عليه، سوف تواجه بالحزم الذي قد يصل إلى الإعدام.

ومن هنا يأتي إصرار القضاء السعودي على إصدار حكم الإعدام ضد أبرز رموز المذهب الشيعي في السعودية الشيخ نمر النمر، ثم إصرار الحكو مة على تنفيذ الحكم ضمن من نُفذ فيهم  يوم أمس، رغم التحذيرات التي كانت إيران ومؤسسات حقوقية دولية أطلقتها.

الحكومة السعودية تتوقع، دون شك، ردود الأفعال الرافضة لتنفيذ حكم الإعدام في نمر النمر، لا سيما من إيران وحلفاءها في المنطقة كحزب الله اللبناني، لكن رسالتها في تنفيذ حكم الإعدام واضحة؛ فنمر النمر مواطن سعودي أدانه النظام القضائي السعودي، والنمر ليس وحده من نُفذ فيه الحكم، ولكن معه مواطنون سعوديون آخرون مُدانون بالإرهاب، بينهم أحد منظري القاعدة البارزين، وهو من أتباع المذهب الوهابي، وهو “ فارس آل شويل“.

الرسالة الثالثة موجهة، كما يبدو للداخل فقط، ولحلفاء مؤسسة الحكم التقليديين، وهم شيوخ الدين ورجاله ومؤسساته التي تتمتع بسلطات واسعة، تسمح لها بالتدخل في أدق تفاصيل حياة الناس وبذرائع ومسميات عديدة، دينية وعقائدية وأخلاقية وحتى سياسية.

فالمؤسسة الدينية في السعودية، على خلاف كل الدول الإسلامية الأخرى، ضاربة وتتمتع بنفوذ قوى داخل مؤسسة الحكم، بالنظر إلى الدور التاريخي والمحوري الذي لعبه مؤسس المذهب الوهابي الشيخ محمد بن عبد الوهاب في توحيد القبائل تحت راية مؤسس المملكة الملك عبدالعزيز بن سعود، وهو الدور الذي ظل جيل الأبناء من ملوك السعودية ينظرون إليه بكثير من التقدير والوفاء، مانحين أتباع الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الأدوار والمكانة التي تليق بهم، لكن الأتباع، وفقا لما يراه كثير من المحللين السعوديين، تجاوزا موقعهم كدعاة وفقهاء وأئمة مساجد، وعبروا إلى السياسة ونازعوا أصحابها أدوارهم ومواقعهم، وبعض هؤلاء الدعاة الدنيين كفرّوا، في بعض الحالات، نظام الحكم الذي يحتويهم.

ولكن الجيل الجديد، جيل الأحفاد، الذين باتوا اليوم في مواقع صناعة القرار في السعودية، تحديدا ولي العهد الأمير محمد بن نائف وولي ولي العهد الأمير محمد بن سليمان، هذا الجيل لا يبدو أنه يحتفظ للمؤسسة الدينية بذات المكانة التي احتفظ بها جيل أبناء الملك المؤسس، وأن جيل الأحفاد لن يترك الحبل على الغارب لشيوخ الدين لأن يمارسوا السلطة المفتوحة التي اعتادوا ممارستها.

ولعل الرسالة هذه تقول، إن أنشطة الإرهاب التي قد تستوجب الحكم بالإعدام لا تقتصر على حمل السلاح، ولكن الكلمة المُحرضة على الإرهاب والعنف والداعية إليه، تُعامل معاملة الرشاش والقنبلة.

أما الرسالة الرابعة التي يمكن استخلاصها من تنفيذ حكم الإعدام في هذا العدد الكبير ممن اتهموا وأدينوا بالإرهاب، وهم جميعهم سعوديون باسثناء اثنين من جنسيات أجنبية، فهي أن البلد الذي دعا قبل أيام إلى تشكيل تحالف عالمي لمحاربة الإرهاب وجعل من عاصمته الرياض مقرا لهذا التحالف، عليه أن يبدأ بنفسه وأن يُحارب الإرهاب، دون رحمة، داخل أراضيه، قبل محاربته في آراضي الغير، خصوصا وأن السعودية مُتهمة باحتوائها – بين مواطنيها – عدد كبير ممن يوصفون بـ“شيوخ الإرهاب ودُعاته“.

رسائل الداخل ستصل سريعا إن لم تكن قد وصلت، ويتوقع محللون تغيّرا في الخطاب الديني والدعويي داخل السعودية وتغيّرا في بعض الممارسات الموصفوة بالمتشددة، والتي يمارسها من يعرفون بالمحتسبين وأعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لكن رسائل الخارج ستتطلب دعم ترسانة أخرى من الأسلحة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية كي تصل.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com