السعودية تضم ”التابلاين“ لتراثها.. تعرف على قصة أطول خط لنقل النفط في العالم

السعودية تضم ”التابلاين“ لتراثها.. تعرف على قصة أطول خط لنقل النفط في العالم

المصدر: قحطان العبوش – إرم نيوز

عاد الحديث عن خط نقل النفط الشهير في السعودية ”التابلاين“ إلى الصدارة مجددًا بعد عقود من خروجه عن الخدمة، إذ قررت وزارة الثقافة  ضمه إلى قائمة التراث الصناعي الذي ستعنى به جمعية حكومية ناشئة.

ومن بين بضع منشآت صناعية ستعمل ”الجمعية السعودية للمحافظة على التراث الصناعي“، – حديثة النشأة – على الاهتمام بها وضمها لقائمة التراث الصناعي لأكبر بلد خليجي، بقايا خط ”التابلاين“ وما يحتويه من محطات تعود إلى أربعينيات القرن الماضي.

وخط ”التابلاين“ هو مشروع لنقل النفط عبر الأنابيب، تم إنجازه عام 1950 بعد نحو 3 سنوات من العمل في الصحاري والهضاب والسهول، ليكتمل مده بطول 1664 كيلومترًا، بينها 1200 كيلومتر في الأراضي السعودية، والباقي في الأراضي السورية واللبنانية.

وتم العمل على الخط بعد دراسة جدوى أثبتت فائدته في اختصار الوقت وتوفير المال لنقل النفط من منابعه في المنطقة الشرقية بالسعودية إلى ساحل لبنان على البحر الأبيض المتوسط، ومن ثم نقله عبر ناقلات النفط إلى أوروبا والولايات المتحدة.

ووفقًا لإمكانيات ذلك العصر، وتضاريس السعودية التي تهيمن عليها الصحراء وشمسها الحارقة، بجانب غياب الطرق المعبدة والمرافق في ذلك الوقت، اعتبر المشروع تحديًا كبيرًا لأصحابه، قبل أن يصبح من عجائب ذلك الزمان عند إنجازه.

16  ألف عامل

ويروي عثمان الخويطر، وهو كاتب اقتصادي سعودي وكان في شبابه واحدًا من نحو 16 ألف عامل أنجزوا المشروع، وغالبيتهم سعوديون، تاريخ خط ”التابلاين“ بالقول ”في عام 1947، بدأ تصميم ثم إنشاء خط التابلاين الذي كانت تمتلكه شركات البترول الأربع الكبرى المالكة آنذاك لشركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو)،  وكلمة التابلاين اقتطعت من أوائل حروف اسمها الكامل باللغة الإنجليزية، وهي (خط الأنابيب عبر البلاد العربية)“.

ويضيف الخويطر الذي أصبح في تسعينيات القرن الماضي مسؤولًا بارزًا في ”أرامكو“، ”أنشئت شركة التابلاين حصريًّا من أجل بناء وتشغيل الخط الذي كان ينقل النفط من منابعه في المنطقة الشرقية إلى الموانئ اللبنانية على البحر الأبيض المتوسط، عبر الحدود الشمالية للمملكة، مارًّا بالأردن وسوريا“.

وكان مخططًا أن تكون المحطة النهائية للخط على البحر الأبيض المتوسط هي ميناء حيفا في فلسطين، إلا أن قيام الكيان الإسرائيلي المحتل عام 1948، عطل تنفيذ المشروع وعندئذ أمر الملك عبد العزيز آل سعود، إما إلغاء الخط كاملاً، وإما إيجاد مسار بديل، فتم تحويل مساره إلى ميناء صيدا في لبنان عبر الأردن وسوريا.

واستعمل لإكمال هذا المشروع 35 ألف طن من الأنابيب و3 آلاف قطعة من الآليات ومعدات البناء، بتكلفة قدرها 150 مليون دولار، ليتم الانتهاء من إنشائه في عام 1950، وكان سعر برميل البترول ببورصة نيويورك آنذاك 3 دولارات فقط.

وشيدت على طول الخط في الأراضي السعودية، خمس مضخات في النعيرية والقيصومة ورفحاء وعرعر المعروفة سابقًا بـ(بدنة) وطريف وهي آخر محطة على الأراضي السعودية.

صعوبات وحلول مبتكرة

تعرض العاملون في المشروع لكثير من الصعوبات التي دفعتهم إلى تحقيق إنجازات غير متوقعة، فالمشكلات الهندسية فرضت حلولًا مبتكرة جديدة وغير مألوفة، أنتجت بدورها في تحقيق أرقام قياسية جديدة.

ويروي الكاتب الخويطر في مقال له منشور بصحيفة ”الاقتصادية“ السعودية، جانبًا من تلك الصعوبات قائلًا: ”كان أول تحد في المشروع هو طريقة نقل الأنابيب بواسطة البواخر بحجمها الكبير، فقرر القائمون على المشروع أن يكون هناك حجمان للأنبوب، 30 و32 بوصة، فوضعوا الـ30 بوصة داخل الـ32 بوصة ليتحول الحجم أثناء النقل إلى النصف“.

ومن أبرز الابتكارات التي شهدها هذا المشروع ابتكار ”الخطاف السماوي“ الفريد الذي أقيم في رأس مشعاب، وهو شبكة كابلات علوية يبلغ طولها نحو 3 أميال كانت تحمل مفصلات الأنابيب من السفن إلى اليابسة، وهو ما حل مشكلة رسو بواخر النقل على مسافة بعيدة عن الشاطئ في ميناء رأس المشعاب.

 ويقول الخويطر ”كانت الشركة تستخدم مركبات كبيرة خاصة من نوع (الكنورث) الذي يحمل 7 أنابيب، كل منها مكون من 3 أوصال من أجل توفير الوقت والتكلفة، ومركبة الكنورث تستطيع حمل ما يزن 50 طنًّا، وهي من النوع الذي تستخدمه شركة أرامكو لنقل المعدات والمؤن من الظهران إلى المناطق الصحراوية النائية، مثل الربع الخالي“.

ويضيف ”كانت شركة التابلاين تسيّر قوافل المركبات على مجموعات عددها سبعة كناور، يرافقها مركبة صغيرة يقودها المشرف على القافلة، وهو في الغالب أمريكي الجنسية، وكانت كل قافلة تتجه إلى حيث توجد فِرق التلحيم والإنشاء التي كانت تتحرك من الجنوب إلى الشمال حتى نهاية مسار الخط على الحدود الشمالية“.

تدفق النفط

وفي الثاني من شهر سبتمبر/أيلول عام 1950، تمت آخر عملية لحام لربط القطاعين الغربي والشرقي من الخط، ليكتمل بذلك أطول خط أنابيب يتم إنشاؤه في التاريخ، وقد استغرق وقت تعبئته بعد إنجازه ما يقرب الشهرين لطول مسافة الخط.

وفي شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1950 تدفَّق النفط، إلى الخزانات في ميناء صيدا اللبناني، تمهيداً لتعبئة الناقلات التي أصبح بإمكانها نقل الزيت إلى أوروبا في غضون أيام، مختصرة تلك الرحلة البحرية البالغة 7200 ميل من رأس تنورة على الخليج العربي إلى البحر الأبيض المتوسط.

وأصبح  خط ”التابلاين“ معلمًا بارزًا في التجارة العالمية وصناعة البترول وهندسة خطوط الأنابيب، وكانت سعته الأصلية 300 ألف برميل في اليوم، وتمت زيادتها بعد ذلك إلى 500 ألف برميل، وأشرفت شركة ”بكتل“ الأمريكية العملاقة على إنشائه.

وأصبح ”خط التابلاين“ فيما بعد ينقل ما يصل إلى 30% من إنتاج المملكة من النفط الخام إلى الناقلات التي حمّلته، بدورها، إلى أسواق النفط في أوروبا والساحل الشرقي للولايات المتحدة.

تقاعد التابلاين

واستمر عمل شركة ”التابلاين“ حتى عام 1967، عندما توقف الضخ نتيجة للأحداث التي مرت بالمنطقة في ذلك التاريخ، إذ توقف الضخ إلى صيدا بجنوب لبنان مع الاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان الذي يمر بها الخط.

وتم استخدام الخط على فترات قصيرة ومتقطعة وبطاقة متواضعة جدًّا لضخ كميات صغيرة من النفط إلى مصافي الأردن، توقف بعدها الخط تمامًا في أوائل التسعينيات من القرن الماضي.

وأصبح خارج الخدمة اليوم، وحل محله خط أنابيب الزيت الخام شرق/غرب وغيره من خطوط الأنابيب، فيما تقوم الناقلات الضخمة المملوكة لشركة فيلا البحرية العالمية المحدودة التابعة لأرامكو السعودية بنقل الزيت السعودي إلى الأسواق العالمية.

ويقول الكاتب الخويطر ”أنشأت شركة ”التابلاين“ عدة مراكز رئيسة أو محطات ضخ على طول الخط، شملت قرى النعيرية والقيصومة ورفحاء وبدنة، التي أصبحت فيما بعد عرعر، وطريف، نهاية الحدود الشمالية، إلى جانب محطات صغيرة مساندة في عدة مواقع، وقد انتعشت الحياة في تلك القرى التي تحولت إلى مدن حتى بعد توقف عمليات شركة التابلاين، نظرًا لوقوعها على الخط الرئيس المتجه شمالًا إلى الحدود الشمالية“.

ومن شأن ضم بقايا خط ”التابلاين“ للتراث الصناعي للمملكة، أن يحفظ آثاره التي توثق مرحلة مهمة من تاريخ السعودية وسنوات الطفرة النفطية التي تحولت فيها البلاد من الفقر إلى بلد عصري تتسم حياة سكانه بالرفاه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com