”ثورة“ سلمان العودة تقوده إلى قفص الاتهام

”ثورة“ سلمان العودة تقوده إلى قفص الاتهام

المصدر: قحطان العبوش – إرم نيوز

فتحت التهم التي وجهتها النيابة العامة السعودية، إلى الداعية المعروف، سلمان العودة، في أول جلسة محاكمة علنية له، الباب واسعًا على السؤال عن السبب الذي دفع الرياض لتجاهل نشاطات رجل الدين البارز كل تلك السنوات قبل اعتقاله ومحاكمته بسبب تلك النشاطات ذاتها.

ونقلت وسائل إعلام محلية وأقارب للعودة، عددًا محدودًا من أصل 37 تهمة وجهتها النيابة للداعية المسن، خلال مثوله أمام قضاة المحكمة الجزائية المتخصصة في الرياض، يوم الثلاثاء، والتي أجلت الجلسة كي يتاح للمتهم الرد على تلك الاتهامات التي يعود بعضها لنحو عشر سنوات.

نشاطات قديمة

من بين التهم الموجهة للعودة، العمل لصالح تنظيم الإخوان المسلمين، والذي صنفته الرياض كمنظمة ”إرهابية“ في بدايات العام 2014، ولاحقت كل من ساند التنظيم أو انتمى له بعد ذلك التصنيف.

كما تضمنت قائمة التهم الموجهة للعودة؛ الإشراف على ”ملتقى النهضة“، وهو مبادرة قطرية تأسست في العام 2010، وتواجه تهمًا بالعمل على تحريض الشباب على إثارة القلاقل والفوضى في بلدانهم بهدف قلب أنظمة الحكم.

دعوات قديمة للمحاسبة

واجه العودة منذ انخراطه في تلك النشاطات بشكل علني، انتقادات لاذعة من قبل عدد من مواطنيه، وبينهم كتاب وإعلاميون توقع بعضهم اعتقاله في حينها، على الرغم من الشهرة الكبيرة التي كان يحظى بها شأن دعاة سعوديين آخرين في السنوات الماضية.

وأعاد مدونون سعوديون على مواقع التواصل الاجتماعي في السعودية، والتي ازدحمت حساباتها بالحديث عن محاكمة العودة، جانبًا من تلك الانتقادات، وبينها مقال كتبه الإعلامي السعودي البارز سلمان الدوسري في العام 2013.

ثورة سلمان العودة

يقول الدوسري، الذي رأس سابقًا تحرير صحيفة ”الشرق الأوسط“ السعودية الخاصة الصادرة من لندن، “في الأفق غبار ودخان.. قبضة أمنية.. عهد جديد.. فوضى وانفلات.. التضييق على الناس، هذه بعض الكلمات التي أوردها سلمان العودة في خطابه المفتوح، ولعل كل من قرأه بتمعن وبمنطق توقع أن بلادنا تعيش كارثة حقيقية وأزمة سياسية اجتماعية سترمي بنا للمجهول عمّا قريب، وأن الخطر المحدق يحيط بنا من الجهات الأربع“.

وكان الدوسري يتحدث في مقاله الذي جاء تحت عنوان ”ثورة سلمان العودة“ عن خطاب شهير منسوب للداعية العودة، يدعو فيه إلى خطوات إصلاحية في السعودية تشمل عدة مجالات بينها إطلاق سراح معتقلين.

ويقول الإعلامي الدوسري في مقاله: ”فقط انتظروا قليلاً وسيتبين لكم الخيط الأبيض من الأسود. خطاب العودة في المجمل لم يحمل جديدًا في المضمون، وكثير مما جاء فيه يُقرأ في الصحافة ويُسمع في المجالس، الجديد والمثير والخطير هو ترسيخ عبارات ثورية ومصطلحات مفخخة، إضافة إلى تعبئة عارمة وتجييش ضد رجال الأمن، أما الجميل والمفيد والأكيد فهو أن الأقنعة نُزعت والوجوه كُشفت. دعوهم يعملوا بكل وضوح على تحقيق أمانيهم بربيع عربي في السعودية .. هرمنا ونحن نصارع لنعرفهم على حقيقتهم“.

لكن ذلك الخطاب والانتقادات والاتهام بالتحريض الذي واجهه العودة، لم يقد الرياض لتوقيفه حينها، وظل الداعية طليقًا يمارس نشاطه الديني في حساباته الرسمية في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، لحين اعتقاله في بدايات سبتمبر/أيلول الماضي.

سياسة النفس الطويل

يقول الدكتور محمد الهدلاء، وهو باحث ومستشار في الشؤون الأمنية والقضايا الفكرية ومكافحة الإرهاب و(الأمن الإلكتروني)، في تعليق على توقيف ومحاكمة العودة بعد كل تلك السنوات من نشاطاته: ”محاكمة العودة وتوجيه 37 تهمة من المدعي العام تطالب بالقصاص منه خطوة جيدة بعد أن مارست الدولة معه ومع غيره من المحرضين والمتآمرين سياسة النفَس الطويل، والصبر الذي اعتبره البعض عجزًا، ولكنه الحكمة والحِلم، الذي تحوّل الآن إلى كابوس مزعج ورعب لدى كل مناصريه“.

 ويتفق كثير من السعوديين مع تحليل الدكتور الهدلاء، ويقولون إن بلادهم تتبع سياسة النفس الطويل بالفعل ومنح الفرصة لمواطنيها الذين يرتكبون مخالفات تهدد أمنها، على أمل أن يتراجعوا عن مواقفهم ونشاطاتهم المحظورة في السعودية.

شواهد

يستشهد بعض السعوديين باعتقال الداعية العودة نفسه في العام 1994 لمدة خمس سنوات، إذ جاء اعتقاله حينها بعد أكثر من ثلاث سنوات على توقيعه مع دعاة آخرين على ”خطاب المطالب“ الشهير في العام 1991 الموجه للملك الراحل فهد بن عبدالعزيز، والذي شمل المطالبة بإصلاحات قانونية وإدارية واجتماعية وإعلامية تحت إطار إسلامي.

وجاء توقيف العودة حينها بعد سنوات من موقفه المعارض بشدة لتعاون بلاده مع الولايات المتحدة في حرب الخليج الثانية التي اندلعت بعد احتلال الجيش العراقي للكويت إبان حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

ولا يعرف إن كانت السلطات السعودية حذرت العودة في السنوات الماضية من بعض نشاطاته أو طلبت منه التوقف أو الانسحاب من بعضها، كما لم يبادر الداعية السعودي على سبيل المثال بالانسحاب أو الاستقالة من منصب الأمين العام المساعد للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يرأسه الداعية المصري يوسف القرضاوي برعاية وتمويل من قطر التي تقاطعها الرياض منذ أكثر من عام وتتهمها بتهديد أمن السعودية.

عفو مفتوح

وكانت السلطات السعودية أوقفت الداعية المعروف محمد العريفي في نهاية العام 2014 لمدة شهرين تقريبًا، في خطوة قيل إنها بهدف إلزام الداعية بالتراجع عن بعض المواقف والخطب والآراء الدينية التي تعارضها بلاده، ليعود بعدها بالفعل إلى نشاطه الدعوي.

كما كان قادة الرياض عفوا عن المعارض السعودي السابق، كساب العتيبي، ليعود إلى بلاده في العام 2015 بعد نحو 20 عامًا قضاها في بريطانيا معارضًا لبلاده، وعمل خلالها مع معارضين سعوديين آخرين مازالوا متمسكين بمواقفهم.

لكن التحرك القضائي ضد العودة وآخرين جاء بعد أن تعهّد ولي العهد السعودي بتدمير التطرف ببلاده ومنح مواطنيه حياة طبيعية على حد قوله.

وقال في مقابلة شهيرة العام الماضي: ”لن نضيع 30 سنة من حياتنا في التعامل مع أي أفكار متطرفة، سوف ندمرهم اليوم، لأننا نريد أن نعيش حياة طبيعية تترجم مبادئ ديننا السمح وعاداتنا وتقاليدنا الطيبة، ونتعايش مع العالم ونساهم في تنمية وطننا والعالم“.

وأضاف: ”اتخذنا خطوات واضحة في الفترة الماضية بهذا الشأن، وسوف نقضي على بقايا التطرف في القريب العاجل، ولا أعتقد أن هذا يشكل تحديًا، فنحن نمثل القيم السمحة والمعتدلة والصحيحة، والحق معنا في كل ما نواجه“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com