هل تنجح السعودية عبر ”الضغط الاقتصادي“ في تغيير موقف ألمانيا إزاء قضايا المنطقة؟

هل تنجح السعودية عبر ”الضغط الاقتصادي“ في تغيير موقف ألمانيا إزاء قضايا المنطقة؟

المصدر: ابراهيم حاج عبدي - إرم نيوز

خطت السعودية خطوة اقتصادية ”مفاجئة“ تقضي بعدم إرساء أي عقود حكومية على شركات ألمانية، في محاولة من المملكة لحث برلين على تغيير نظرتها إزاء عدة قضايا في الشرق الأوسط، ناهيك عن النظرة الأوروبية النمطية إزاء الوضع الداخلي السعودي.

ودأبت برلين والرياض، في ظل فتور العلاقة بينهما منذ أشهر، على انتهاج دبلوماسية الحذر التي نجحت في استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين، رغم افتقارها إلى الدفء في المجال السياسي.

وتشير الأرقام إلى أن المملكة استوردت من ألمانيا، خلال عام 2017، ما قيمته 7.8  مليار دولار، وهو ما يؤكد أن السعودية شريك تجاري كبير لألمانيا، غير أن محللين اقتصاديين يرجحون أن هذا الرقم سيهبط كثيرًا بموجب القرار السعودي الجديد.

معركة تجارية محتملة

وكشفت مجلة ”دير شبيغل“ الألمانية واسعة الانتشار، في عددها الأخير، عن معركة تجارية محتملة بين الرياض وبرلين، وقالت، إنّ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أصدر أمرًا بعدم إرساء أي عقود حكومية على شركات ألمانية بعد الآن.

ولم تنسب المجلة هذه التصريحات إلى أي مصادر رسمية أو غير رسمية، كما أن الرياض التزمت، رسميًا، بالصمت، حتى هذه اللحظة.

ورجح محللون اقتصاديون أن هذا الأمر السعودي، في حال صحته، سيلحق ضررًا كبيرًا بشركات ألمانية كبرى مثل سيمنس وباير وبورينغر إنغلهايم وكذلك دايملر لصناعة السيارات.

وفي حين لم يصدر أي تعليق من باير وبورينغر أنغلهايم وسيمنس، فإن دايملر قالت إنها لا تؤكد التقرير وإن أعمالها مستمرة.

وكانت وكالة بلومبرغ للأنباء قد ذكرت في مارس/ آذار المنصرم أن هيئات حكومية أُبلغت بعدم تجديد بعض العقود غير الضرورية مع شركات ألمانية

وفازت سيمنس العام الماضي بطلبية قيمتها نحو 400 مليون دولار لتسليم خمسة توربينات غاز لمحطة مزدوجة لإنتاج الكهرباء والبخار يجري تشييدها في المملكة، وبعد فترة قصيرة، حصلت دايملر على طلبية من الشركة السعودية للنقل الجماعي (سابتكو) لشراء 600 حافلة من طراز مرسيدس-بنز سيتارو.

وصرح رئيس الغرفة الألمانية للتجارة الخارجية في الرياض أولفر أومز، في تصريحات سابقة، أن الشركات الألمانية في السعودية باتت تشعر ”بقلق متنامٍ“ على نشاطاتها، بفعل المضايقات التي باتت تتعرض لها في المملكة.

فتور سياسي

وشهدت العلاقات الدبلوماسية بين ألمانيا والسعودية فتورًا ملحوظًا منذ أن وجه وزير الخارجية الألماني السابق زيغمار غابريل انتقادات حادة اللهجة إلى الرياض، وذلك على خلفية أزمة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري العام الماضي، وهو ما دفع الرياض إلى استدعاء سفيرها الأمير خالد بن بندر بن سلطان بن عبدالعزيز في برلين، وإلى غاية اللحظة لم ترسله مجددًا إلى العاصمة الألمانية، علمًا أن السفارة تعمل لكن بتمثيل دبلوماسي مخفض.

وكان الحريري نفسه دافع عن موقف المملكة عبر تغريدة باللغة الإنكليزية نشرها، آنذاك، على تويتر قبل إقلاع طائرته من الرياض إلى باريس، إذ كتب ”القول بأني محتجز بالسعودية وغير مسموح لي بمغادرة البلاد كذبة. أنا في طريقي إلى المطار يا سيد زيغمار غابرييل“، في إشارة إلى وزير الخارجية الألماني.

وبتولي هايكو ماس حقيبة الخارجية ضمن التشكيلة الحكومية الجديدة في برلين، وبدا الوزير الجديد أكثر حذرًا في خطابه الموجه إلى الرياض، إلا أن دفء العلاقات بين البلدين لا يزال غائبًا.

وما زاد، مؤخرًا حدة الغضب السعودي، حسب دير شبيغل، موقف ألمانيا المرن في التعاطي مع طهران بشأن الاتفاق النووي.

ومنذ أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، كثفت برلين دبلوماسيتها مع الاتحاد الأوروبي وواشنطن في سبيل إنقاذ الاتفاق، وحماية شركاتها العاملة في إيران.

سوء في التقدير

ويضاف إلى أسباب التوتر، بحسب مراقبين، أن ألمانيا ترفض الاعتراف صراحة بـ ”قيمة الإصلاحات التاريخية التي قامت بها الرياض“، والتي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

ويشكو مسؤولون سعوديون من أن ألمانيا لا تقدر أهمية العلاقات التاريخية، المفيدة للطرفين، بين الرياض وبرلين، كما أنهم ينظرون للسعودية نظرة نمطية تدحضها الحقائق الجديدة على الأرض.

وكانت السعودية قد أعلنت في الفترة الأخيرة إصلاحات جذرية وصفت من قبل المراقبين بـ“التاريخية والاستثنائية“، غير أن الأوروبيين، بمن فيهم الألمان، يركزون على الجزئيات الصغيرة، ويتغافلون عن هذا الانفتاح السعودي الواسع في مختلف الأصعدة.

ويرى مراقبون أن ألمانيا، وأوروبا، التي ترفع لواء الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية، تغاضت عن هذه القيم، حين دافعت عن الاتفاق النووي متجاهلة السلوك الإيراني الطائفي سواء في داخل البلاد أو خارجها.

ويضيف المراقبون أن أوروبا تشهر ورقة الحقوق والحريات حين لا تضر بمصالحها، لكنها تتخلى عن تلك الورقة عندما تمس تلك المصالح، وهو ما يؤكده دفاعها عن الاتفاق النووي.

ويوضح مراقبون أن السعودية ليس من طبعها التصعيد، لكنها تضطر، أحيانًا، إلى استخدام الضغوطات التجارية والاقتصادية بهدف تغيير مواقف بعض الدول، وجعلها ترى الأمور بوضوح على أرض الواقع.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com