السعودية تعول على داوود الشريان لنقل الإعلام المحلي من الرتابة إلى العالمية

السعودية تعول على داوود الشريان لنقل الإعلام المحلي من الرتابة إلى العالمية

تترقب الأوساط الإعلامية في السعودية والعالم العربي، صدور قرار شبه مؤكد بتعيين الإعلامي السعودي البارز، داوود الشريان، في منصب رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون، إذ تعول عليه بلاده في نقل سلسلة محطات تلفزيونية وإذاعات محلية من الرتابة إلى العالمية؛ التي ساهم الشريان بشكل رئيس في صنعها لقنوات تلفزيونية ومحطات إذاعية خاصة.

ويشكل سحب داوود الشريان من قناة “إم بي سي” الخاصة، آخر حلقة من مسلسل وزارة الثقافة والإعلام السعودية، في الاستعانة بخبرات سعودية من القطاع الخاص الناجح، لصنع النجاح ذاته وربما أكثر منه في الإعلام الحكومي؛ الذي قيدته لعقود طويلة قوانين وثقافة اجتماعية محافظة لم تكن محطات التلفزة الخاصة تلقي لها بالًا.

إعلامي مخضرم

ينتمي داوود الشريان لجيل من الإعلاميين السعوديين الكبار الذين صنعوا النجاح الذي حققه الإعلام السعودي الخاص في السنوات الماضية، إذ ساهموا في تأسيس لبناته الأولى، ومرافقته ليكبر ويصل للجماهيرية العربية التي يحققها حاليًا.

وكان الشريان، يستعد لمرحلة جديدة من ذلك النجاح بتحضير ملفات وقضايا كثيرة للنقاش في حلقات برنامجه الشهير “الثامنة”، حيث أفرزت التغييرات الجذرية التي شهدتها المملكة أخيراً واقعاً جديداً يتطلب تعاملاً إعلامياً جديداً معه، لكن فجأة قرر الرجل إنهاء عمله في البرنامج الذي ارتبط باسمه، فقد وقع الاختيار عليه بعد زملاء آخرين سبقوه للنهوض بالإعلام الرسمي.

ليبرالي

يعكس اختيار الشريان رغبة وزارة الثقافة والإعلام السعودية في إحداث التغيير المطلوب في الإعلام الحكومي بأي ثمن، إذ تشهد المملكة تغييرات جذرية في مختلف القطاعات؛ تندرج جميعها تحت عنوان “رؤية السعودية 2030” الطموحة، وسيكون عدم مواكبة الإعلام لذلك التغيير الذي يجري بالفعل في قطاعات عديدة أمراً محرجاً، وربما يستوجب المحاسبة.

ومن أجل ذلك، اختارت الوزارة فيما يبدو، الشريان لتحقيق عدة أهداف دفعة واحدة، فإضافة لخبرة الشريان الإعلامية الكبيرة، فإنه من وجوه التيار الليبرالي السعودي المعارض لنهج المحافظين المتمثلين برجال الدين ومؤيديهم؛ ما يجعل منه قادرًا على إحداث التغيير وعدم الرضوخ لتقاليد محافظة كبلت العمل الإعلامي الحكومي لعقود، وتخلت عنها المملكة رسميًا في عدة قطاعات، وما زال الإعلام الرسمي خاضعًا لها.

البيئة المشابهة

وتشترك القنوات التلفزيونية ومحطات الإذاعة الرسميتان، مع شبكة قنوات وإذاعات “إم بي سي” الخاصة برابط واحد هو امتلاكهما لتمويل مادي كبير وقاعدة إعلامية عملاقة تشمل سلسلة قنوات تلفزيونية ومحطات إذاعية وعددًا كبيرًا من الموظفين والمقار والمكاتب.

ومن المرجح أن يكون ذلك التشابه سبباً في تعيين الشريان بمنصب رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون، بحيث يشرف على نجاح جميع السلسلة الإعلامية الحكومية من قنوات وإذاعات أسوة بحال قنوات وإذاعات “إم بي سي” و “روتانا” اللتين تحققان نجاحاً جماعياً.

العمل بأمان

ينتظر الشريان -بكل تأكيد- انتقادات ستظهر مع مباشرته لعمله كرئيس في هيئة الإذاعة والتلفزيون، إذ سيعتبر المسؤول عن التغيير المرتقب في الإعلام الحكومي، لكن كل تلك الانتقادات لن تتعدى مواقع التواصل الاجتماعي، وربما بأسماء وهمية، إذ يخشى أصحابها أن يكون انتقادهم الحاد مخالفاً لقوانين النشر الإلكتروني التي تتضمن السجن والغرامة.

لا بل سيعمل الشريان بأمان وظيفي واجتماعي لم يتوافر لغيره من قبل، إذ تغيرت المملكة خلال الأشهر الأخيرة أكثر مما تغيرت خلال 30 سنة ماضية، وصفها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أخيرا بالدوامة، وتعهد بالخروج منها.

التوقيت الذهبي

سيبدأ الشريان عمله في الإشراف على تطوير سلسلة قنوات وإذاعات حكومية بالتزامن مع تعرض الشبكتين الإعلاميتين المنافستين بقوة “روتانا” و “إم بي سي” لنكستين لا يعرف على وجه الدقة إلى أين ستصل.

فمالكا المجموعتين، الأمير الوليد بن طلال، ووليد الإبراهيم، معتقلان منذ أكثر من أسبوع بتهم فساد وغسيل أموال، إلى جانب أمراء من الأسرة الحاكمة، ووزراء حاليين وسابقين، ورجال أعمال آخرين.

ورغم أن التوقيفات التي جرت لحد الآن تستند لاتهامات لم يتم إثباتها بعد، إلا أن أي نتيجة مغايرة للبراءة تهدد وجود الشبكتين التلفزيونيتين العملاقتين؛ اللتين تستحوذان على الحصة الكبرى من المشاهدين والإعلانات في العالم العربي.

الجرأة

توج الشريان سنوات عمله الطويلة في الإعلام السعودي والعربي بالوصول لمرحلة من الجرأة قلما يمتلكها إعلامي عربي، وهو ما انعكس في حلقات برنامجه “الثامنة” الذي كان يصرخ في كثير من حلقاته بوجه القوانين والمسؤولين.

وبينما يقول الشريان إنه “يمتلك جرأته من خلال قربه من الناس وطرح قضاياهم ومعاناتهم، يرى آخرون أن جرأته نابعة من شبكة العلاقات الرسمية التي كونها في مسيرته المهنية، لكن الأكيد أن كلا الأمرين منحا الشريان جرأة، وقرباً من هموم الناس سيظهران في الإعلام الحكومي قريباً ليمنحاه ميزتين أساسيتين في سلم النجاح.

الانفتاح

يتزامن عمل الشريان المرتقب في التلفزيون والإذاعة الحكوميين، مع إتمام المملكة لحزمة تغييرات غير مسبوقة، إذ قطعت السعودية شوطًا في الانفتاح، وإنهاء عقود من الانغلاق على الفنون والترفيه وأنواع كثيرة من الرياضات.

ولن يحتاج الشريان لأي معركة لبدء بث الأغاني والترفيه والفنون عبر محطات التلفزة والإذاعة التي سيكون مسؤولاً عن مديريها، إذ بدأت القناة السعودية الأولى أخيراً بث الأغاني في تغيير لم يكن معهوداً حتى وقت قريب، فيما يدير القناة شاب قادم من قناة “العربية” قبل وقت قصير، هو الإعلامي خالد مدخلي.

ويمكن أن تتوج كل تلك التوقعات، بأن يتم على سبيل المثال بث حفلة فنية مرتقبة أواخر الشهر المقبل، للفنان العراقي كاظم الساهر، عبر إحدى محطات التلفزة الحكومية، في تقليد اعتادت عليه قناة “إم بي سي” وجلب لها شهرة كبيرة قد لا تحصل عليها بعد الآن، مع وجود منافس قوي كالإعلام الحكومي بإدارة شبه خاصة.