هل تحاصر السعودية التفسيرات المتشددة للشريعة عبر مؤسسة دينية جديدة؟

هل تحاصر السعودية التفسيرات المتشددة للشريعة عبر مؤسسة دينية جديدة؟

المصدر: قحطان العبوش – إرم نيوز

ينشغل عدد كبير من رجال الدين والكتاب والإعلاميين في السعودية ودول إسلامية أخرى، منذ نحو أسبوع، بالحديث عن خطوة الرياض الأخيرة التي أمر بموجبها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، بإنشاء مجمع ديني خاص بالأحاديث النبوية الشريفة.

 ومن المتوقع أن يسهم المشروع في تبني واعتماد وترويج تفسيرات محافظة للشريعة الإسلامية في السعودية وحتى خارجها.

وكان الملك سلمان أصدر منتصف الأسبوع الماضي مرسومًا ملكيًا بإنشاء ”مجمع خادم الحرمين الشريفين للحديث النبوي الشريف“، وتقرر أن  يكون مقره المدينة المنورة، وله مجلس علمي يضم صفوة من علماء الحديث الشريف في العالم، ويعين رئيسه وأعضاؤه بأمر ملكي”.

وسيكون المجمع الديني الجديد، في المرتبة الثانية من حيث الأهمية والتأثير بعد هيئة كبار العلماء، وهي أرفع مؤسسة دينية في المملكة، والمخولة وحدها فقط بإصدار الفتاوى الدينية في كل الأمور عبر رئيسها وهو مفتي المملكة وأعضائها الذين يعينهم الملك.

توحيد الخطاب الديني

تبنت المؤسسة الدينية الرسمية في السعودية خطابًا معتدلاً في بعض الأحيان، ورفضت العنف والقتال تحت أي مبرر خارج حدود المملكة، لكنها ظلت محافظة في قضايا أخرى تتعلق بالشأن الداخلي للمملكة والحياة الاجتماعية فيها، فيما كان للدعاة المستقلين آراؤهم الخاصة في الغالب في كثير من القضايا بما فيها القتال.

وتراجعت السعودية عن تبني تلك النظرة الدينية المحافظة منذ نحو عامين تقريباً، وأجرت تغييرات جذرية في عدة جوانب ثقافية واجتماعية ضمن خطة تغيير واسعة، لكنها واجهت انتقادات واعتراضات من الداخل لدعاة مستقلين يتبنون آراءً مغايرة لآراء المؤسسة الدينية الرسمية.

وينظر لمجمع الأحاديث النبوية الجديد على أنه خطوة في محاصرة تلك التفسيرات غير الرسمية عبر حصر ونشر وترويج وتبني الأحاديث النبوية الشريفة وتفسيراتها بمؤسسة رسمية، بحيث تكون متوافقة مع فتاوى وآراء باقي مؤسسات وعلماء الدين المنضوين تحت المظلة الحكومية.

تفسير ديني

نص المرسوم الملكي المنشئ للمجمع على أنه ”نظراً لعظم مكانة السنة النبوية لدى المسلمين، كونها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، واستمرارًا لما نهجت هذه الدولة من خدمتها للشريعة الإسلامية ومصادرها، ولأهمية وجود جهة تعنى بخدمة الحديث النبوي الشريف، وعلومه جمعاً وتصنيفاً وتحقيقاً ودراسة تقرر إنشاء هذا المجمع“.

والتفسير الذي قدمته وزارة الثقافة والإعلام على لسان وزيرها عواد العواد لم يكشف الكثير من التفاصيل عندما قال ”مجمع الملك سلمان للحديث النبوي الشريف سوف يصون الأحاديث الصحيحة، وسيكون مرجعية أصيلة للحديث النبوي الشريف وعلومه جمعاً وتصنيفاً وتحقيقاً ودراسة“.

وبين دعاة في السعودية وخارجها الدور الذي سيلعبه المجمع الجديد في تبني خطاب ديني يستند لمرجعيات موحدة ومتفق عليها، مركزين على الصورة التي يرسخها في أذهان العالم عن كون المملكة قبلة المسلمين ومرجعيتهم الروحية بالرغم من محاولة البعض إضفاء صبغة جديدة عليها بعد أن أجرت تغييرات سمحت بموجبها بإقامة الحفلات الفنية والموسيقى والاختلاط بين الجنسين في بعض المناسبات.

تفسير سياسي

دخل كتاب وإعلاميون على خط النقاش والشرح حول مجمع الحديث الجديد، في مؤشر على أن دوره سيتجاوز ملف البحث الديني البحت، وهو ما تبناه بعضهم بشكل علني بالرغم من عدم إعلان المجمع لخطة عمله والأهداف التفصيلية التي يسعى لتحقيقها لحد الساعة.

وقال الكاتب السعودي الدكتور صالح سلطان في حديثه عن المجمع ”ليس هدف المشروع جمع الحديث وتمييز الصحيح من الضعيف والموضوع، فهذا قد تم تحقيقه على أيدي علماء الأمة عبر مئات السنين، الذين شرفهم الله سبحانه بخدمة حديث رسوله وعلى رأسهم الإمام البخاري رحمه الله. وليس هدف المجمع أن يكون نسخة إضافية لأقسام الحديث في الجامعات أو الكليات المهتمة بالعلوم والدراسات الإسلامية. ما يسعى إلى تحقيقه المجمع أبعد من ذلك“.

وأضاف سلطان في مقال له نشر بصحيفة ”الاقتصادية“ السعودية، ”مع توسع العالم وتفرقه وتطور التقنية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وكثرة من يفتون ويرسلون المعلومات الصحيحة وغير الصحيحة البريئة وغير البريئة.. التطور التقني سهل وزاد من انتشار الأحاديث الموضوعة. كثرت الفتن وكثر القول بغير علم“.

واختار الكاتب الفلسطيني، بكر عويضة، اليوم الأربعاء، الحديث عن المجمع، موضوعاً لمقاله في صحيفة ”الشرق الأوسط“ حيث كتب تحت عنوان ”مجمع يستحق الإجماع“ ”واضح أن تمادي البعض في استمرار سوء استخدام الحديث النبوي الشريف بلغ حدًا يوجب التصدي. في هذا الإطار، يأتي إنشاء (مجمع الملك سلمان للحديث) ليشكل خطوة خير تدفع عن الإسلام شر سوء تفسير الأحاديث النبوية“.

وأضاف عويضة في مقاله ”هذه مهمة تستحق معاضدة كل المرجعيات الإسلامية الفاضلة في مشارق الأرض ومغاربها. إن قيام هيئة تجمع عددًا من كبار العلماء من مختلف أنحاء العالم، ويكون مقرها قرب المسجد النبوي بالمدينة المنوّرة، ومهمتها هي النهوض بمهمة التدقيق في استخدامات الأحاديث النبوية، فترفض أي تفاسير تؤذي مقاصد الأحاديث، أو تتعارض مع قيم الدين، بغرض تبرير جرائم الإرهاب، هو أمر ينصف تراث الرسول الكريم أولاً، ويبرئ الدين القيّم مما ابتلي به ثانياً، ويسهم، ثالثاً، في أن يسترد المسلمون دينهم ممن اختطفوه“.

وعند بدء المجمع بعمله بشكل فعلي، فإن كثيرًا من الآراء والفتاوى التي نشرها بعض دعاة السعودية عبر حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي قد تكون بحاجة للمراجعة أو التعديل وحتى الحذف، إذا ما اتضح أنها مبنية على أحاديث نبوية أو تفسيرات محددة لها غير معتمدة من مجمع الملك سلمان للحديث.

ويقود ولي العهد السعودي الشاب، الأمير محمد بن سلمان، خطة طموحة للتغيير تحت مسمى ”رؤية السعودية 2030″، ورغم أنها اقتصادية في الأساس وتستهدف تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، إلا أنها تتضمن جوانب اجتماعية وثقافية، تم تطبيق جزء منها مثل السماح للنساء بقيادة السيارات بعد عقود من المنع استناداً لآراء دينية.

وقال الأمير الشاب أمام عدد من كبار رجال الأعمال في العالم، أمس الثلاثاء، إن بلاده لا تعيش حالياً مرحلة جديدة، وإنما عادت لمرحلة الاعتدال التي كانت سائدة قبل مرحلة الصحوة التي بدأت في العام 1979، عندما بدأ دور رجال الدين يتعاظم في الحياة العامة للسعوديين.