سوريون يتجمعون بالقرب من مبنى متضرر بعد قصفه بصواريخ إسرائيلية في كفرسوسة بدمشق
سوريون يتجمعون بالقرب من مبنى متضرر بعد قصفه بصواريخ إسرائيلية في كفرسوسة بدمشقرويترز

"رسائل النار".. هل تحولت سوريا إلى ساحة لـ"تنفيس" الاحتقان الإقليمي؟

تحولت الأرض السورية إلى ميدان واسع لتبادل الرسائل وتصفية الحسابات بين مختلف القوى الإقليمية والدولية؛ إذ لا يكاد يمر يوم من دون هجمات متبادلة بين اللاعبين الرئيسين، في ظل عجز واضح من الحكومة السورية أو القوى المحلية الأخرى.

ثمّة من يرى أن هذا الواقع "شبه متفق عليه"؛ إذ أصبح الميدان السوري ساحة لتنفيس الاحتقان الإقليمي، بتواطؤ جميع الأطراف التي لا ترغب في الذهاب إلى اشتباك مباشر باهظ التكاليف على الجميع.

وعلى الرغم من أن هذا الواقع ليس وليد اليوم أو الأشهر الأخيرة، إلا أن وتيرة الهجمات بين الأطراف المتصارعة، شهدت ازدياداً كبيرا في وتيرتها منذ بدء الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حيث تتواصل الهجمات والقصف المتبادل بين مليشيات إيرانية من جهة، والقوات الأمريكية من جهة أخرى في أقصى الشرق السوري.

وتعتمد إيران على ميليشياتها في العراق وسوريا لتوجيه الرسائل إلى الولايات المتحدة، من خلال هجمات بطائرات مسيّرة طالت العديد من القواعد الأمريكية في سوريا، سواء في شرقي نهر الفرات، أو قاعدة التنف في المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني.

من جهتها، دأبت إسرائيل خلال السنوات الماضية على استهداف ما تقول إنها أهداف إيرانية على الأراضي السورية، من قواعد أو مراكز بحوث علمية أو مطارات، أو مستودعات أسلحة وذخائر.

وفضلاً عن القصف الأمريكي والإسرائيلي المستمر على الأراضي السورية، يتواصل القصف التركي هو الآخر على الأراضي السورية في الشمال الشرقي ضد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) المدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

حرب وكلاء

وتتبادل القوى "رسائل النار" عبر وكلاء على الأرض أو ميليشيات تابعة لها، وكلما تأزمت العلاقات تبدأ رسائل النار حتى بين من يفترض أنهم حلفاء، فالجانب الروسي يستهدف مواقع في شمال غربي سوريا - وهي منطقة نفوذ تركية خالصة - كلما حدث توتر روسي تركي في ساحات أخرى مثل القوقاز مثلاً. بينما تقصف أنقرة مواقع لـ"قسد" التابعة لواشنطن، والتي تضرب بدورها الميليشيات الإيرانية في شرقي سوريا.

لا اتفاق

الكاتب والمحلل السياسي السوري مازن بلال ينفي أن يكون هناك اتفاق بين الأطراف لتحويل الساحة السورية إلى ساحة لتفريغ الضغط تلافيا لمواجهة مباشرة؛ إذ يقول في تعليق لـ "إرم نيوز" إنه ضمن السياسة الدولية لا توجد اتفاقات بجعل بلد ما ساحة معارك، بل هناك جغرافيا يحدث فيها تماس بين كافة القوى وذلك في ظل ضعف الدولة، وهذا ما يحدث في سوريا.

ويضيف: في الأساس، بدأت المواجهات غير المباشرة ضمن الصراع على المنفذ البحري السوري، وكانت معظم القوى الإقليمية تحاول منع وصول إيران إلى هذا المنفذ، سواء عبر خطوط النفط أو التجارة أو حتى القواعد العسكرية، وبالمقابل، فإن إغلاق هذا المجال الحيوي بالنسبة لإيران هو ما جعل من سوريا قضية ايرانية بامتياز.

وأشار بلال إلى أن ما حدث هو أن "المجال الحيوي الإيراني لم يتم تثبيته عبر نظام أمن إقليمي، فبقي مساحة مكشوفة -لكنها ضرورية لإيران - بهدف منع الولايات المتحدة أو حتى القوى الإقليمية من ملء الفراغ السياسي والأمني في سوريا. ويستنتج المحلل السياسي أنه "بالتالي سيظهر هذا النوع من الاشتباك بين الأفرقاء في سوريا أو حتى في لبنان، فهي مناطق الصراع لرسم أدوار إقليمية لدول المنطقة كافة".

احتواء "متفق عليه"

رئيس حركة البناء الوطني في سوريا، أنس جودة، قال لـ"إرم نيوز" إن سوريا هي بالفعل ساحة صراعات وصندوق بريد لتبادل الرسائل الإقليمية والدولية، "فهذا واقع نراه كل يوم."

وأضاف أن المشكلة السورية اليوم بعد القضاء على "داعش" تقع في مرحلة الاحتواء المتفق عليه ضمنيا بين جميع الأطراف، أي بين حد منع عودة الانفجار والعمليات العسكرية الكبرى، وبين حد عدم وجود توافق على حل سياسي نهائي. ويعتقد جودة أنه "لا يوجد من يستطيع أو يريد الانغماس في المشكلة السورية ومحاولة حلها نظرا لتعقد الملف وتضارب التنازلات المطلوبة من الأطراف الإقليمية."

ويرى أن "الأمر فعليا ليس اتفاقا على إبقاء سوريا ساحة صراعات، بل عدم اتفاق على الحل"، بالإضافة إلى أن الوضع الحالي مناسب للجميع، بحيث لا يحملهم التزامات كبيرة، وطبعا الخاسر الوحيد هو المجتمع السوري.

ويلفت جودة إلى أن "الخطر يكمن عندما تخرج إحدى الرسائل عن حدها" كما حدث في استهداف القاعدة الأمريكية على الحدود الأردنية، حينها يمكن أن تنقلب كل الأمور.

ووفقا لجودة، فإن ثمة قاعدة تاريخية أثبتتها حرب غزة، وهي أنه لا يمكن احتواء الصراعات للأبد، ومن دون حل نهائي ستبقى الأمور قابلة للانفجار في أي لحظة.

ويختم رئيس حركة البناء الوطني حديثه بالقول، إن السوريين لم يعد بإمكانهم احتمال أي توتر، فهم بالكاد قادرون على تأمين لقمة العيش، ولهذا من الضرورة القصوى العمل على اتفاق سياسي إقليمي إطاري يثبت حالة الاستقرار، وينقل سوريا لوضع التعافي، تمهيدا لمرحلة مقبلة يمكن فيها الحديث عن حل سياسي مستدام.

الأكثر قراءة

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com