بعد أن حدد ترامب موقفه.. ماذا بقي لقطر من خيارات؟ الحلقة (2)

بعد أن حدد ترامب موقفه.. ماذا بقي لقطر من خيارات؟ الحلقة (2)

المصدر: واشنطن – إرم نيوز

نواصل في هذه الحلقة الثانية، من سلسلة ”بعد أن حدد ترامب موقفه.. ماذا بقي لقطر من خيارات؟“، عرض الخيارات المتاحة أمام دولة قطر، إثر الموقف الصريح من الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حول الأزمة، وهو الموقف الذي لم يدع مجالاً لأنصاف التسويات، تاركًا الدوحة أمام خيارات صعبة.

وفي العصف الذهني النشط، الدائر حالياً في الأوساط الدبلوماسية العربية بواشنطن، حول خيارات قطر بعد تصريحات ترامب، جرى تسجيل ملاحظة مركبّة، يعرفها السياسيون، لكن لم يشر إليها أحد بالوضوح المفترض.

وتقول هذه الملاحظة، إن النظام في قطر لا يستطيع أن يتحمل تنفيذ المطالب الخليجية والأمريكية، لأن ذلك يعني أن ”قطر ستفقد الوظيفة التي اضطلعت بها منذ انقلاب الأمير حمد على والده، وهي نفس الوظيفة التي بررت او استوجبت تنازل الأمير حمد لابنه تميم قبل ثلاث سنوات“.

مبرر وجود النظام القطري

ولتبيان مضامين القناعة بأن هناك وظيفة خاصة للنظام القطري اضطلع بها طوال ربع القرن الماضي ولا يستطيع الخروج منها، أظهر ملحق عسكري في سفارة عربية بواشنطن، وثيقة بحثية تعود إلى عام 2015، أشرف عليها عزمي بشارة، مستشار أميري قطر السابق والحالي، والذي يعمل بوظيفة بحثية في إدارة مركز الدوحة (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات).

الوثيقة البحثية المسماة ”دراسة تتبع السياسة الخارجية القطرية، وتأثيرها على الأمن الإقليمي“، تحدّد الركائز التي اعتمدها انقلاب 1995، والتي أرادت بها بريطانيا والولايات المتحدة أن تضطلع الدوحة بدور خاص في الخليج والشرق الأوسط، يتم فيه توظيف المال والإعلام والعلاقة مع المجتمع المدني من أجل إعادة تركيب النظام الإقليمي في المنطقة.

وتشخص الوثيقة البحثية الوظائف والأدوار المفترضة لما تسميه ”دبلوماسية الدول الصغيرة“، حيث تشير إلى عدة أوراق جرى تصنيعها واللعب بها خلال السنوات الماضية:

الورقة الأولى، هي إعطاء القيادة ”صفة النخبوية“، وهو ما تقول الوثيقة إنه يستهدف جعل ”أمير قطر يلعب دور الزعيم الألماني (مترنخ)، حيث يتولى  بناء منظومة أمن في الشرق الأوسط قائمة على مبدأي (الشمولية وتوازن القوة)“.

ولأجل تنفيذ هذا الهدف، جرى اعتماد مبدأ ”القوة الناعمة في تشكيل السياسات الخارجية القطرية“. والقوة الناعمة كما حددتها الوثيقة هي ”المال و الإعلام، ودبلوماسية التوسط في الأزمات الإقليمية والدولية“.

وتعطي الوثيقة، أمثلة على ذلك بالدور القطري الخاص بتعزيز نتائج الاتفاق النووي الإيراني، وقبله الوساطة في الأزمة اللبنانية عام 2008، مع شواهد ونماذج أخرى عديدة.

المخابرات البريطانية

وتتضمن الوثيقة، إشارة الى تسريبات مخابراتية، تؤكد أن بريطانيا والولايات المتحدة كانتا ترعيان هذا النهج القطري، وفق قناعة بأنه يحقق لكل منهما مطالبه الخاصة، في إعادة هيكلة التشكيلات الإقليمية.

وتعطي الوثيقة وظيفة محورية لقناة الجزيرة في تشكيل ما أسمته بـ“تحالف الإرادات“، وذلك من خلال بناء علاقة مفصلية بين قطر والمجتمعات المدنية في الدول العربية، تحتل فيها الدوحة موقع ”الشريك الأقوى في الهندسة الإقليمية الجديدة“.

وتعترف الوثيقة التي أشرف عليها عزمي بشارة، وكتبها ”براند كوسلر“ بأن النظام القطري في اضطلاعه بهذه الوظيفة، يعرف سلفاً أنها ستثير حفيظة الدول العربية الكبرى التي ستتصرف بشكل غاضب، كما حصل في فترة الربيع العربي، وفي أزمة 2014 مع دول مجلس التعاون. ولكن الوثيقة لا تعطي أهمية لغضب الدول الخليجية والعربية من تصرفات وسياسات قطر، بل تصف هذا الغضب، بأنه ”حرب خطابات“ في مقابل ما تقوم به وتلتزمه الدوحة من ”حرب المناورات الاستراتيجية“، حسب ما جاء في الوثيقة.

مجازفتان أكبر من الدوحة

وتنتهي التحليلات السياسية في واشنطن والعصف الذهني حول الخيارات المتاحة أمام قطر بعد تصريحات ترامب، إلى القناعة بأن خضوع قطر لمستحقات الوساطة الكويتية والأمريكية، سيضع الدوحة أمام خيار أن تفقد وظيفتها التي أناطتها بها لندن وواشنطن منذ أواسط التسعينات، وهي مخاطرة يعرف النظام القطري، أنها أكبر من مجازفة الانضواء في تحالف عضوي مع إيران وتركيا.

ارتهان للمخابرات

وبعد أن اعلن ترامب يوم الجمعة، تغييرًا جذريًا في الموقف الأمريكي القديم من قطر، فإن الحليف الدولي السري والأساسي للسياسات القطرية القديمة سينحصر في بريطانيا المعروفة بأنها الراعي الأممي الأول للإخوان المسلمين، والتي ما فتئت تراهن عليهم في شرق أوسط عاصف تحتاج فيه الى إدامة الوظيفة التي نهضت بها قطر طوال ربع القرن الماضي.

فإلى أي حد سيقبل أمير قطر أن يجازف في الاستمرار بتحالفه وارتهانه للمخابرات البريطانية، بعد أن رفعت واشنطن يدها وانخرطت في الوساطة المشروطة بجدية والتزام الدوحة سلفًا بخريطة طريق واضحة؟ هذا هو ”سؤال المليون دولار“ الذي يعرف أمير قطر أن كلفته عليه شخصيًا ستبقيه مستنفرًا لأشهر طويلة قادمة تستغرقها الوساطات الأمريكية والكويتية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com