”رؤية السعودية 2030“.. الشق الاجتماعي والديني يسيطر على اهتمام السعوديّين

”رؤية السعودية 2030“.. الشق الاجتماعي والديني يسيطر على اهتمام السعوديّين

المصدر: قحطان العبوش – إرم نيوز

تحمل ”رؤية السعودية 2030“ وهي خطة طموحة للتغيير طويل الأمد، جوانب اقتصادية واجتماعية وثقافية متعددة، لكن اهتمام السعوديين بها يتركز بشكل رئيس على تغيير واحد فقط يتعلق بطبيعة المجتمع السعودي المحافظ على حساب باقي التغييرات التي يمس بعضها حياتهم بشكل مباشر.

وبعد نحو عام تقريباً على إطلاق الخطة بشكل رسمي من قبل ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، يبدي السعوديون تفاعلاً لافتاً مع كل خطوة جديدة في الخطة الإستراتيجية يستمر لأيام وربما أسابيع قبل أن ينشغلوا بخطوة أخرى يتم الكشف عنها متجاوزين ما قبلها.

لكن التغيير المرتبط بطبيعة المجتمع السعودي المحافظ الذي تحكمه الشريعة الإسلامية المطبقة في المملكة، هو الثابت في نقاشات السعوديين ونخبهم الثقافية والدينية التي تتخذ من وسائل الإعلام المحلية المتعددة ومواقع التواصل الاجتماعي واسعة الانتشار ساحة لها.

هيئتان لمعروف والترفيه

وسبق الإعلان عن مشروع ”رؤية السعودية 2030″، صدور قرار حكومي يقضي بتقليص صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليتم بعدها إعلان البدء بتطبيق الرؤية التي تضمنت إنشاء هيئة الترفيه الحكومية الأولى من نوعها في المملكة.

وبينما كان أنصار هيئة الأمر بالمعروف يقودون حملات واسعة وغاضبة للمطالبة بإعادة صلاحيات هيئتهم المسؤولة عن تطبيق قواعد الشريعة الإسلامية في المجتمع، تم الإعلان عن إنشاء هيئة الترفيه المسؤولة عن إقامة فعاليات فنية وثقافية وترفيهية غابت عن السعودية لعقود.

ومنذ ذلك الحين، قلما يغيب الحديث عن الهيئتين الحكوميتين في السعودية، إذ يرى كثير من السعوديين أن عمل الهيئتين متناقض، وأن إحداهما ستلغي الأخرى حتماً، لذلك لا يتوقفون عن الدفاع عن الهيئة التي يؤيدونها وفقاً لتقسيماتهم كمحافظين متمسكين بالشكل الحالي للمجتمع السعودي، وليبراليين مطالبين بالتغيير.

الصراع على الهيئة

وبعد نحو عام تقريباً من تلك التغييرات، تبدو نقاشات السعوديين اليومية التي اعتادوا الخوض فيها على مواقع التواصل الاجتماعي متركزة حول الهيئتين.

 ويبدو ذلك النقاش وقد وصل مرحلة التصادم مع بدء هيئة الترفيه بتنفيذ نشاطات كثيرة في عدة مناطق بالمملكة، بينما يغيب دور هيئة الأمر بالمعروف بشكل شبه كامل عن حياة السعوديين بعد عقود من تصدرها للاهتمام من خلال نشاط رجالها الميداني في شوارع المملكة وأسواقها وأماكنها العامة.

وحتى اعتقال الداعية السعودي البارز، عصام العويد، يوم الجمعة الماضي، الذي تم نسبه لذلك الصراع رغم عدم صدور بيان رسمي يؤكد ذلك، إذ كتب الرجل قبل أيام قليلة من اعتقاله على حسابه في موقع ”تويتر“ ما يشبه التهديد للحكومة بسبب نشاطات هيئة الترفيه.

وسبق اعتقال العويد، سجالات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما ”تويتر“ الأكثر رواجاً في المملكة، تصدرتها نخب ثقافية ودينية معروفة، دافعت بلهجة قوية عن مواقفها المؤيدة لإحدى الهيئتين والمطالبة بإلغاء الأخرى.

ولم يقلل قرار هيئة الترفيه بتأجيل البت في قضية افتتاح دور سينما إلى مرحلة لاحقة من حدة تلك السجالات، إذ كانت الحفلات الغنائية الجماهيرية والعروض المسرحية الفنية التي شهدتها المملكة في الفترة الماضية كفيلة بإذكاء ذلك السجال.

وشكلت نشاطات هيئة الترفيه صدمة لتيار المحافظين السعوديين الكبير والذي يقوده رجال دين معروفون لهم تأثير واسع في المجتمع، إذ كانت مثل تلك النشاطات أمراً يصعب حتى تخيل إقامته في السعودية إبان الصلاحيات الواسعة التي كانت ممنوحة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي أوقف رجالها في الماضي فعاليات أصغر لم يشفع فيها وضع حاجز بين الرجال والنساء.

تجاذب كبير

وخلال الأيام القليلة الماضية، شهدت السعودية عدة مؤشرات على تصاعد الخلاف الداخلي على التغيير الاجتماعي في المملكة بعد أن أصبح ملموساً، وارتفع مستوى الشد والجذب بين مؤيدي ذلك التغيير ومعارضيه.

ومن دون مناسبة، استقبل الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ عبدالرحمن السديس، مساء السبت، في منزله، الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدكتور عبدالرحمن السند.

 وتحدث السديس خلال مأدبة عشاء بشكل واضح عن وجود أعداء لهيئة الأمر بالمعروف يحاولون أن ”يغرقوا سفينة الأمة والمجتمع وتشويه صورة جهاز الرئاسة العامة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو تحجيم صلاحيته“.

وبالمقابل، تلقى فعاليات هيئة الترفيه إشادة كبيرة وتشجيعاً لإقامة المزيد منها من قبل كتاب وإعلاميين وفنانين سعوديين محسوبين على التيار الليبرالي الذي قلما يمتدح أعضاؤه أي جهاز حكومي.

وكما هو متوقع، فإن التغيير الذي تعتزم السعودية تنفيذه يواجه عقبات واعتراضات في مجتمع ظل لعقود طويلة خاضعاً لسلطة رجال الدين شبه المطلقة، لكن ذلك التغيير الذي يدعمه كتاب وإعلاميون ومشاهير يسير رغم تلك الاعتراضات.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com