الميزانية السعودية التاريخية تظهر جهودًا لكسب التأييد لخطة الإصلاحات ”الطموحة“

الميزانية السعودية التاريخية تظهر جهودًا لكسب التأييد لخطة الإصلاحات ”الطموحة“

المصدر: إرم نيوز- إسماعيل الحلو

قدم المسؤولون السعوديون أكثر الميزانيات تفصيلاً بتاريخ المملكة، في محاولة لإقناع المواطنين والمستثمرين الجادين بخطة لإصلاح العجز وإبعاد الاقتصاد عن اعتماده على النفط، وفق وكالة ”بلومبيرغ“ الاقتصادية.

وقُدمت عشرات الصفحات والشرائح في مؤتمر صحفي استمر لساعات طُرحت فيه عدة سيناريوهات عن الإنفاق العام الذي أنهكه انخفاض أسعار النفط، لمدة عامين وكيف يمكن أن يتطور حتى عام 2020.

وقالت الحكومة ”إنها خفضت الإنفاق بنسبة 16% لهذا العام وخفضت عجز الموازنة أكثر مما هو متوقع“ وتنبأت بأن العجز سيقل مرة أخرى العام المقبل حيث ستتحسن الأرباح، وقد يتحول العجز إلى فائض مع بدايات عام 2019 في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً.

وبينما رحب بعض المحللين بالتفاصيل غير المسبوقة، فإن آخرين أظهروا الشكوك، في موثوقية الرسوم البيانية ومشيرين إلى أن جهود الحكومة لضبط الميزانية خلال السنوات الأربعة القادمة ما زالت تعتمد على ارتفاع أسعار النفط.

وعكست التصريحات أيضًا الرياح المعاكسة التي تواجه أكبر اقتصاد عربي، حيث أن غالبية المواطنين السعوديين يعملون في القطاع العام، ويعتمد القطاع الخاص على العمالة الأجنبية الرخيصة. وبالكاد نما القطاع غير النفطي هذا العام، حيث توسع القطاع الخاص بما دون 1%.

وقال كريسبين هاوس، المدير العام لمركز معلومات تينيو في لندن من خلال رسالة إلكترونية: ”هناك رغبة حقيقية بين المسؤولين الكبار لتحديد المشاكل الهيكلية، إلا أن الميزانية تظهر إرادة الحكومة استخدام عوائد تصدير النفط الخام التي تكون أعلى من المتوقع لتوجيه النمو عبر الإنفاق بشكل أوسع. بمعنى آخر، ستبقى أرباح النفط هي العامل المسيطر في الأمور المالية للمستقبل القريب“.

وتمثل هذه الخطط ذروة العام الذي شهد أكبر إصلاحات اقتصادية أساسية في تاريخ السعودية، حيث وضع ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، خطة استراتيجية لإنهاء ”إدمان“ المملكة على النفط.

وبالرغم من أن خام برينت انتعش هذا العام ليصل إلى سعر 55 دولارا للبرميل، إلا أنه بقي تحت معدله خلال عشر سنوات بنسبة 35%. وفي واحدة من أجرأ الخطوات المعلنة، قال وزير الطاقة خالد الفالح إن أسعار الوقود والكهرباء ستعتمد على الأسعار العالمية خلال أربع سنوات.

 ظروف صعبة

وقال الملك سلمان في خطاب: تأتي الميزانية ”في ظل ظروف اقتصادية صعبة في أغلب الدول، ويتضمن ذلك نموًا اقتصاديًا بطيئًا وانخفاضًا في أسعار النفط مما ترك أثرًا على بلدنا“.

ولم يظهر الوزراء الثلاثة والمسؤولان اللذان اعتلوا خشبة المسرح في دار عرض كبيرة في الرياض أي إشارة للتراجع عن الخطط للابتعاد عن النمط الاقتصادي الذي تقوده الحكومة والذي لا يمكنها بعد الآن أن تحافظ عليه.

تحدي عام 2017

وقال عماد موستاق عبر رسالة بريد الكتروني، وهو خبير استراتيجي في مركز استشارات الأسواق الجديدة ”اليكتيك ستراتيجي“ في لندن ”ما زالت الميزانية تعتمد بوضوح على النفط والأرباح المتعلقة بالنفط، لكنها تظهر نمواً مبهجاً في الأرباح غير النفطية. تم الآن التركيز على غالبية الأرباح المنخفضة غير النفطية، سيكون عام 2017 هو العام الذي نحتاج به أن نرى الانطلاقة الاقتصادية الكامنة وتوفر مئات الآلاف من الوظائف التي يحتاجها الجيل القادم من السعوديين“.

وأظهرت بيانات الموازنة التي تم الكشف عنها يوم الخميس الماضي لأول مرة توقعات لاتجاه الأرباح والانفاق خلال السنوات الأربعة القادمة والإنفاق العسكري للدولة. حيث قالت المملكة بأنها ستخصص أقل بمقدار 7% على ميزانية الدفاع في العام القادم رغم أنها ما زالت تقود التحالف الذي يحارب في اليمن.

وبدأ المواطنون السعوديون بالتجاوب مع الشروط في ماهية تأثير خطة النظرة السعودية 2030 على حياتهم. حيث ألغيت الدفعات الإضافية لموظفي الدولة وتم تخفيض رواتب الوزراء بنسبة 20% في أيلول/ سبتمبر.

وبدأت الحكومة برفع أسعار الوقود في نهاية العام الماضي، وتضمن ذلك رفع أسعار البنزين بما لا يقل عن 50%. وسيتم تقديم ضريبة القيمة المضافة عام 2018 أيضًا وستبدأ المملكة بفرض بعض الرسوم على العمالة الوافدة.

الدفعات

ولتقليل الأثر الاقتصادي على المواطنين ذوي الدخل المحدود في الدولة التي بلغ تعداد سكانها 31 مليون نسمة، سيكون السعوديون قادرين على التقدم بطلب لتمويل إجمالي يبلغ 25 مليار ريال (6.7 مليار دولار) يحصلون عليه على شكل دفعات نقدية لمساعدتهم على التأقلم مع الدعم الأقل، كما قال نائب وزير العمل والتنمية الاجتماعية احمد الحميدان. وسيتم زيادة حجم البرنامج إلى حد 60 مليار ريال بحلول عام 2020.

وبعد تضييق وشد الأحزمة عام 2016، ستزيد المملكة الإنفاق في العام القادم لتحفيز النمو الاقتصادي الذي وصل إلى 1.4% هذا العام واعتبر الأبطأ منذ بداية فترة الركود عام 2009. ورغم هذا، يُرى بأن عجز الميزانية تقلص إلى 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي مما كان عليه هذا العام 11.5%.

وستعتمد الدولة أكثر على الاستثمار الأجنبي لملء الفجوة المالية. فبعد رفع السجل إلى 17.5 مليار دولار في بيع السندات لأول مرة على الإطلاق في شهر تشرين الأول/أكتوبر، فإن المملكة تخطط لإصدار سندات دولية بقيمة 10 إلى 15 مليار دولار عام 2017، كما ورد عن نائب وزير الاقتصاد محمد التويجري في مقابلة مع تلفزيون العربية.

وقالت مونيكا مالك، المديرة الاقتصادية لبنك أبوظبي التجاري: ”تظهر ميزانية 2017 الانتقال من التخفيض والتقشف إلى ميزانية داعمة لمواطن النمو الحرجة في الاقتصاد. الموقف التوسعي سيعطي متنفسًا للاقتصاد، لكن على المدى البعيد سيكون هناك حاجة لإصلاحات مالية أكثر لتقليل العجز“.

الشك

وشكك بعض الاقتصاديين بالبيانات والرسوم التوضيحية التي عرضت في الميزانية، وتحديدًا بأن هناك شكلين للإنفاق، تتضمن إجماليًا أكبر من المبالغ المصروفة عن السنة السابقة مما قد يجعل الإنفاق الإجمالي أعلى بمقدار 11% أي بمقدار 930 مليار ريال. هذا الشكل وحده يعني بأن السعودية تجاوزت حدود ميزانيتها.

وقال جيمس ريف، نائب المدير الاقتصادي لمجموعة سامبا الاقتصادية في لندن: ”في تحليلاتنا لا نستثني المبالغ المدفوعة خلال السنة بغض النظر عن تاريخ استحقاق هذه المبالغ“، وقدّر بأن العجز المالي كان 19.5% من الناتج المحلي الإجمالي لهذا العام.

أما ديفيد باتر، وهو باحث مشارك في شاذام هاوس في لندن، فقال إن ”الزيادة في العوائد غير النفطية لعام 2017 متواضعة جدًا حيث بلغت 7% فقط“.

وتقول ”بلومبيرغ“ إن التنبؤات المالية للحكومة تظهر أنها تستعد لأن تبقى أسعار النفط منخفضة نسبيًا، حيث أن وصول سعر البرميل لحد 66 دولار عام 2020 هو أحد أكثر السيناريوهات تفاؤلاً التي رصدت من قبل قناة العربية التي تملكها السعودية، مقارنةً بأيام الخير قبل عقد من الزمان حين تخطى سعر البرميل سعر 100 دولار. مع هذا، إذا سار كل شيء حسب الخطة، فإنه سيكون لدى السعودية فائض صغير في الميزانية سيبلغ 20 مليار ريال عام 2020.

وأضافت: باتت العوائد غير النفطية أكثر أهمية للاقتصاديات، حيث بلغ معدل ارتفاع عوائدها 38% عام 2016. بينما قبل سنوات قليلة، شكّلت عوائد النفط الخام 90% من عوائد الدولة الإجمالية.

وقال وزير المالية محمد الجدعان ”الوصول إلى ميزانية متوازنة يستلزم الكثير من العمل.. نحن نتطلع إلى عوائد النفط ونقوم باختبار صلابتها أمام العديد من السيناريوهات، نريد أن نتأكد من أننا ملتزمون تمامًا“.