السودان: أمن السعودية واليمن ”خط أحمر“

السودان: أمن السعودية واليمن ”خط أحمر“

أديس أبابا – قال وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور، إن الحل في اليمن ”سيكون سياسياً مهما طال القتال“، في وقت دافع فيه عن نشر بلاده قوات ضمن التحالف العربي الذي تقوده السعودية، بوصفه ”موقف مبدئي لإعادة الشرعية“، معتبراً أن أمن المملكة والبحر الأحمر ”خط أحمر“ بالنسبة للخرطوم.

جاء ذلك في حوار أجرته معه الأناضول في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، تناول جملة من الملفات الداخلية، والإقليمية، والدولية.

فعلى الصعيد الإقليمي، وفيما يتعلق بالملف اليمني، قال إن موقف بلاده يأتي ضمن ”موقف عربي موحد ساندته الجامعة العربية، وبعد أن شعرنا بخطورة الوضع من استيلاء المليشيات على السلطة الشرعية“.

وتأتي تصريحات الرجل بعد أيام من نشر مئات من القوات السودانية، في مدينة عدن، جنوبي اليمن، في مؤشر على توسيع السودان مشاركته في عمليات التحالف العربي ضد الحوثيين وقوات الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، والتي بدأت منذ 26 مارس/أذار الماضي.

وكان إعلان مشاركة السودان في مارس/أذار الماضي، في عملية ”عاصفة الحزم“ باليمن، تحولاً في السياسة الخارجية للبلاد التي كانت حتى وقت قريب حليفاً لطهران، ما سبب توتراً في علاقتها بالدول الخليجية، قبل أن تتحسن لاحقاً.

والسبت الماضي، انتقد مساعد وزير الخارجية الإيراني، حسين عبداللهيان، في تصريحات صحفية، نشر قوات سودانية في اليمن، قائلاً إنها ”لن تجدي نفعاً“، وذلك في أول تعليق رسمي من مسؤول إيراني ضد الخرطوم، منذ شروع الأخيرة في تحجيم علاقتها مع طهران، والذي تجلى عندما أغلقت المركز الثقافي الإيراني وطردت موظفيه في سبتمبر/أيلول 2014.

ومراراً عبّر مسؤولون سودانيون بمن فيهم الرئيس عمر البشير، عن استعدادهم لإرسال 6 آلاف جندي إلى اليمن، كان آخرهم وزير الدفاع عوض بن عوف، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع بدء نشر القوات في عدن، والتي لا تزال حتى الآن في حدود الـ850 جندياً.

وفي معرض رده على سؤال حول موقف بلاده من التدخل العسكري الروسي في سوريا، جدد وزير الخارجية السوداني، رفض السودان ”لأي تدخل عسكري كان“، قائلاً: ”مهما طال أمد الخيار العسكري، فإن الحل يجب أن يتم باتفاق سياسي .. هذا نقلناه للأشقاء في سوريا بمختلف توجهاتهم، سواءً في الحكومة أو للذين يحملون السلاح ضدها“.

وأضاف: ”ربما يمهد أي تدخل عسكري لحل سياسي، لكن الحل النهائي لن يكون قطعاً عسكرياً“.

ودخلت االأزمة السورية منعطفًا جديدًا، عقب بدء روسيا بمهاجمة مدن وبلدات ومواقع في سوريا، منذ نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، وتقول موسكو إن هذا التدخل ”يستهدف مراكز تنظيم داعش“، الأمر الذي تنفيه كل من واشنطن، وعواصم غربية، وقوى المعارضة السورية التي تقول بدورها إن أكثر من 90% من الأهداف التي يضربها الطيران الروسي لا يوجد فيها التنظيم المتطرف فيها، وإنما تستهدف المعارضة، ومواقع للجيش للحر.

وفيما يلي نص الحوار:

* كيف تقيمون علاقة السودان بالسعودية على ضوء مشاركتكم في عمليات التحالف الذي تقوده المملكة ضد الحوثيين وقوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح في اليمن؟

– علاقاتنا في أفضل حالاتها على مر التاريخ، ونسعى للمُضي في تعزيز هذه العلاقات في كافة المجالات، وفيما يتعلق باليمن، فإن السودان أكد على دعمه بقوة لجهود خادم الحرمين الشريفين (الملك سلمان بن عبد العزيز)، لإعادة الاستقرار والشرعية في هذا البلد، كما أعلنا من قبل وقوفنا بصلابة وحزم إلى جانب السعودية، معتبرين أن أي تهديد لأمن المملكة هو تهديد لأمن بلادنا. وهنا أقول إن السعودية وأمنها واستقرارها، خط أحمر.

وفي الوقت ذاته نُثمنُ عالياً الدور الذي يلعبه خادم الحرمين، في الدفاع عن قضايا الأمن والسلم العربي والعالمي.

* قرار مشاركتكم في عملية ”عاصفة الحزم“ جاء مفاجئاً لكثير من المراقبين، رغم علاقتكم الخاصة مع اليمن عبر سنوات طويلة، لذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه، ما الذي تغير حتى اتخذتم هذا القرار؟

– علاقتنا باليمن علاقة خاصة وتاريخية، كما أن دورنا في هذه القضية هو مبدئي يقوم على مساندة الشرعية هناك، وهذا موقف عربي موحد ساندته الجامعة العربية، وبالتالي، فالسودان باتخاذ هذه الخطوة إنما كان ينفذ ما عليه من واجبات تمليها واجبات الأخوة، والسعي لإعادة الأمن والسلام والطمأنينة والشرعية إلى هذا البلد، خاصة بعد أن شعرنا بخطورة الوضع من استيلاء المليشيات (في إشارة للحوثيين) على السلطة الشرعية، والخرطوم كانت أول عاصمة نددت بانقلاب هذه الميلشيات.

* لكن ألا تعتقد أن انضمامكم للتحالف العربي، وقرار إرسال قوات عسكرية لليمن، يجعلكم جزءً من الأزمة في هذا البلد؟

– القتال مهما طال، فإن الحل يجب أن يكمن في الحل السياسي، ولذلك نحن ندعم جهود الحكومة اليمنية في الوصول إلى توافق سياسي مبني على مبادئ الشرعية المعروفة، وكذلك مخرجات الحوار الوطني (الذي اختتم أعماله في يناير/كانون أول 2014)، وتنفيذ القرار الأممي 2216، ولذلك رحبا بقبول الأطراف اليمنية بهذا القرار، والدخول في مفاوضات لإنهاء الأزمة (في إشارة للمفاوضات التي كانت مقررة في وقت لاحق من الشهر الجاري في جنيف، قبل أن يتم إرجائها إلى وقت غير محدد.)

أضف إلى كل ما ذكرت، أن هذا العمل الذي نقوم به من خلال التحالف العربي، سيساعد قطعاً في إنجاح جهود الأمم المتحدة في التوصل إلى حل سلمي باليمن، مصطحبين معنا المشهد المؤلم والفاجع في كل من ليبيا وسوريا. والسودان حقاً، يشعر بخطر تمدد التنظيمات الإرهابية التي قد تحل محل الدولة في اليمن، وهو ما لا نريده لهذا البلد ولشعبه، فموقع اليمن لدول القرن الأفريقي مهم مثلما هو مهم لأمن البحر الأحمر، وأمن السعودية، وبذات المنطق فإن أمن المملكة والبحر الأحمر من أمن السودان، فالمساس بأمن البحر الأحمر وباب المندب الممر الرئيسي للملاحة الدولية، أمر غير مسموح به.

** لكن أحزاب بالمعارضة السودانية تتهمكم بإقحام البلاد في الصراع اليمني؟

– هذا الأمر يمكن أن ينطبق على كل دولة في العالم ترسل قوات لإرساء السلام في أي مكان، وهذه ليست أول مرة يُرسل فيها السودان قوات إلى الخارج، فقد فعلت ذلك حكومات متعاقبة عندنا تاريخياً، كما أننا لسنا الدولة الوحيدة التي تشارك بقوات من أجل استتباب الأمن والسلام العالميين.

أنظر إلى الخارطة، ستجد أن إثيوبيا، وأوغندا، وغيرهما من الدول، تشارك في الصومال (في إشارة إلى قوات أميصوم)، لإعادة الأمن والسلم لهذا البلد (في ظل القتال الدائر مع حركة الشباب المجاهدين)، وآخرين يشاركون لذات الهدف في مناطق أخرى من العالم، وبالتالي فالخرطوم تقوم بواجب يُمليه عليها الحق والضمير، كما تمليه واجبات الأخوة والجيرة، وليس مُستغرَباً أن ينتقد المعارضون هذا التوجه، وهو أمر طبيعي، لكن غير الطبيعي هو ألا يقوم السودان بواجباته نحو أشقائه في اليمن.

* العرب منقسمون بين مؤيد ومعارض للتدخل العسكري الروسي في سوريا، أين يقف السوادن من هذا؟

– السودان منذ وقت مبكر، بادر برفض التدخل العسكري أياً كان، وسجلنا موقفنا في هذا الصدد، وقلنا إنه مهما طال أمد الخيار العسكري، فإن الحل يجب أن يتم باتفاق سياسي .. ونقلنا هذا الموقف للأشقاء في سوريا بمختلف توجهاتهم، سواءَ في الحكومة أو للذين يحملون السلاح ضدها..ربما يمهد أي تدخل عسكري لحل سياسي، لكن الحل النهائي لن يكون قطعاً عسكرياً، وموقفنا من التحاور بين أبناء الوطن الواحد في سوريا، هو أمر ثابت.

* كيف وجدتم سير مفاوضات الحوار الليبي الذي عقد في الصخيرات المغربية، وأين تقفون من المتفاوضين؟

– نحن من أوائل الذين دعموا مخرجات مؤتمر الصخيرات (في الـ8 من الشهر الجاري)، وما نتج عنه من توافق حول تشكيل حكومة وحدة وطنية، وأصدرنا بياناً في ذلك، وموقفنا كما قلت في كل الملفات التي تتعلق بالخلافات الداخلية بين أشقائنا، وخاصة في ظل وجود نزاع عسكري وقتال، هو أننا ندعم ونؤكد أن الحوار هو الحل. لذلك دعمنا ما توصل إليه المبعوث الأممي إلى ليباي (برناردينو ليون)، وطلبنا من الأشقاء الليبيين في مختلف الفصائل الموافقة على تلك الحلول.

* على صعيد الوضع في جنوب السودان، كيف تنظرون إلى هذا الوضع من خلال متغيرات الصراع، وانسحاب القوات الأوغندية؟

– نحن جزء من منظومة الإيغاد (الهيئة الحكومية لتنمية دول شرق أفريقيا)، ودول الجوار الأربعة (كينيا، أوغندا، السودان، إثيوبيا) التي تدعم اتفاق السلام في جنوب السودان (الذي وُقع في أغسطس/آب الماضي)، القائم على الحل السياسي، والرئيس البشير يقود هذه الجهود بنفسه. وبالتالي نعتقد أن الحل يكمن في قبول الاتفاق كاملاً، وأن تسحب كل الأطراف تحفظاتها، وأن تعُالج هذه التحفظات في إطار لجنة الايغاد المعنية بذلك.

* في الـ10 من الشهر الجاري، انطلقت في الخرطوم أعمال المؤتمر الوطني بين الحكومة وأحزاب في المعارضة، ما مدى تجاوب هذه الأحزاب مع هذه الخطوة، وما أثر مقاطعة أحزاب كبيرة وبعض الحركات المسلحة للحوار؟

– التجاوب كبير جداً، كما هو معلوم، فإن 90% من القوى السياسية داخل السودان، تشارك الآن في عملية الحوار الذي انطلق عبر لجان متخصصة في جلسات متواصلة يومية، وسط حضور كثيف وكبير ونوعي، يتخلله نقاش حيوي وشفاف ينُقل للشعب السوداني يومياً عبر وسائل الإعلام، أما مقاطعة البعض، فلا يمكن أن تلغي الحوار أو تنتقص منه، ولكن قطعاً كان من الأفضل أن يشارك الجميع في عملية الحوار، خاصة أولئك الذين يحملون السلاح، لأن واحداً من أهم أهداف الحوار هو التواصل والاتفاق بين الجميع على سلام دائم في السودان، والحكومة لم ولن تتأخر، ولن تتراجع عن الوصول بالحوار إلى غاياته المرجوة .

كما أن جهود لجنة (7+7) وهي سبعة أحزاب من المعارضة، ومثلها من الأحزاب المشاركة في الحكومة، مستمرة في التواصل مع حملة السلاح، بغية إشراكهم في عملية الحوار، ونرجو من الأشقاء والأصدقاء أن يدعموا هذه الجهود.

* ما سبب تعثر المفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية قطاع الشمال ، ولماذا تتأرجح بين مد وجزر؟

– سأتوجه إلى جنوب أفريقيا، لألتقي رئيس الآلية الأفريقية، ثامبو أمبيكي، لمعرفة آخر تفاصيل انطلاق المفاوضات حول المنطقتين(النيل الأزرق، وجنوب كردفان)، ونحن من جانبنا مستعدون للتفاوض من أجل إحلال السلام في المنطقتين، ونتطلع إلى أن يلتزم الطرف الآخر بما عليه، ويكون أكثر جدية مما مضى، للوصول إلى سلام يجنب السودان وأهله ويلات الحروب.

* قمتم بزيارة لواشنطن، مؤخراً، هل من جديد في علاقات بلادكم مع أمريكا على ضوء نتائج تلك الزيارة؟

– علاقتنا ظلت دوماً علاقة شد وجذب، بسبب الحصار الأمريكي الأحادي الاقتصادي على السودان، وهو ما يعيق التقدم فيها، إلى جانب استمرار وضع السودان على قائمة الدول الداعمة للإرهاب من قبل الإدارة الأمريكية، رغم معرفة متخذ هذا القرار بكل مستوياته، بأننا لا ندعم الإرهاب، بل لا علاقة لنا به، هذه المواقف جعلت العلاقات بين البلدين تراوح مكانها، لكن على الرغم من ذلك، أستطيع القول بأننا نمضي في الطريق الصحيح من خلال التشاور في كل المستويات، ونحاول فك شفرة تعثر هذه العلاقات من خلال الاتصال المباشر، والحوار الثنائي، ونتمنى أن نصل إلى ذلك.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com