إيران والقاعدة.. خصوم في الظاهر وتعاون في الباطن – إرم نيوز‬‎

إيران والقاعدة.. خصوم في الظاهر وتعاون في الباطن

السياسة الإيرانية تسعى إلى إغراق خصومها في مستنقع الصراعات المشتركة فتدعم كل الأطراف لاستنزاف بعضها البعض

المصدر: إرم - عبدو حليمة

مهما كانت ثقافته الجغرافية والسياسية ضحلة، فإن أي شخص سرعان مايتبادر إلى ذهنه تساؤل مهم بمجرد الاطلاع على موقع إيران المحاطة ببلدان تعتبر معقل ومرتع التظيمات المتطرفة والجهادية مثل القاعدة وداعش وغيرها وخاصة في سوريا والعراق وباكستان وأفغانستان.

فعلى الرغم من تسخير الآلة الإعلامية لهذه التنظيمات في مهاجمة الحكومة الإيرانية وتوعدها، إلّا أن تنظيما واحدا لم يحاول مجرد المحاولة الدخول إلى العمق الإيراني أو تنفيذ عمل واحد ضد طهران، اللّهم باستثناء بعض الخروقات القليلة جدا عبر تفجيرات واغتيالات بسيطة لم يتوضح من يقف وراءها بعد.

الأمر الذي يثير الشكوك عن حقيقة العلاقة التي تربط هذه التنظيمات ببلاد فارس.

الخلافات تفضح المستور

عندما بدأت التظيمات المتطرفة تتشظّى وتتقسم راحت ملامح الدور الإيراني “ المتصالح “ مع القاعدة تتوضح خاصة وأن المتحدث باسم داعش أبو محمد العدناني هاجم في أكثر من مناسبة زعيم القاعدة أيمن الظواهري لرفضه مهاجمة طهران بحجة حماية المصالح المشتركة .

Iran

كما أن مؤسس دولة الإسلام في العراق أبو مصعب الزرقاوي تحالف مع إيران عندما اتحدت المصالح في إزعاج الأمريكيين، وكان ذلك بشهادة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني عام 2004 عندما أكد أن المصلحة العليا لطهران تقتضي دعم الزرقاوي والسماح له ولتنظيمه بالتحرك والتدريب فوق أراضي الجمهورية الإسلامية،

وتبّين فيما بعد بأن طهران دفعت بالزرقاوي والقاعدة لمحاربة الأمريكيين بينما كانت ترتّب أوراقها وتنقضّ على معظم العراق بحجة حماية المقدسات الشيعية ، لتحصل إيران على حصة الأسد من غنائم الحرب على العراق، فتخلصت من عدوها الرئيس الراحل صدّم حسين واستولت على محافظات الجنوب بل وفرضت محاصصة طائفية حصلت بموجبها الأحزاب المنتمية لها طائفيا وأيديولوجيا على أهم مناصب الدولة وفي مقدّمتها رئيس الوزراء.

في حين كانت القاعدة تستمر في حرب الاستنزاف مع الجنود الأمريكيين دون المساس بمصالح إيران باستثناء التفجيرات التي كانت تطال المواكب الشيعية .

وثمة شهادات موثقة لمعمّمين شيعة في العراق من التيار الصدري الذين فوجئوا باعترافات قياديين من القاعدة والجماعات الجهادية الأخرى أسرهم التيار . والذين أكّدوا أن إيران تدعمهم بالمال والسلاح لتنفيذ عمليات ضد الشيعة في العراق، وغاية طهران من ذلك خلق ذريعة لتبرير التدخل المباشر.
وعندما استفسر قادة التيار الصدري من الحكومة الإيرانية عن دوافع دعمها للقاعدة في بلاد الرافدين كان الجواب سريعا ودون تردد ( الأمن القومي الإيراني يستدعي ذلك )

ضرب الحليف بالعدو

يرى مراقبون أن السياسة الإيرانية تسعى إلى إغراق خصومها في مستنقع الصراعات المشتركة فتدعم كل الأطراف لاستنزاف بعضها البعض. فقد كان الإيرانييون يدركون أن الضربة الأمريكية للمنشآت النووية قادمة لامحالة، خاصة وأن الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن صنفها ضمن دول محور الشر عام 2002، ولذلك كان خيار طهران إبعاد شبح الطائرات الأمريكية من أجوائها بدعم المجموعات المتطرفة في أفغانستان والعراق ضد الأمريكيين الذين وجدوا أنفسهم غارقين فعلا في مستنقعي بغداد وكابول .

وكذلك الأمر في باكستان التي استجابت للضغوط الأمنية الإيرانية ووجدت نفسها ضحية الحرب الناعمة التي تسللت من خلالها طهران إلى باكستان بأذرع اقتصادية واجتماعية ودينية. لتجد إسلام أباد نفسها مكبّلة إلى حد كبير بقيود الإرهاب الذي يخضع لإيران عند الطلب ،
فاتبعت سياسة الاحتواء بعد الاستماع إلى نصائح استخباراتية عالمية خوفا من تحول باكستان إلى عراق آخر.

أما في اليمن فقد بينت شهادة قياديين منشقين عن القاعدة بأن الحوثيين عرضوا قبل سنوات التنسيق مع التنظيم للتخلص من الحكومة اليمنية بعد حرب الحديدة من منطلق المصالح المشتركة.. وقد أكد هؤلاء القادة بأن الحوثي عرض تقاسم اليمن مع القاعدة بعد الإجهاز على نظام الرئيس علي عبد الله صالح ،الأمر الذي دفع ببعض عناصر القاعدة إلى التساؤل عن الدور الذي تلعبه إيران بدفعها لحليفها الحوثي إلى طرح هذا العرض فأدركوا أن ثمة تنسيق عالي المستوى بين الطرفين فاختاروا الانشقاق عن القاعدة.

كما أن قائد التنظيم في جزيرة العرب محمد العوفي كشف عام 2009 عن وجود مخطط مشترك تقوم بموجبه عناصر من القاعدة بضرب مصالح نفطية داخل الأراضي السعودية ومن ثم تعود إلى اليمن بمساعدة الاستخبارات الإيرانية والحوثيين. الأمر الذي يربك السلطات السعودية ويجعلها عاجزة عن كشف هوية الفاعلين وملاحقتهم.

إيران مأوى الإرهاب

الكثير من الوثائق التي صادرتها القوات الأمريكية من معاقل تنظيم القاعدة في كل من العراق وأفغانستان إضافة إلى إعترافات مئات المعتقلين من عناصر التنظيم بينت أن أخطر المطلوبين لأمريكا من القياديين يمكثون في إيران بحماية الحرس الثوري. وأبرزهم الكويتي محسن الفضيلي، وعادل راضي صقر الحربي، وعز الدين السوري.

كما يتواجد الكثير من أعضاء الشركات التابعة للقاعدة والذين فرضت وزارة الخزينة الأمريكية عقوبات مالية بحقهم بسبب دعم الإرهاب وأبرزهم : أولمزون أحمدوفيتش صادقييف، وعادل محمد عبد الخالق، ومصطفى حامد.

الشيطان واللعب بالنار

هي البراغماتية الإيرانية الساعية إلى الهيمنة والتمدد في الإقليم، لها فلسفتها الخاصة في تعريف الشيطان، فماإن تتفق معه بالمصالح حتى يصبح الشريك والصديق والولي الفقيه لتوجهاتها، فالقاعدة قوة ثورية مجاهدة في العراق حسب أدبيات طهران وإعلامها خلال الوجود الأمريكي، والقاعدة في اليمن ثورة شعبية ضد “ الهيمنة “ السعودية على البلاد، وذات القاعدة إرهاب في سوريا هي ومن يدعمها ويتحالف معها لأنها تحارب حليفها في دمشق.
الولايات المتحدة شيطان أكبر يستحق الموت طالما أنها تزاحمها في المنطقة، وأمريكا ذاتها شريك في تحقيق السلام ودعم البرنامج النووي بعد اتفاق فيينا الشهير..

فهل تبقى طهران واحة مستقرة وسط محيطها المشتعل أم أن هذا الأخطبوط قد يفقد السيطرة يوما ما على أذرعه المتورّمة بعد أن تكتشف عناصر القاعدة وداعش بأن السوار الذي ألبسهم إيّاه الإيراني ماهو إلّا قيد برّاق يأخذ بالعقول بينما يبني الفارسيّون الجدد أمجادهم على جثث القاتل والمقتول .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com