السر التاريخي وراء عاصفة الحزم

السر التاريخي وراء عاصفة الحزم

المصدر: إرم- من مدني قصري

عرف الشرق الأوسط من قبل بالفعل صراعين إقليميّين، صراع سوريا وصراع العراق. والآن يضاف إليهما صراع ثالث، صراع اليمن. وكما هو الحال مع الصراعين السابقين هناك  ثلاثة أطراف في حالة حرب: النظام القائم، يدعمه حلفاء خارجيون، وتمردٌ يتلقى الدعم من الخارج أيضا، وحركة جهادية تبدو فوق هذه المسارح الثلاثة، كقوة صاعدة.

وكما هو الحال في سوريا والعراق، نجد في اليمن لعبة نفس القوى الإقليمية والدولية، ولكن المراقبين يرون أن هناك هذه المرة فرقا كبيرا وهو دخول المملكة العربية السعودية رسميا الحرب، ومعها جزء كبير من المعسكر السني الذي تعتبره امتدادها الخلفي.

وفي تحليلها ترى صحيفة لبيراسيون الفرنسية أن الرياض ترى أن اليمن لديه العديد من الخصائص التي لا يملكها العراق ولا سوريا.

فالدولة الغائبة، إن صح القول، لم تكن محكومة بيد من حديد، والرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي حكم البلاد لمدة ثلاثة وثلاثين عاما، لا يمكن مقارنته بحافظ الأسد أو صدام حسين.

فقد ظل صالح يناور باستمرار، خاصة مع حركة الإصلاح القوية، المقربة من جماعة الإخوان المسلمين.

وهو ما يمنح القادة السعوديين اليوم ممارسة ”سياسة يمنية“ – قائمة على استقطاب الولايات العشائرية، ضمن خريطة القبائل … –  مع هاجسين اثنين: منع اليمن من أن يصبح دولة قوية جدا، وتجنب ظهور أي قوة قريبة جدا من جماعة الإخوان المسلمين في صنعاء. ومن هنا تمارس السعودية سياسة براغماتية بالغة التعقيد.

أيديولوجية

في عام 1990، نظر الملك فهد إلى إعادة توحيد شمال وجنوب اليمن الذي هيمن عليه نظامٌ جمَع بين الستالينية والنظام القبلي، بعين الريبة. وفي مايو عام 1994، عندما تفككت فواصل الوحدة الهشة وأعلن الجنوب الانفصال ساندت الرياض، بما في ذلك عسكريا عدن والشيوعيين السابقين ضد صنعاء. لكن الفشل كان مدويا. لقد استعاد علي عبد الله صالح والشماليون هيمنتهم على الجنوب، وسلموا عدن كغنيمة لجحافل الإسلاميين الذين تحالفوا معهم.

وبعد سقوط الرئيس اليمني، في فبراير 2012، صار النظام السعودي يخشى هذه المرة أن تحل محله حكومة يسيطر عليها الإخوان المسلمون، الذين ينافسون الأيديولوجية الوهابية التي تمارسها المملكة. ومن ثم جاء  حظر جماعة الإخوان الذي أعلن في عام 2014، وحظر الدولة الإسلامية، والملحدين، والمتمردين الحوثيين في اليمن.

ويرى المراقبون أنه إذا كان السعوديون يرصدون اللعبة اليمنية عن كثب فذلك لأن صنعاء لم تنس أبدا المحافظات الثلاث – نجران وجيزان وعسير – التي ضمها السعوديون للملكة في عام 1934 والتي لم تعترف صنعاء بضمها إلا في  1995 تحت الضغط القوي من قبل الرياض. ثم هناك مملكة سبأ القديمة التي لا تزال أسطورية في المخيال العربي والتي تشكل عمقا تاريخيا للأنظمة الحالية في المنطقة.

ولذلك، اعتبر الهجوم الحوثي الواسع تهديدا وإهانة.

فمحاولة طائفة شيعية بمساعدة عسكرية من إيران، الاستيلاء على بلد استراتيجي للغاية، ويعتبر القلب التاريخي لشبه الجزيرة – اليمن السعيد الذي سكنه الإغريق واللاتين مقابل الصحراء السعودية – أمرٌ غير مقبول بالنسبة لعالم السنة، وخصوصا بعد فقدان العراق، لصالح الشيعة.

 لقد تدخلت بالفعل مقاتلات F-15 وتورنادو السعوديين في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2009 في الحرب بين صنعاء والعصابات الشيعية، وهوما أعطى البعد الإقليمي الأول لهذا الصراع. وفي الصراع الحالي جمعت الرياض تحت لوائها ائتلافا واسعا، ضم أربعة من أعضاء مجلس التعاون الخليجي – أما عُمان، المرتبطة تاريخيا بإيران، فهي الدولة الوحيدة التي لم تنضم إلى هذا التحالف الواسع.

صقور

ويرى المحللون أن المملكة استعادت زعامةً كان الملك المرحوم الملك عبد الله قد أضعفها. وحتى قطر، التي أغاظت الرياض في العام الماضي إلى الحد الذي جعلها تستدعي سفيرها، التحقت بدورها بالتحالف. وتساهم مصر في الحملة بسفنها الحربية التي أرسلتها إلى خليج عدن. وتدعم المغرب ودولتان أخريان سُنيتان غير عربيتان، تركيا وباكستان، عاصفة الحزم أيضا، وكذلك الأردن والسودان.

وقد جاءت المفاجأة أيضا من الولايات المتحدة، الذي تدهورت علاقاتها مع المملكة بشأن القضية النووية الإيرانية. فقد دخلت الحرب أيضا بتزود طائرات أف 15 و أف 16 بالوقود جوا. وقد أوضح البنتاغون أيضا بأن طائراته ستستمر يوميا بتزويد الطائرات العربية بالوقود.  فالصقور الآن متواجدة في الرياض. وعلى نحو ملائم،  وقد خفف الملك سلمان من حدة عداء سلفه إزاء جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما أتاح له استقطاب أنقرة إلى قضيته بسهولة.

 ويرى المراقبون العسكريون أن الغارات الجوية، التي بدأت قبل أسبوعين بمعدل 35 غارة يوميا وارتفعت إلى 80 غارة وأخيرا إلى 120 غارة، تشير إلى أن الرياض لا تنوي التراجع عن ضغطها. ولكن مع ذلك لم يقلب هذا الضغط حتى الآن مسار الحرب التي ما زالت لصالح الحوثيين، حلفاء قوات صالح. ولكن من الممكن أن تدفع الرياض في الوقت المناسب، بقوات برية. ولكن في انتظار ذلك يستفيد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية من الفراغ. لقد استولى هذا التنظيم  مؤخرا على ميناء المكلا في جنوب شرق البلاد، وعلى مقاطعة صعدة في وسط البلاد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة