زيادة الإعدامات بالسعودية في خضم الحرب على داعش

زيادة الإعدامات بالسعودية في خضم الحرب على داعش

الرياض – تزامنت الزيادة المفاجئة في عمليات تنفيذ الإعدام علنا في السعودية خلال الشهرين الماضيين مع حملة قصف تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وأدى ذلك إلى مقارنات لا مفر منها في وسائل الإعلام الغربية بين الإعدامات التي تنفذها الدولة الإسلامية وتلك التي تمارس في السعودية بحسب وكالة رويترز.

ويقول المدافعون عن عقوبة الإعدام في السعودية إن الإعدام يتم بضربة واحدة بالسيف وأنه على نفس القدر من الإنسانية كما الحقنة القاتلة التي تستخدم في الولايات المتحدة. ويبدون أسفهم لعقد أي مقارنات بين إعدام السعودية لمجرمين مدانين ولأعمال القتل خارج نطاق القضاء الذي تمارسه الدولة الإسلامية بحق رهائن أبرياء.

ولكن النشطاء الحقوقيين يقولون إنهم قلقون من نظام العدالة الذي يقف وراء عقوبة الإعدام في المملكة أكثر من قلقهم على وسيلة تنفيذها. ويقول منتقدون إن آخر موجة من الإعدامات ربما تكون لها رسالة سياسية حيث أن الرياض مصممة على استعراض شدتها في خضم الفوضى التي تشهدها المنطقة.

وتم تنفيذ حكم الإعدام بحد السيف في المملكة بحق 26 شخصا في أغسطس آب. وهو عدد يفوق مجموع حالات الإعدام التي نفذت في الشهور السبعة السابقة لأغسطس هذا العام. وبلغ إجمالي من تم إعدامهم هذا العام حتى الآن 59 حالة بالمقارنة مع 69 حالة إعدام في العام الماضي كله بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش.

وقالت مضاوي الرشيد وهي أستاذة جامعية زائرة في مركز الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد “من الممكن أن تستخدم الإعدامات كترهيب ولاستعراض العضلات. هذا وقت حساس للغاية والإعدامات تؤدي الغرض حينما تتم بشكل جماعي.”

وأضافت “توجد حالة من عدم اليقين حول السعودية من جانب الشمال ومن جانب الجنوب ومن الداخل حتى أنها تتخذ تحركات شديدة إلى جانب الولايات المتحدة في مواجهة الدولة الإسلامية. وهذا كله يخلق نوعا من الفوران. وتحاول عقوبة الإعدام التعمية على ذلك.”

ولم يتسن على الفور الحصول على تعليق لمتحدث باسم وزارة العدل السعودية لتفسير سبب تصاعد الإعدامات في أغسطس آب أو للإجابة على أسئلة أخرى بشأن استخدام السعودية لعقوبة الإعدام.

هل هي مصادفة زمنية؟

أيا كان السبب وراء توقيت زيادة الإعدامات وموجة الإعدامات التي تواكبت معها والتي ينفذها الجهاديون في العراق وفي سوريا فإنها قد سلطت الأعين من جديد على ممارسات مملكة تختلف قيمها عن قيم حلفائها الغربيين.

وبينما انضمت السعودية إلى حملة الضربات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة ضد الدولة الإسلامية في سوريا وأرسلت كبار رجال الدين للتنديد بالفكر المتشدد فإن تنفيذ حالات الإعدام بحد السيف علنا ولا سيما بحق من لم يمارسوا العنف أو من ارتكبوا جرائم بلا ضحايا مثل الزنا والكفر وممارسة الشعوذة والسحر هو أمر منفر عند الحلفاء الغربيين.

وقالت سارة ليا ويتسون مديرة شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش “إن أي إعدام هو أمر مروع.. ولكن الإعدام عن جرائم كتهريب المخدرات أو السحر والتي تسفر عن إزهاق روح.. هي شيء سافر.”

وقال بعض الدبلوماسيين إن الزيادة ربما تكون مجرد مصادفة زمنية حيث أدى تعيين مزيد من القضاة إلى أن حسمت المحاكم قضايا استئناف متأخرة. كما أن هذه الزيادة بدأت عقب انتهاء رمضان الذي يقل فيه تنفيذ أحكام الإعدام.

ولكن تفسير الأمر على أنه إظهار للقوة بدا أنه تعزز الأسبوع الماضي بالحكم بإعدام الشيخ نمر النمر الذي ينتمي للأقلية الشيعية في البلاد التي تحكمها الأغلبية السنية. وكان النمر قد أيد احتجاجات وقعت عام 2011.

وصدر حكم بإعدام رجلين أيضا أحدهما كان عمره أقل من 18 إبان الاحتجاجات بسبب دورهما فيها. وأدينا بتهم إلقاء قنابل حارقة.

وقالت مي يماني وهي محللة سعودية المولد في لندن “إذا نظرت إلى تعريف ما أدين به نمر وهو التحريض على الفتنة فإن ذلك يظهر أنهم يريدون ضمان وقف أي نوع من النشاط.”

وأدين أكثر من 12 شخصا في قضايا إرهاب أو تشدد سني إسلامي وصدرت بحقهم أحكام بالإعدام هذا العام.

الشعوذة والزنا والردة

في ظل النظام القانوني السعودي المعتمد على تفسير الشريعة الإسلامية قد يكون تجنب الإعدام لجرائم ليس فيها ضحية بعينها -مثل تهريب المخدرات- أصعب فعليا من تجنبه لجريمة مثل القتل.

فمن بين 59 مدانا أعدموا حتى 16 أكتوبر تشرين الأول الماضي كان هناك 22 مدانا بتهريب المخدرات وفقا لأرقام استقتها منظمة هيومن رايتس ووتش من تقارير إعلامية سعودية.

وأعدم شخص واحد بعد إدانته بممارسة أعمال السحر والشعوذة وهو السعودي محمد بكر العلاوي في ثالث قضية من نوعها منذ عام 2011. ويمكن أن يحكم القضاة أيضا بالإعدام في جرائم الزنا أو الخروج عن الدين وإن أصبحت مثل هذه القضايا أقل عددا.

وفي ظل الشريعة الإسلامية التي يتبع النظام القضائي السعودي تفسيراتها تندرج جرائم العنف مثل القتل تحت بند “القصاص”.

فرغم أن الجاني يحكم عليه عادة بالإعدام فإن أسرة المجني عليه قد تقبل “الدية” التي تعفيه من الإعدام. والدية التي تدفع لقتل امرأة هي نصف ما يدفع لقتل رجل كما أن دية قتل غير المسلم أقل كثيرا من دية المسلم.

والمدانون الأقل ثراء أو الذين ليست لهم أواصر قبلية يمكن أن تشفع لدى أسرة أو قبيلة المجني عليه أكثر عرضة لتنفيذ حكم الإعدام فيهم لصعوبة توفير الدية اللازمة.

وبالنسبة للجرائم الأخرى تعتمد العقوبة عادة على تفسير القاضي نفسه للنصوص الإسلامية القديمة. وحين لا يسقط مجني عليه في الجريمة لا يكون هناك سبيل لعرض دية مقابل العفو. والسعودية ليس بها قانون عقوبات مدني يحدد قواعد الحكم ولا نظام يضع سوابق قضائية يمكن الاستعانة بها في توقع الأحكام الصادرة.

قال باسم عليم الذي دافع عن 17 رجلا حكم عليهم سنة 2011 بالسجن لما يصل إلى 30 عاما بتهمة الفتنة وجرائم أخرى في قضية سياسية تسلطت عليها الأضواء إن القضاة رأوا أنه ما من داع لتحفظات كثيرة تعتبر أساسية في الغرب مثل ضمان وجود تمثيل قانوني للمتهمين.

وتابع “قال القاضي لأحد المتهمين أمامي: لماذا تحتاج محاميا؟ أنت لا تحتاج محاميا.”

وأضاف أن أحكام الإعدام تعتمد عادة على اعتراف المتهم ليس إلا وإن القاضي ليس عليه لزام بأن يضع في اعتباره ملابسات الجريمة التي قد تخفف الحكم عن الجاني أو العوامل النفسية التي دفعته لارتكاب الجريمة أو إمكانية انتزاع الاعتراف منه عنوة.

* إصلاح متعثر

في عام 2007 أعلن الملك عبد الله عن خطط للإصلاح القانوني لكن القضاة -وهم عادة من رجال الدين المحافظين- نجحوا حتى الآن في إرجاء تنفيذ أي تغيير مؤثر.

وفي سنة 2009 قام الملك عبد الله بتعيين محمد العيسى وزيرا للعدل ليحل محل وزير محافظ أكبر سنا بقي في المنصب لفترة طويلة. ووجدت محاولاته لتطبيق تدريب أكثر حداثة للقضاة ووضع نظام سوابق يمكن الاستعانة في توقع الأحكام معارضة قوية من المحافظين.

وحتى السعوديين الراغبين في الإصلاح عموما لا يعارضون تطبيق الإعدام بحد السيف علنا. وقال خالد الدخيل أستاذ علم الاجتماع السياسي في الرياض إن الاضطرابات في المنطقة تجعل الناس يرغبون في نظام قضائي صارم.

وقال “أنت لا ترغب في نظام دكتاتوري مثل نظام بشار الأسد في سوريا أو نظام صدام حسين. لكنك في نفس الوقت لا تريد حكومة ضعيفة وبخاصة في منطقة كهذه وفي توقيت كهذا.”

أما في حالات الصلب التي تطبق في الجرائم التي تهز المجتمع السعودي.. فتعلق الجثة في مكان عام على سبيل ردع الآخرين.

ويظهر فيلم نشر على الإنترنت على موقع (لايف ليكس) ويرجع إلى أبريل نيسان 2012 رجلا يعدم ثم “يصلب” بتهمة السطو على منزل وقتل ساكنيه. وواجه خمسة رجال نفس المصير في مايو أيار من العام الماضي في منطقة جازان بتهمة ارتكاب سلسلة من جرائم السطو.

المحامي الإصلاحي عليم المقيم في جدة أعرب عن تأييده لعقوبة الإعدام لكنه قال إن النظام القانوني في السعودية بحاجة لقيود تضمن إصدار أحكام عادلة.

وعن أحكام الإعدام قال “لست ممكن يخجلون منها. فهي جزء من الشريعة. لكن الأمر بحاجة للتعامل بأقصى درجات الحيطة والحذر. وهي لا تستند في اللحظة الراهنة إلى أي دليل آخر إذا اعترف المتهم.”

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع