حساب تكاليف السنة الأولى من أزمة قطر

حساب تكاليف السنة الأولى من أزمة قطر

المصدر: إرم نيوز

أظهرت حسابات تكاليف السنة الأولى من ”أزمة قطر 2017″، التي بدأت في الخامس من حزيران/ يونيو الماضي بقرار أربع دول عربية مقاطعة قطر؛ بهدف الضغط عليها لوقف تمويلها للإرهاب ودعمها للتطرف وتحالفها مع إيران، أن هناك تفاوتًا منهجيًا في فهم وتقييم وعرض ما حصل، وفي تقدير الموقف والتعامل مع حيثياته وسيناريوهاته المحتملة.

طرق احتساب التكاليف 

خلال الأيام القليلة الماضية، تناوب الإعلام الدولي والقطري والعربي على تقديم قراءات ختامية مختلفة، للسنة الأولى من “ أزمة قطر ”،  فيها من التوثيق أو التجديف، ما يترك مساحة واسعة  للنظر في موضوع حساب التكاليف، المنظورة وغير المنظورة، الكمية منها والنوعية .

الإعلام الأمريكي الرئيسي ممثلاً بالصحف والشبكات الفضائية وجد نفسه مضطرًا لاستذكار مناسبة ختام السنة الأولى لأزمة قطر 2017، من خلال  تفاصيل جديدة نشرت، يوم الخميس الماضي، من حيثيات قضية مرفوعة على قطر في محكمة فيدرالية بلوس أنجلوس.

والإضافات الجديدة  للقضية والتي جاءت عناوين رئيسية، تضمنت معلومات ووثائق عن استمرار قطر في تجديد أدواتها بالتجسس السيبرياني، مستخدمة مرتزقة من قدامى ضباط المخابرات الأمريكان والبريطانيين والإسرائيليين، وشركة استخبارية بريطانية كبرى؛ من أجل اختراق حسابات ناشطين أمريكان.

أما الإعلام القطري، فقد استحضر الذكرى الأولى لأزمة النظام الأخيرة مع دول الجوار العربية، بالترويج لانتصار يتمثل في أن النظام لم يسقط خلال هذه السنة، وفي الإيغال بتحريف مفهوم وأسباب ”المقاطعة“ ووصفها بأنها ”حصار“ تمتلك الدوحة  لمواجهته مئات المليارات من الدولارات.

وكان ملفتًا في هذه المقاربة، أن وزارة التجارة القطرية استهلت العام الثاني للمقاطعة، بقرار بتفريغ أرفف محلات تجارية في الدوحة من المنتجات الغذائية الواردة من السعودية والإمارات.

تعريف الأزمة

وكالة بلومبيرغ الاقتصادية الأمريكية في مراجعتها تكاليف السنة الأولى من ”أزمة قطر“، استخدمت تعبير ”سوء حظ قطر“ في وصف  التزامن في التوقيت.

فالوثائق الجديدة المعروضة أمام محكمة أمريكية، تؤكد في فحواها النهائي أن كل ما تحدث به أمير قطر والتزم به وزراء خارجيتها ودفاعها من الاستجابة لتغريدات الرئيس دونالد ترامب التي وصفت النظام القطري بأنه راع للإرهاب على أعلى المستويات، هذه الالتزامات من طرف الدوحة لم تنفّذ خلال العام الأول للأزمة، بل جرى تطوير أساليبها في رعاية الإرهاب وفي الابتزاز الإعلامي بتقنيات جديدة توظف خبرات أجهزة استخبارية دولية.

”سوء حظ قطر“، في توقيت هذه المعلومات الجديدة التي قد تتحول إلى قضية تجسس سيادية على الولايات المتحدة، هو أنها تعني للإعلام العالمي أن ”أزمة قطر مع جيرانها“ مستمرة وهي تدخل عامًا جديدًا لا يبدو أن له نهاية منظورة.

رسالة مكتب الاتصال الحكومي القطري

وجه المفارقة في طرق توصيف الذكرى الأولى لقرار المقاطعة العربية الرباعية، يتمثل في أن الإعلام الدولي يُعرّف أزمة قطر بأنها أزمة ثقة مكسورة، في نظام يصرّ على مواصلة دعم الإرهاب وتجديد أدواته. فيما الإعلام القطري يقول إن الأمير تميم انتصر لأن نظامه لم يسقط في العام الأول للمقاطعة.

هذه هي الرسالة التي أطلقها بنهاية الأسبوع الماضي مكتب الاتصال الحكومي القطري، عندما غرّد على هاشتاغ ”قطر – تمضي – قدمًا“، فكانت بمثابة تعليمات مركزية لشبكات وميليشيات الإعلام القطري الداخلية والخارجية الممولة، بأن تستلهمه في مقالات وتحليلات وسوشيال ميديا، لكي تتناوب عليها طوال الأسبوعين القادمين.

طرق احتساب التكاليف

الرسالة المركزية التي عممها النظام القطري لمخاطبة مواطنيه ووسائل إعلامه الخارجية، هي أن ”قطر تجاوزت الحصار“، وهو العنوان الذي تكرر خلال الأيام الثلاثة الماضية، وبشكل حرفي، في حوالي ست مقالات وتحليلات نشرتها الصحف القطرية المحلية، وكذلك موقعي العربي الجديد و ميدل إيست آي، اللندنيتين.

وكما جرى تزييف موضوع وعنوان ”المقاطعة“ العربية للدوحة من أجل أن تتوقف عن نهجها المخلّ بالأمن القومي، بتسميته منذ البداية ب ”الحصار“، فقد كان طبيعيًا أن يتكرس الخطأ في تقييم حسابات ختام العام الأول من المقاطعة، بتوصيف أنه ”حصار“ تجاوزته قطر. تجاوزته من زاوية أنه لم يؤد لإسقاط النظام.

أما التكاليف الأخرى التي تحملها النظام القطري للعزلة الإقليمية ولتكريس صفته في الإعلام الدولي بأنه ”راع للإرهاب سخي في الإنفاق على تجديد أدواته“، فقد غابت عن المناسبة الحالية التي تتجدد فيها يوميًا الكتابة بمختلف اللغات عن ”حصيلة السنة الأولى من أزمة قطر 2017“.

التكاليف المالية والخسائر الكمية لقطر

أهم أدوات تقييم الحساب الختامي للأزمات، كما يقول خبير مصرفي بريطاني أمضى عدة سنوات في الخليج، هي التكاليف المالية المنظورة، مع أنها بالنسبة لقطر أقلّ التكاليف أهمية وحساسية في ضوء أرقام احتياطي الصندوق السيادي وقدرة الإنتاج اليومي من النفط والغاز على توفير المراهم العلاجية للجروح العميقة“، كما يقول.

وفي هذا المجال من التكاليف المالية المنظورة، فإن قائمة المتفرقات تصبح ثقيلة بل ومرعبة عندما يجري تجميعها والاقتناع بأنها مستمرة ومتجددة. من ذلك مثلاً أرقام طالما تكررت في تقارير مؤسسات التصنيف الدولي وصندوق النقد الدولي، كشواهد متحركة:

– في السوق المالي القطري وصلت الخسارة 10% (15 بليون دولار) خلال الأسابيع الأربعة الأولى للأزمة، جرى تعويض بعضها لاحقًا، لكن أزمة الثقة الدولية بالنظام القطري أضحت أعمق من أن تترجمها مضاربات تصعيد المؤشر اليومي. أما خسارة قطاع العقار فقد وصلت 9.9%.

– في مجال إغلاق الحدود الجوية والبرية والبحرية، تراكمت الخسائر على قطر، حيث وصلت في بعض التقديرات إلى 85 مليار دولار، متضمنة إلغاء 25% من الرحلات الجوية من وإلى الدوحة، مضافًا لها خسارة قطاع السياحة بحوالي 600 مليون دولار حتى نهاية عام 2017.

– سحوبات من الأرصدة الخارجية لمعالجة أزمة الدولار في المصارف المحلية وصلت بموجب بعض التقديرات المتخصصة إلى 56 مليار دولار. وهو ما استدعى تسييل عدد من الاستثمارات القطرية الدولية على نحو كسر موقع قطر في قائمة فوربس للمستثمرين الدوليين بتراجع قاس عن مركزها الذي كان يأتي رقم 54 في القائمة.

– تراجع في معدل نمو الناتج المحلي بحوالي 60% مقارنه مع عام 2016؛ جراء هروب الاستثمارات والودائع، وتراجع العوائد.

– تكاليف أمنية باهظة، فمن أجل أن يضمن النظام القطري الحماية في مواجهة الهواجس الداخلية والخارجية،استعان بقوات تركية في الساعات الأولى لقرار المقاطعة، ووسع اتفاقية القواعد التركية لديه، البرية منها والبحرية، وعلى نحو أصبح فيه النظام القطري ”تابعًا ورهينة“ لتركيا، حسب وصف الدوريات العسكرية الدولية.

وفي نفس الوقت، أغدقت الدوحة في شراء أسلحة أمريكية فائضة عن الحاجة؛ من أجل استرضاء الرئيس دونالد ترامب بأمل أن يساعد قطر في رفع أو تخفيف ضغط المقاطعة العربية.

حساب تكاليف الحماية التركية والأمريكية لقطر، بتوسيع القواعد العسكرية وبعقود أسلحة، فضلاً عن استثمارات الترضية، قدّرتها دراسة مصرفية متخصصة بحوالي 68 مليار دولار، بينما رفعتها دراسة أخرى إلى حدود 108 مليارات، آخرها كان يوم الخميس الماضي، بإعلان الملحق العسكري في السفارة القطرية بواشنطن أن عقدًا لشراء نظام جوي جديد من شركة ريثيون سيكلف 2.5 مليار دولار. وذلك يضاف إلى صفقة طائرات إف 15 التي كان جرى التوقيع عليها مؤخرًا بمبلغ 12 مليون دولار. هذا إضافة إلى استثمارات في البنية التحتية الأمريكية وفي الغاز الصخري بحوالي 24 مليون دولار.

– علمًا بأن قطر أنفقت خلال الأشهر التسعة الأولى من أزمتها، حوالي 8 مليارات دولار لشراء قوى ضغط وعلاقات عامة داخل واشنطن؛ من أجل تبييض صورتها الموسومة بالإرهاب وكذلك من أجل تشويه صورة دول المقاطعة العربية، فضلاً عن محاولات شراء موقف داخل البيت الأبيض والكونغرس.

– أما مع تركيا فقد رفعت قطر وارداتها بنسبة 46% لتصل 6.3 مليار دولار، ووعدت بأن تضخ 19 مليار دولار استثمارات جيدة، حسب تقرير لصحيفة زمان التركية. هذا فضلاً عن 7 مليارات دولار كلفة سنوية لقاعدة بن زياد العسكرية التركية، قبل أن يجري توسيعها لتصبح بحرية أيضًا.

خسائر قناة الجزيرة

يوم الثامن من حزيران/ يونيو 2017، أي بعد ثلاثة أيام من الصدمة القطرية بفرض المقاطعة العربية عليها، وتحديد 13 شرطًا بينها موضوع قناة الجزيرة كأداة إعلامية مكرسة للتطرف والتحريض،  طرحت شبكة ”بي بي سي“ إنجليزي البريطانية سؤالاً يقول: هل تصمد قناة الجزيرة؟

نفس السؤال عادت مجلة تايم الأمريكية وطرحته يوم الحادي والعشرين من آب/ أغسطس 2017. كان عنوانها يقول:“ قناة الجزيرة سقطت في عين العاصفة… كم باستطاعتها أن تصمد؟ .وفي التقرير استعرضت المجلة كيف أن ”الجزيرة“ وتحت ذريعة الاستقلالية قدمت رعاية منفردة لتنظيم النصرة بمقابلة زعيمها أبو محمد الجولاني، وكانت في ذلك تتخصص في خدمة موصولة لتنظيمات القاعدة والإخوان المسلمين وطالبان وشبكات الإرهاب في ليبيا واليمن.

والآن في ختام العام الأول لأزمة قطر وفي وسطها أزمة  قناة الجزيرة، فإن شبكة ”سي أن بي سي“ الأمريكية  لم  تتردد في إجراء حساب تكاليف نهائي تؤكد فيه أن ”الجزيرة“ فقدت الكثير من مشاهديها ومصداقيتها بعد أن اكتشف متابعوها أنها تاهت عن شعار الاستقلالية وتحولت إلى منبر مكلف بالتحريض على عدد من الدول العربية.

يشار إلى أن قناة الجزيرة جرى التسجيل عليها، من طرف منظمات النزاهة الدولية، أنها لم تتردد في دعوة ميليشيات الحوثيين إلى قصف السعودية والإمارات.

القوة الناعمة

وفي موازاة حسابات التكاليف لأزمة قطر، كان هناك من  يفطن إلى موضوع الخسائر النوعية، بالإضافة للخسائر الكمية، فالإصابات النوعية التي طالت قطر من المقاطعة العربية، تشمل طيفًا واسعًا من الاعتبارات، في مقدمتها ما أصاب سيكولوجية النظام القطري، وما  كان وصفه الكاتب البريطاني ديفيد هيرست بأنه عُقد الأمير السابق حمد بن خليفة تجاه السعودية والإمارات، والكيفية التي استخدم فيها النظام القطري موضوع : القوة الناعمة “  طوال أربع القرن الماضي.

مركز ”ريسيرش غيت“ الاستراتيجي وفي دراسة أخيرة له عن ”مصير القوة الناعمة القطرية“، ذهب إلى القناعة بأن العام الأول من أزمة قطر 2017، انتهى بسقوط نظرية ”القوة الناعمة“ التي باعها للأمير السابق حمد بن خليفة آل ثاني مستشاروه الجدد، عندما قام بالانقلاب على أبيه أواسط تسعينيات القرن الماضي، وأوكل لوزير خارجيته حمد بن جاسم إقامة وتشغيل قناة الجزيرة لتكون أداته السياسية في إعطاء الدول الصغيرة وظائف ومهمات أكبر من حجمها الحقيقي.

ويضيف دورسي أن المقاطعة العربية لقطر 2017، كشفت عجز وهشاشة القوة الناعمة القطرية، حيث تبين أن هذه القوة الناعمة لا تستند إلى شرعية أو إلى ديمقراطية أو ثقافة داخلية، مشيرًا إلى أن ”القوة الناعمة“، عندما تكون مصطنعة ومموهة، فإنها تتحول إلى استثمار في الإرهاب والقوة الخشنة، مموّلة بفائض من الأرصدة، كما في قطر، حيث لا توجد في الدولة مؤسسات تحاسب على طريقة هدرها.

الرؤية الخليجية لتكاليف السنة الأولى     

وفي مقابل هذه الحسابات الدولية والقطرية المتفاوتة لتكاليف السنة الأولى من أزمة قطر 2017، جاءت رؤية خليجية هادئة تعيد التذكير بالذي غاب عن الحسابات الأخرى. عبّر عنها وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش بالقول على تويتر: ”لعل مرور سنة على المقاطعة سينتج فكرًا جديدًا ومقاربة أكثر حكمة في الدوحة. فالمخرج لن يكون عبر شركات العلاقات العامة والمناكفات الإقليمية والتدخل الخارجي لحل الأزمة، بل مراجعة وتراجع عن سياسات سببت الضرر وساهمت في دعم التطرف والإرهاب.

وأضاف قرقاش: ”تعامل الدوحة مع أزمتها في العام الذي مضى ،محيّر ومتناقض. فهو مكابر ومستجدٍ، ورافع شعار السيادة ومستسلم. يتعامل مع الأزمة ليحمي إرثًا سياسيًا ورّطه وعزله، بدلاً من أن يسعى بكل واقعية إلى تفكيك أزمته“.

وينتهي الوزير الإماراتي إلى القناعة بأنه من واقع تعامل الدوحة مع أزمتها، بإمكاننا أن نستنتج أن العزل مستمر في ظلّ استراتيجية فشلت في تفكيك الأزمة بل وأثبتت استمرار الضرر… واقع جيواستراتيجي جديد نتعامل معه بأقل درجة من الضرر، ولن يغيّره سوى المراجعة والتراجع، حسب قوله.

وقال وزير الخارجية البحريني الشيح خالد بن أحمد آل خليفة من جهته لصحيفة الشرق الأوسط، يوم الأحد، إنه لا يرى في الأفق أي حل لأزمة قطر.