بعد سنوات الإهمال الطويلة.. صحراء المماليك تتجمّل في معرض السلطان – إرم نيوز‬‎

بعد سنوات الإهمال الطويلة.. صحراء المماليك تتجمّل في معرض السلطان

بعد سنوات الإهمال الطويلة.. صحراء المماليك تتجمّل في معرض السلطان

المصدر: نعمة عز الدين – إرم نيوز

في محاولة واهنة لحفظ ماء الوجه، وإبراز صورة الحرص على التراث الإسلامي، والعمارة الإسلامية التي تقاوم غبار الزمن في محاولة لهزيمة السنين لزخارفها وبناياتها ومآذنها في القاهرة الفاطمية، تقيم وزارة الآثار المصرية، يوم الثلاثاء معرضًا للحرف التقليدية بعنوان ”معرض السلطان بين القديم والحديث“.

ويضم المعرض مجموعة من أعمال الحرفيين، منها الزجاج المنفوخ والمنتجات النحاسية والنحاس المطعم بالفضة، والأعمال المطعمة بالصدف والأثاث، وغيرها من المنتجات اليدوية، بمنطقة صحراء المماليك التي طالما طالتها يد النسيان والإهمال.

ويأتي المعرض، ضمن سلسلة من المعارض والفعاليات لمشروع ”قلباً وقالباً فن الإدماج المجتمعي: مكان للفنون والثقافة في قلب صحراء المماليك القرافة“ بالقاهرة، والذي يموّله وفد الاتحاد الأوروبي في مصر، ونفذه مكتب ”أركينوس“ للعمارة، بالتعاون مع مشروع القاهرة التاريخية، ويهدف المشروع إلى جعل الفنون والثقافة، متاحة أكثر لمجتمع هذه المنطقة.

وتحتل منطقة ”صحراء المماليك“ موقعًا وسطاً على خريطة العاصمة المصرية القاهرة، وكانت هذه المنطقة تسمى صحراء العباسية، وقد وقع اختيار المماليك عليها لتكون مضماراً لسباقات الخيل ولعبة البولو، وقد استهوتهم هذه المنطقة فأرادوا إعمارها، فقاموا ببناء عدة مجموعات معمارية، تضم مدارس واسبلة وخانقاوات ومساجد لتكونوا جهة حية على اهتمامهم بفن العمارة الإسلامية، متخذين فلسفتهم الخاصة بالمكان والزمان،فنجد المساجد تتخذ الشكل المدرسي المتعامد، والذي يتكون من أربعة إيوانات (صحن)، ويتميز إيوان القبلة بكبره عن باقي الإيوانات.

وإذا نظرنا إلى المآذن، نجد أن بدن المأذنة، ينتقل من الشكل المربع، والذي يرمز إلى الأرض، إلى الشكل الإسطواني، والذي يرمز إلى السماء، ثم يقل في السمك حتى ينقلنا إلى شكل مثمن، يحمل قبة بصلية محمولة على 8 أعمدة والقبة البصلية، تقود الناظر إليها إلى السماء، حيث الكون الفسيح، وهذا يعكس بعض فكر المتصوفة، الذين ارتبطوا بهذه الأماكن.

وأوصى كثير من سلاطين المماليك، بدفنهم في تلك الصحراء، حتى أطلق عليها قرافة المماليك، إلى جانب تركهم لعشاق الآثار الإسلامية أكثر من 35 معْلمًا أثريًا، تجاوز عمرها الخمسة قرون.

وعلى الرغم من أن أصول المماليك تعود إلى آسيا الوسطى، حين استقدمهم الأيوبيون، من بلدان غير إسلامية، وكانوا في الأغلب أطفالاً يتم تربيتهم وفق قواعد صارمة في ثكنات عسكرية معزولة عن العالم الخارجي، حتى يتم ضمان ولائهم التام للحاكم.

وزاد  نفوذهم زاد حتى تمكنوا من الاستيلاء على السلطة سنة 1250 م، واستطاعوا أن يحكموا مصر والشام والعراق وأجزاء من الجزيرة العربية، أكثر من قرنين ونصف القرن، وبالتحديد من 1250 م إلى1517 م.

ويقف مسجد السلطان المملوكي ”الأشرف قايتباي“، في شارع السوق بصحراء المماليك، بشموخ وعمر تجاوز 700 عام، هذا الجمال المعماري الفريد للمسجد، جعلته رُسم على الجنيه المصري ليكون شاهدًا على عظمة هذا البناء، لكنه اليوم يقاوم تهالك جدرانه وزحف الكلاب الضالة إلى مدخله الباهي، لتكون مأوى لمعاشهم، فيما تحولّت الساحة الأمامية له إلى موقف سيارات وورش.

أما سبيل ”قايتباي“، المقيم بالقرب من مدرسة ”السلطان حسن“، تهالكت جدرانه بالفعل، لكنه يأبى الانهيار متمسكاً بتاريخه العريق، إذ يرجع بناؤه إلى 1479م، موسومًا بشريط كتابي، وركن باسم السلطان قايتباي، لتصبح منطقة الجامع والسبيل والكتّاب والربع على مساحة 1088 ممن الإهمال.

“ صحراء المماليك“، ذلك المتحف المفتوح الذي يمكن من التجوال فيه قراءة صفحات حية من تاريخ الحضارة الإسلامية، في أوج مجدها وعزها المعماري النفيس، تشعر بالأسى حينما تطالع عيناك تكية ”أحمد أبو سيف“، أشهر تكية للصوفيين في القرون الماضية، بواجهتها التي تهدّم معظمها، فضلاً عن قيام بعض الأهالي بحرق القمامة، بجوار أطلال جدرانها، ما يعرضها للانهيار الكامل في أيل حظة، مشتركة معها في نفس المصير البائس ”خانقاة السلطان برقوق“، والذي يعد مجمعًا خيريًا بامتياز، لم يتوفّر في أيّ مبنى أثريٍّ آخر.

فقد اشتمل، فضلاًعن كونه خانقاه للصّوفية، على مسجدٍ فسيحٍ وتربتين لأسرة برقوق، وسبيلين وكتّابين لتعليم القرآن الكريم.

الحكايات والأساطير لا تنتهي، حول بنايات صحراء المماليك وآثارها، لعل أغربها قصة بوابات القصر العالي بالمنطقة، فطبقاً للأسطورة، فإن القائد العسكري ”إبراهيم باشا“، ابن محمدعلي الكبير، بنى هذا القصر، وعُقدت به أولى جلسات مجلس الشورى، وعندما قرّرت الحكومةهدمه، اشترى السيد ”علي الوقاد“ البوابات، وبناها في صحراء المماليك.

أيضًا حادثة سرقة باب المنبر الأثري لجامع ”الأشرف برسباي“، والذي يعود إلى مئات السنين،فضلاً عن تهدّم بعض قباب المسجد، نتيجة لعدم ترميمها منذ عقود طويلة، على الرغم من الأعمال الخيرية الموقوفة من السلطان ”برسباي“ له، فقد بلغت فيه صناعة الرخام وخصوصًا بالمدفن، تطورًا كبيرًا، كذلك الشبابيك الجصية المفرغة المحلاة بالزجاج الملون، فإنها جمعت بين براعة التصميم ودقة الصناعة .

وأخيرًا، يأتي مسجد إمام الصوفية الأكبر جلال الدين السيوطي، درة العمارة الإسلامية بصحراء المماليك، حيث يعد السيوطي، من أبرز معالم الحركة العلمية والدينية والأدبية، في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، حيث ملأ نشاطه العلمي في التأليف في مختلف الفروع من تفسير وحديث وفقه، وتاريخ وطبقات، ونحو ولغة وأدب وغيرها، فقد كان موسوعيالثقافة والإطلاع، وقد أعانه على كثرة تأليفه انقطاعه التام للعمل، وهو في سن الأربعين حتى وفاته، وزادت مؤلفات السيوطي على 300 كتاب ورسالة .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com