مصر.. الفساد عقبة جذب الاستثمار

مصر.. الفساد عقبة جذب الاستثمار

المصدر: القاهرة- من محمد رجب

قال تقرير شركة ”إيرنست ويونغ“ الدولية للتصنيف إن الشركات الخاصة تحتل المركز الأول من حيث مؤشرات الفساد في القطاع الخاص المصري وبنسبة 44%.

المؤشر يضع مزيداً من العقبات والتحديات أمام مساعي الحكومة لجذب الاستثمار وتحقيق تنمية اقتصادية شاملة، والتي كان آخر مساعيها في هذا الخصوص زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لإيطاليا وفرنسا، وتوقيع عِدة اتفاقيات اقتصادية وعقود استثمار وفق رؤية للانفتاح الاقتصادي والشراكة مع جميع الدول.

ويقول خبراء اقتصاديون: إن التقرير لن يؤثر على مناخ الاستثمار في مصر، ولكن على حكومة محلب وضع استراتيجية متكاملة لجذب الاستثمار، تقوم على الشفافية وتطبيق القوانين وتعكس الجهود المبذولة لمحاصرة الفساد، ويرى آخرون أن القطاع الخاص من أهم ركائز الاقتصاد المصري، ومن ثم على الدولة اتخاذ مجموعة من الإجراءات لضبط أدائه من حيث إقرار الحد الأدنى للأجور والنظام الضريبي وقواعد المنافسة.

وفي هذا الإطار يقول د.فخري الفقي المستشار السابق لصندوق النقد الدولي: إن التقرير الذي أصدرته شركة ”إيرنست ويونغ“ الدولية عن معدلات الفساد في القطاع الخاص في 59 دولة، وجاءت مصر فيه في المركز الأول من حيث مؤشرات الفساد بالشركات المصرية الخاصة بنسبة 44%، سيكون له تأثير على المدى القصير على قدرة المناخ الاقتصادي على جذب الاستثمارات الأجنبية، كون أن التقرير يعني أن البيئة الاستثمارية في مصر غير جيدة للنشاط الاقتصادي، أما فيما يخص الاستثمارات الخليجية، فإن تأثير تلك التقارير عليها يكون شبه معدوم، كونها تأتي في الأساس لدعم الاقتصاد لأغراض سياسية، وهي تعتبر الاستثمارات الأهم والأكثر تأثيراً في الاقتصاد المصري، ويشير إلى أن التقرير يقصد به أن 44% من رؤساء الشركات الخاصة يمارسون نوعاً من أنواع الفساد الداخلية أو الخارجية، سواء الرشاوى أو العمولات للحصول على امتيازات، وتابع: على الدول التي حلت في قاع المؤشر أن تتبنى إجراءات جذرية لمكافحة الفساد من أجل تحقيق مصلحة شعوبها، لافتاً إلى أن مُعدلات الفساد الموجودة في مصر حالياً، هي انعكاس للفساد المالي والإداري الذي كانت حالته مُستشرية إبان النظام القديم ومازال تأثيره ممتداً، على الرغم من الجهود التي تُبذل منذ ثورة 25 يناير لمحاصرته والقضاء عليه، ويؤكد أن مصر بحاجة لإدارة قوية تمتلك الرؤية، وتستطيع إدارة مواردها، وضبط النفقات ومُحاربة الفساد، وتقديم كشف حساب عن أموال الدولة.

بينما يستبعد د.طارق سليم أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية في القاهرة، أن يكون لمثل هذه التقارير تأثير على مناخ الاستثمار في مصر، وتابع: الحكومة تمتلك رؤية اقتصادية متكاملة لجذب الاستثمارات، وهذا ما بدأت تنجح فيه جزئياً من خلال زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة إلى إيطاليا وفرنسا، والتي وقع خلالها عِدة اتفاقيات اقتصادية بنحو 500 مليون يورو، بالإضافة إلى الاستثمارات وعقود الشراكة، ويوضح أن الفساد مُشكلة تواجه كل اقتصاديات العالم بنسب متفاوتة، وهذا ما يؤكده تقرير ”إيرنست“ ذاته، حيث ضم التقرير كلاً من الولايات المتحدة وألمانيا والنرويج، وهي دول معروفة بارتفاع نسب النزاهة والشفافية فيها، ووجود رقابة قوية على كافة القطاعات الاقتصادية، لافتاً إلى أن مصر تتّبع منظومة متكاملة لمحاربة الفساد، ونجحت في الحد منه بشكل كبير، والتقدم في تقارير منظمة الشفافية الدولية المنوط بها محاربة الفساد عن العام الماضي؛ ما يعطي مؤشراً على الجهود التي تبذلها الحكومة لمحاصرة الفساد سواء في القطاع الخاص أو الحكومي. ويؤكد على ضرورة تعاون المراكز المالية الرائدة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مع الاقتصاديات سريعة النمو، من أجل منع إفلات الفاسدين من عواقب أفعالهم.

من ناحية أخرى، يشير د.فرج عبد الفتاح أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، إلى أن الاقتصاد المصري في حاجة إلى إعادة بناء لمقوماته وقطاعاته الأساسية بعدما لحق بها من خسائر، ويُعد الاستثمار هو أحد الركائز الأساسية التي تعتمد عليها الدولة في إعادة بنائه، بالإضافة إلى توفير التمويل اللازم للمشروعات القومية القاطرة، لافتاً إلى أن القطاع الخاص يوظّف ما يقرب من 70% من القوة العاملة في مصر، ومن دون حدوث زيادة ملحوظة في استثمارات القطاع الخاص، لن تتمكّن الحكومة من استعادة زخم النمو الاقتصادي.

ويرى فرج أن سياسات الإصلاح الاقتصادي التي تتبعها الحكومة يجب أن تشتمل على رؤية لمحاربة الفساد والحد منه؛ مما يكون له مردوده على معدلات النمو الاقتصادي، وتابع: الاقتصاد المصري لن يشهد تنمية حقيقية إلا بتحريره من كافة أشكال الفساد المالي والإداري، التي تقيد أي جهود للتنمية والدفع به إلى مصاف الاقتصاديات الصاعدة، لافتاً إلى أن الفساد يأكل كل عوائد التنمية، ويجعل هناك فجوة بين مُعدلات النمو الاقتصادي النظرية وبين انعكاساتها على المستوى المعيشي للمواطن، ويضيف: أن الاقتصاد المصري يُعاني من ضعف الاستثمارات، وهذا يرجع إلى الغموض الذي يحيط بشأن اتجاه السياسات الحكومية الاقتصادية في أعقاب ثورة يناير، لافتاً إلى أن الحكومة بدأت في اتخاذ خطوات لاستعادة ثقة القطاع الخاص في الاقتصاد المصري، لكن مجتمع الأعمال لم يَستَجِب حتى الآن بضخّ استثمارات أو تقديم مبادرات جديدة، وتابع: التراجع في الاستثمار ينعكس سلبياً على تعقيد عملية الانتقال الاقتصادي وفق المتغيّرات السياسية والاجتماعية الجديدة، ومن ثم يتعيّن على القطاع الخاص والحكومة أن يعملوا معاً لتفادي نشوب أزمة اقتصادية ولتعزيز النمو والاستقرار.

وفي سياق متصل، ترى د.ريم عبد الحليم الخبيرة الاقتصادية، أنه على الحكومة وضع استراتيجية متكاملة لجذب الاستثمار، تقوم على الشفافية وإبراز إجراءاتها لمكافحة الفساد، ومدى التزامها بتطبيق القوانين، بالإضافة إلى تسهيل إجراءات الاستثمار والحدّ من الغموض في السياسة العامة، من خلال إنشاء إطار موثوق من السياسات والأنظمة، لممارسة الأعمال التجارية في مصر بما يتوافق مع المعايير الدولية، كذلك تقليل التدخُّل الحكومي في سوق الائتمان، وتضيف عبدالحليم: أن إصلاح مؤسسات القطاع العام التي تتعامل مع المستثمرين، والحد من هامش التصرفات التقديرية للمسئولين، سيساعد بشكل ما في تسهيل الإجراءات على المستثمر، فضلاً عن تعزيز اللامركزية، لافتة إلى ضرورة إطلاق عملية عدالة انتقالية تتمتّع بالمصداقيّة، وتشير إلى ضرورة امتلاك الدولة لرؤية اقتصادية عمليّة ومتّسقة، تشتمل على سياسات واقعية حول كيفية تحقيق نمو مستدام قائم على السوق، مع زيادة فرص العمل والعدالة الاجتماعية، كذلك تعزيز المسئولية الاجتماعية للشركات الخاصة، بالإضافة إلى اتّخاذ مواقف واضحة بشأن المساءلة، والحدّ الأدنى للأجور، والنظام الضريبي وقواعد المنافسة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com