قانونيون: براءة مبارك بسبب غياب الأدلة

قانونيون: براءة مبارك بسبب غياب الأدلة

المصدر: القاهرة- من محمد نوار

بعد ثلاث سنوات، أسدل القاضي كامل الرشيدي رئيس محكمة الجنايات الستار على محاكمة القرن، بعد أن حكم بالبراءة للرئيس الأسبق حسني مبارك في قضية تصدير الغاز لإسرائيل، ورفض الدعوى الموجّهة ضده بقتل المتظاهرين خلال ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، وبراءته هو ونجلاه (جمال وعلاء) ورجل الأعمال الهارب حسين سالم في تلقي هدايا عبارة عن خمس فيلات في مدينة شرم الشيخ.

كما برّأت المحكمة اللواء حبيب العادلي وستة من كبار مُساعديه في قضايا قتل المتظاهرين خلال احتجاجات ضد النظام تركّزت في ميدان التحرير بوسط القاهرة للتنديد بالفقر والظلم والبطالة في البلاد.

وقال القاضي محمود الرشيدي خلال جلسة النطق بالحكم: إن إسقاط التهم الجنائية ليس مُبرراً لإعفاء المتهمين سياسياً، بعد أن استشرى الفساد ووهنت الدولة في السنوات الأخيرة من حكم مبارك الذي استمر ثلاثين عاماً، وأشاد بثورة يناير 2011، قائلاً: إن أهدافها لها ما يُبررها، وناشد الرشيدي الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة تعظيم دور المجلس القومي لرعاية أسر شهداء ومُصابي ثورة يناير (سقط 239 شهيداً و1588 مُصاباً).

وكان من المقرر صدور الحكم يوم 27 سبتمبر الماضي، لكن القاضي الرشيدي أجّل النطق بالحكم، لعدم الانتهاء من أوراق القضية وكتابة المنطوق، حتى تُوّج مبارك بأحكام البراءة خلال محاكمته الثانية بنفس التهم، بعد أن حكم عليه في نفس القضية (قتل المتظاهرين) عام 2012 بالسجن مدى الحياة من قِبَل المستشار أحمد رفعت، ولكن تم نقض الحكم، حتى حصل على البراءة، ومع ذلك يواجه مبارك البالغ من العمر 86 عاماً حكماً بالسجن لمدة ثلاث سنوات في قضية القصور الرئاسية، وسوف يستكمل مدته المتبقية حتى أغسطس المقبل على ذمة القضية.

ويؤكد د. عماد الفقي أستاذ القانون الجنائي بجامعة حلوان، أن النيابة العامة يحق لها التقدم بالطعن على براءة مبارك وأعوانه من تهم قتل المتظاهرين أمام محكمة النقض، وتابع: في هذه الحالة ستقوم المحكمة بالتحقيق في الجرائم المنسوبة إلى مبارك وأركان نظامه، وأي حكم سوف تصدره سواء بالإدانة أو البراءة سيكون باتاً لا يجوز الطعن عليه نهائياً، ويشير إلى أن المدعين بالحق المدني لا يوجد أمامهم إلا طريقتان للطعن على الحكم، أولاً: إن استند حكم البراءة على أساس عدم صحة التهم المسندة للمتهمين، فلن يستطيع المدعون بالحق المدني الطعن على الحكم، ثانياً: إذا صدر الحكم بالبراءة لعدم كفاية الأدلة، يجوز للمدعين بالحق المدني الطعن على الحكم.

ويوضح أن القضية المرفوعة ضد مبارك وأبنائه وكبار مُساعديه، كانت محدودة جداً في نطاق الاتهامات، حيث تم التركيز فقط على اثنين من قضايا الفساد الضيقة، وكان من المفترض توجيه المساءلة الكاملة حول مُخالفات ثلاثة عقود من الحكم الاستبدادي القسري، ويشدّد الفقي على أهمية استعداد الدولة لتأمين كافة المؤسسات الهامة بعد أحكام البراءة على المتهمين، لاسيما وأن التيار الإسلامي سوف يلعب جيداً على وتر العاطفة مع أهإلى الشهداء والمصابين في محاولة لتشويه النظام القائم.

ومن جانبه يرى أحمد مهران مدير مركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية، أن القاضي برّأ مبارك جنائياً بسبب عدم كفاية الأدلة لكن أدانه سياسياً، حيث وصف فترة حكمه الأخيرة بأنها كانت فوضى واستشرى الفساد وقتها، وحول عدم إدانة القاضي مبارك سياسياً، يؤكد أن رئيس المحكمة يحكم بما لديه من أوراق وبراهين، أما الناحية السياسية فمردها إلى الحالة العامة التي كانت تعيشها الدولة، وهناك قوانين أخرى قد يحكم مبارك من خلالها سياسياً، وبالتأكيد ليس مكانها محكمة الجنايات، ويوضح أن الدولة مرت بعِدة أخطاء خلال الثلاث سنوات الأخيرة، وخاصةً بعد صعود الرئيس المعزول محمد مرسي للحكم، والذي تعهّد بأنه سيعيد محاكمة مبارك وفق أدلة جديدة في حال فاز بالرئاسة، لكن مرسي لم يظهر إرادة حقيقية لمقاضاة النظام القديم بقوة، وكان يلهث وراء المنصب الرئاسي من خلال فرد عضلات سياسية وكلامية، وتخوّف مهران من استغلال جماعة الإخوان المسلمين والقوى الإسلامية براءة مبارك في القيام بأعمال شغب، خاصةً وأن الإسلاميين يسعون للاستفادة من الغضب الشعبي في توجيه النقد للنظام الحإلى، وبأن عزلهم من السلطة كان تمهيداً لتبرئة رجال النظام القديم وعودتهم من جديد إلى الساحة السياسية.

بينما يؤكد المستشار محمد حامد الجمل رئيس مجلس الدولة الأسبق، أن الحكم عنوان الحقيقة، ولكن خلال فترة محاكمة مبارك كانت توجد دلالات على إمكانية صدور الحكم بالبراءة، أبرزها أن قاضي المحكمة سمح للمتهمين بالترافع عن أنفسهم، حتى أنه بكى من شدة تأثره بمرافعة اللواء حبيب العادلي عن نفسه، وأيضاً تأجيل الحكم في سبتمبر الماضي بحجة أنه لم ينتهِ من قراءة جميع أوراق القضية، بالإضافة إلى أن القاضي الرشيدي مهّد أمام الرأي العام بكلمات وعبارات توحي بإمكانية صدور حكم البراءة على المتهمين، ويشير إلى أن المدعين بالحق المدني أصبح عليهم اللجوء إلى القضاء من أجل المطالبة بتعويض مادي، أو الطعن أمام محكمة النقض خلال ستين يوماً لإعادة المحاكمة، ويشدّد على أهمية تفعيل قانون إفساد الحياة السياسية، لأنه السبيل الوحيد لمحاكمة أي مسئول تنفيذي في الدولة، وتابع: حتى أن قاضي المحكمة أدان مبارك سياسياً خلال فترة رئاسته لكنه غير قادر على إدانته، لأن القانون لا يسعفه وكان مُطالباً بالنظر في الشِق الجنائي فقط، ويوضح الجمل أن مبارك ونجليه حصلوا على البراءة بانقضاء الدعوى الجنائية وبعدم جواز نظر الدعوى، ما يعني وجود خلل في براهين النيابة العامة لإدانة المتهمين، في مقابل حجج وبراهين قوية من دفاع المتهمين، وتخوّف من أن يكون الحكم عنواناً عريضاً لخروج الشعب المصري إلى الشوارع مرة أخرى.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com