في ذكرى رحيل جمال.. ما الذي بقي من الناصرية؟ – إرم نيوز‬‎

في ذكرى رحيل جمال.. ما الذي بقي من الناصرية؟

في ذكرى رحيل جمال.. ما الذي بقي من الناصرية؟

المصدر: القاهرة– من هند عبد الحليم

يصادف يوم غد الذكرى الرابعة والأربعين لرحيل الزعيم جمال عبد الناصر قائد ثورة يوليو المجيدة ( 15 يناير 1918 – 28 سبتمبر 197) .

هذه الثورة التي كانت باكورة لتحرر بلدان العالم الثالث من نير وربقة الاستعمار وألهمت الكثير من الثورات في كثير من دول العالم .

فمن المسلم به أن ثورة يوليو قامت لإجلاء الاحتلال البريطاني عن مصر ، وهو ما تحقق بتوقيع اتفاقية الجلاء في 18 يونيو 1954، وبتعميدها بالدم عندما فكر الاستعمار لاحتلال مصر عبر بوابة العدوان الثلاثي ”إنجلترا وفرنسا وإسرائيل “ 1956.

وقد وجدت الثورة نفسها مطالبة بتحويل الاستقلال الصوري أي استقلال العلم والنشيد الوطني، إلى استقلال فعلي ناجز بالقضاء على بنية الظلم الاجتماعي المؤيد للاستعمار البريطاني وكذلك قرارات حل الأحزاب السياسية بشكل ما.

وفي محاولة الثورة لمغالبة آثار التبعية ، والتخلف التي خلفها الاحتلال البريطاني ؛ جاءت خطط التنمية بمراحلها المختلفة بدءاً من محاولة الاعتماد على الرأسمالية المحلية وتحفيزها ، وانتهاء بالقرارات الاشتراكية ، ومعها كانت حزمة متساندة من آليات توسيع قاعدة النظام الجديد، أو بالأدق ظهيره الاجتماعي الذي أزاح بشكل تدريجي الطبقة المساندة للاستعار البريطاني .

وعلى الصعيد الثقافي فقد اكتسحت ثورة يوليو المفاهيم والأفكار القديمة ، ووضعت الفن والأدب في خدمة المجتمع.

و جاء الشعر في الخمسينيات معبراً عن روح الأمة وآمالها نحو الوحدة والحرية والتقدم.

وظهرت مدرسة الشعر الحر التي كان من روادها في مصر صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل وكمال نشأت ومحمد الفيتوري ونازك الملائكة وبدر شاكر السياب ، حيث ظهرت قصائدهم الجديدة التي تحرروا فيها من قيود الوزن والقافية.

وكانوا في أشعارهم أكثر اتصالاً بالمجتمع ومشكلاته ولم يهملوا كذلك ذواتهم وحياتهم الشخصية ، بل عبروا عن أنفسهم أصدق تعبير.

وكانت لهم نظرتهم الخاصة للغة والصورة واعتمدوا على الإيحاء والرمز في أغلب الأحيان.

فإذا انتقلنا إلى هزيمة يونيو 1967 والتي لا تزال تلقي بظلالها على الثقافة العربية يقرر الرئيس عبد الناصر التنحي ثم تراجع عن قراره استجابة لرغبة الشعب المصري.

وقرر مجلس قيادة الثورة أن يضع في يدي الرئيس عبد الناصر كل الصلاحيات التي تخول له التعبئة الكاملة والشاملة لكل قوى الشعب العامل، وإعادة البناء العسكري والسياسي بما يعزز قدرته على مواجهة كل التحديات لإصلاح ما وقع فيه من أخطاء بسبب ثقته برجاله وعدم استماعه إلى صوت القلة التي حملت على عاتقها مسئولية الإنذار والتحذير والحدس بالهول الذي ابتدأت كوابيسه في صباح الخامس من يونيو .

لكن ظهر بصيص من نور في مؤتمر القمة العربية الذي عقد بالخرطوم 19 أغسطس 1967 ، وذهب عبد الناصر ( الأسد الجريح ) متوقعاً أن تنهشه أنياب الغاضبين عليه ، لكنه استقبل بحفاوة خففت من ألم جراحه ، وأعلن المؤتمر لاءاته الثلاثة : لا للاعتراف باسرائيل ، لا للتفاوض معها ، لا للصلح .

وأضاف إلى ذلك تأكيد وحدة الصف العربي ، والالتزام بميثاق التضامن العربي ، والعمل على انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية ، والإسراع بتصفيةالقواعد الأجنبية بالعالم العربي .

وجاء خطاب عبد الناصر في الثالث والعشرين من نوفمبر ليؤكد أن مصر عبرت مرحلة بالغة القسوة، وخرجنا فيه إلى مجال أوسع نستطيع فيه أن نستعيد قدرتنا على الحركة ، وأننا نملك إمكانيات المقاومة المادية .

ولكن عبد الناصر لم يتجاهل حالة التمزق النفسي التي كان يعانيها شباب مصر وهم يرون القوات الإسرائيلية على الضفة الشرقية لقناة السويس، وكان واعياً أن هذا التمزق سيبقى زمناً في نفوس الجميع.

واستعاد الشباب ثقته في قيادته عقب تدمير السفينة الحربية إيلات حيث نجحت الزوارق الحربية المصرية في اقتناصها وتدميرها.

وكان من الطبيعي أن يعي نظام عبد الناصر ما تنطوي عليه نفوس الشباب من غضب عارم ، فمنح مجالاً أوسع لحرية الكتابة ، كي تخرج النفوس المتمردة بعض لهيبها. فظهرت كتابات غاضبة لم يكن من الممكن نشرها من قبل مثل الشيوعيون الذين غيبتهم السجون الناصرية خلال الفترة 1959 حتى 1964 ، وما كادوا يرتبون حياتهم ، ويتصالحون مع الناصرية ، حتى جاءت الهزيمة لتضيف ما هو أوجع من المرارة المتبقية من سنوات الاعتقال.

وقد نضج جيل الستينات عقب هزيمة يونيو، وظهرت شعارات مثل : “ نحن جيل بلا أساتذة “ والتي أطلقها الكاتب السكندري محمد حافظ رجب ، وكتب جمال الغيطاني عن معتقل “ المقشرة “ مستهلاً سبيله الإبداعي إلى الرمزية التاريخية التي ردت الهزيمة إلى عسس الدولة وزبانية سجونها .

وقد كانت “ نهاية الورى فيما جرى في المقشرة “ مع رواية “ تلك الرائحة “ لصنع الله إبراهيم علامتين فارقتين على تحول جذري حدث في الكتابة السردية والروائية .وذلك بالقدر الذي كانت قصائد امل دنقل إدانة لديكتاتورية عبد الناصر ولقيادات الجيش بوجه خاص .وكتب رائعته “ بين يدي زرقاء اليمامة “ بعد الهزيمة بأيام .

وتظاهرت حشود الطلاب في العام 1968 احتجاجاً على النتيجة الهزيلة التي انتهت إليها محاكمة قادة الطيران المصري الذي دمرته إسرائيل على الأرض .وقد تقبل عبد الناصر مظاهرات الطلاب بصدر رحب ، وحاور القيادات الطلابية ، وأقنعها بأنه يؤمن مثلها بحتمية التغيير وضرورة استمراره إلى الأمام وبدأ التغيير بإعادة تشكيل مجلس الوزراء ، وأعلن عن تغييرات أخرى في قيادات الإنتاج والسلك الدبلوماسي والمحافظين ورؤساء المدن ، واعترف عبد الناصر في بيان 30 مارس 1968 بأن الكثيرين الذين كانوا يشغلون المناصب القيادية والوزارية لم يكونوا على مستوى المسئولية سياسياً وتنفيذياً ، وأنه من الضروري إفساح المجال للأقدر والأجدر .

ولكن رغم ذلك ظل عبد الناصر جاهلاً بالكثير من الفساد الموجود في القطاع العام ونموذج ”سرحان البحيري“ الاشتراكي الانتهازي التي صاغها نجيب محفوظ باقتدار في روايته ”ميرامار“ وهي الرواية التي رصدت نماذج بقايا الإقطاع الذي ظل موجوداً ومتجدداً ، كما ظهر في أحداث “ كمشيش“ التي كتب عنها أمل دنقل قصيدة “ أشياء تحدث في الليل ”.

وسجل التاريخ بأحرف من نور مقولة الزعيم عبد الناصر الخالدة ”ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com