في ذكرى ميلاده.. إسماعيل ياسين ”صاحب السعادة“

في ذكرى ميلاده.. إسماعيل ياسين ”صاحب السعادة“

المصدر: القاهرة – من هند عبد الحليم

ولد الطفل، إسماعيل ياسين علي نخلة، في ميدان الكسارة بمدينة السويس يوم 15 سبتمبر 1912، والذي سيصبح الأكثر شهرة؛ إسماعيل ياسين ولد لأسرة متوسطة، تكفي مواردها لـ ”محل بيع المصوغات الذهبية والفضية“ الذي يديره الأب، لتحقيق مستوى يكفل لها نوعاً من الاستقرار والأمان. وسرعان ما يقع الأب في إدمان حياة الليل والشراب وفريسة للمرض. وتموت الزوجة مبكراً فيعهد الأب بابنه إلى والدة زوجته التي تعامل حفيدها معاملة قاسية بعد أن تزوج والده على ابنتها الراحلة.

وعمل الصبي إسماعيل ياسين منادياً أمام محل أقمشة ليكسب قوت يومه وكان يستمع إلى إسطوانات المطرب الشاب محمد عبد الوهاب على المقهى فيدندن معه إعجاباً به. وتجذبه جلسات الذكر التي كانت تقيمها الصوفية وهمهمات التجلي الصاعدة من الحناجر وقراءة القرآن الكريم وأصوات المنشدين وعرف عنه أصدقاؤه ولعه وحفظه للأغاني وأصبح (مطرب الشلة) ويحلم بأن يصبح يوماً مطرباً مثل محمد عبد الوهاب.

ويقترح عليه أصدقاؤه السفر إلى القاهرة حيث يعيش عبد الوهاب وأم كلثوم وصالح عبد الحي والفرص كثيرة، فالقاهرة أم الدنيا.. الشهرة.. المجد.. المال.. فرص العمل.. شارع عماد الدين.. شارع محمد علي.

ويشع الحلم في رأس إسماعيل ياسين ويقرر السفر، وتقف عقبة المال في طريق تحقيقه حلمه ويهديه شيطانه إلى سرقة تحويشة عمر جدته ”أليفة“ في جنح الليل بحثاً عن الحلم الفني.

وفي القاهرة يعاني الأمرّين بحثاً عن عمل فلا يجد ويضطر للنوم في المساجد ويتم اتهامه بسرقة طقم شاي وينهال صاحب المحل عليه بالضرب ويساعده أصحاب المحلات المجاورة وتسقط دموعه الساخنة على خديه ولكن دموعه وملامح البراءة على وجهه تدفع إمام المسجد لاستخلاصه من بين أيديهم وينصحه بالعودة إلى السويس مرة أخرى ويدفع له ثمن تذكرة القطار ووجبة غذائية وعندما عاد إلى السويس وجد الأوضاع تسير في طريق التدهور فالأب تحول إلى صنايعي أجير في أحدة محلات الصاغة بعد أن كان صاحب محل. ولم يعد بإمكانه مساعدة ابنه.

وتقوده الصدفة لإحياء ليلة سبوع أو فرح في منزل ”إسماعيل الفار“ وهناك يتعرف بأفراد من عائلة قدري باشا الذين طلبوا منه أن يزورهم في القاهرة؛ لأنهم وجدوا فيه موهبة جديدة ومادة للسمر، حيث يستطيع أن يدخل البهجة والسرور إلى قلوبهم بنكاته وطريقة تقليده للمطربين.

وفي القاهرة وخلال تردده على سراي عائلة قدري باشا تعرف على المحامي ”خليل حمدي“ الذي كان مغرما بالغناء والرقص والموسيقى فاتخذ إسماعيل ياسين سكرتيراً وكاتما لأسراره وكان يصطحبه إلى الصالات والكازينوهات.

وفي كازينو بديعة يشاهد ملك المونولوج ”سيد سليمان“ الذي يعجب به ويحفظ مونولوجاته، كما شاهد حسين المليجي وهو يلقي مونولجاته، وبدأت صورة المطرب محمد عبد الوهاب تتوارى ليحل محلها الإعجاب بالمونولوج.

ويدعوه خليل حمدي لإحياء إحدى حفلات الزفاف والذي يقدم فيها مونولوجاً قلد فيه سيد سليمان ونال إعجاب الجمهور بخفة ظله وطريقته في الإلقاء.

وفي العام 1934 تنشئ الحكومة المصرية محطة الإذاعة الحكومية ويتقدم إسماعيل للعمل بها وينجح في التعاقد على تقديم أربع وصلات كل شهر تتضمن كل وصلة غنائية أربع مونولوجات.

والتحق بفرقة يوسف عز الدين كممثل ومونولوجست كما عمل مع فرقة حورية محمد بعد أن فصلته فرقة بديعة لأنه لم يجدد من المونولوجات التي يقدمها، ولعل ذلك يرجع إلى عدم استقراره المادي فتكاليف شراء المونولوج وتلحينه كانت أكثر مما يكسب. وخاض إسماعيل ياسين تجربتين فاشلتين في الزواج بسبب خيانة الزوجة في المرتين ويتم الطلاق ويقرر إغلاق قلبه.

وفي عام 1940 حمل لقب ”المونولوجست المحبوب“. وسافر إلى الشام والسودان لإحياء الحفلات هناك وحقق نجاحا وشعبية هناك.

وفي العام 1945 يكوّن أحمد رفعت فرقة تضم علي الكسار وإسماعيل ياسين ويتزوج للمرة الثالثة والأخيرة من السيدة فوزية كمال ”وش السعد“ عليه وأنجبت له ابنه الوحيد ياسين الذي منحه إسماعيل ياسين الكثير حتى يعوضه الحرمان الذي عاناه.

وتوقف عن إلقاء المونولوج في الملاهي عام 1953. وخلال الخمسينات بدا مهموماً بالسينما، ويقدمه فؤاد الجزايرلي في دور صغير في فيلم ”خلف الحبايب“ 1939، ويسند إليه نيازي مصطفى دورا صغيرا لا يستغرق ثلاث دقائق يمثل فيه دور سكير ”مصنع الزوجات“ 1941.

ولكن الانعطافة الحقيقية تأتي عندما يتبناه علي الكسار في فرقته المسرحية ثم يفرضه على ”توجو مزراحي“ ليعمل معه في فيلم ”علي بابا والأربعين حرامي“ 1942. حيث قام بالغناء والرقص وأدى بعض الحركات التي ستصبح فيما بعد من لوازمه. ثم قدمه توجو مزراحي في أفلام: ”الطريق المستقيم 1943، تحيا الستات 1943، نور الدين والبحارة الثلاثة 1944. وقدمه عمر جميعي في فيلم ”نداء القلب“ 1943، واختاره إبراهيم لاما ضمن طاقم فيلم ”نداء الدم“ 1943. وكان إسماعيل ياسين يقدم المونولج بجانب التمثيل في هذه الأفلام.

وفي العام 1955 وفي فورة الحماس لثورة يوليو 1952، لعب إسماعيل ياسين دور البطولة في فيلم ”إسماعيل ياسين في الجيش“ عن قصة كتبها عبد المنعم السباعي وأخرجها فطين عبد الوهاب، وحضر الزعيم جمال عبد الناصر العرض الأول للفيلم. وأغرى النجاح غير المتوقع للفيلم صناعة على تكرار التجربة وظهر لكل سلاح من أسلحة الجيش فيلم يحمل اسمه (الأسطول – الطيران – البوليس) وكان الهدف منها ترغيب الشباب في الالتحاق بالجيش وإشاعة روح الانتماء للوطن.

وبلغ مجموع الأفلام التي تحمل اسم اسماعيل ياسين 15 فيلماً. وقد أدى إسماعيل ياسين دور المرأة في عدد كبير من الأفلام السينمائية مثل: ”الست نواعم، الآنسة حنفي، مملكة النساء، دهب، فاعل خير، مغامرات إسماعيل ياسين“. كما قدم أفلام الكوميديا المرعبة: ”بيت الأشباح 1951 – إسماعيل ياسين في متحف الشمع 1956 – إسماعيل ياسين يقابل ريا وسكينة 1955“.

كما قدم الكوميديا السوداء، التي يختلط فيها الحزن بالضحك، والجد بالهزل مثل: ”إسماعيل ياسين في جنينة الحيوان 1957“ ولم يتقبل الجمهور بسهولة الصورة الجديدة لإسماعيل ياسين، فقد وقف بناؤه الجسدي، وشكله العام، وصورته عند الناس حائلاً في تقبله بدور العاشق والقاتل الذي يفكر في تدبير جريمة.

ومن أشهر الأسماء التي أطلقت عليه: ”بقو“، و“شلاضيمو“ ، ”سمعة“، و“تيفة“. وهناك بعض الكلمات التي ارتبطت باسمه مثل ”يا دهوتي“ ويقولها عند الخوف أو موقف لا يستطيع التخلص منه.

إن شخصية إسماعيل ياسين لن تموت لأنها تحمل قلباً إنسانياً، وليس قلب مهرج. كما ويعمد إلى تدعيم ما يربط الشخصية بالناس، ويقدم لها مكملاتها الحياتية من صوت وحركة وتصرفات ولكنه في نفس الوقت يحس تجاهها بنوع من العطف، ويقدر معاناتها.

ورحل يوم 24 مايو 1972 بعد حياة فنية حافلة كانت عنواناً للبراءة والضمير والضحك.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com