المياه الجوفية وتحديات الحفر في قناة السويس الجديدة

المياه الجوفية وتحديات الحفر في قناة السويس الجديدة

المصدر: القاهرة- من محمد نوار

في خطابه بتاريخ 5 آب/ أغسطس، أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن إطلاق مشروع بناء قناة السويس الجديدة، التي تكتمل في غضون عام من بدء تاريخ الحفر، بهدف التوسع في قناة السويس الحالية، والسماح لحركة السفن بالمرور في اتجاهين في وقت واحد، والمشروع جزء من خطة أوسع لعملية التنمية التي تنطوي على بناء أربعة موانئ جديدة، والنقل متعدد الوسائط والخدمات اللوجستية، وسلسلة من المناطق الصناعية.

بموجب خطة التنمية، بحلول عام 2023 من المتوقع أن تستوعب قناة السويس مرور نحو 97 سفينة في اليوم الواحد، وتقليل الوقت الذي يستغرقه السفر عبر قناة واحدة من 11 ساعة إلى ثلاث ساعات، مما يزيد من تدفق الإيرادات المالية على الدخل القومي للبلاد، وتشير تقديرات الخبراء إلى أن المشروع بحلول عام 2023 (توقيت انتهاءه تماما) سيدر دخلا على الدولة بحوالي 100 مليار دولار سنويا، (حاليا يقدر الدخل بنحو 5 مليارات دولار سنويا) وترتكز خطة تمويل المشروع وآلية التمويل على إصدار الحكومة سندات وشهادات استثمار بلغ مجموعها 8.4 مليار دولار، التكلفة المقدرة لمشروع القناة بعائد 12 %، وتم إصدار السندات من فئة صغيرة جدا لدرجة أن المواطنين البسطاء لديهم القدرة على شرائها، وبالتالي المساهمة في المشروع بشكل مباشر.

وفي وقت مبكر من عام 2015، ستشرع الحكومة المصرية في تقديم عروض استثمارية لشركات أجنبية للمشاركة في المناطق الصناعية، ومن المتوقع أن تحوز المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى على نصيب كبير من المشاركة الاستثمارية، ومن المتوقع أيضا دخول مستثمرين آسيويين بما في ذلك اليابان والصين وكوريا الجنوبية.

وفي هذا الإطار يصف د. هاني توفيق رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للاستثمار، مشروع حفر قناة موازية جديدة لقناة السويس، بأنه ”تطوير وتنشيط لحركة النقل البحري الدولي من خلال المنطقة، لكن توجد تساؤلات حول قدرة الحكومة المصرية لإتمام هذه المهمة في عام واحد فقط، خاصة وأن الدولة تعاني من أزمات مالية منذ ثلاث سنوات، وأثرت سلبا على جميع مؤسسات الدولة والقطاعات الاقتصادية، ويوضح أن المشروع يشمل حفر 35 كيلومترا (21.7 ميلا) من الحفر الجاف، و37 كيلومترا (23 ميلا) توسعات وحفر عميق، ولكن توجد تحديات تقف أمام هذا المشروع الضخم، وقد ظهرت بالفعل بعض بوادرها، وهي مشاكل أثناء الحفر، حيث تم العثور على مياه في مواقع الحفر، والبعض هلل لذلك وابتهج، لكن من الناحية العملية هذه المياه تشكل أزمة للحكومة والشركات العاملة في المشروع، نظرا لأنها تتطلب مساهمة مالية أكبر بسبب استبدال أعمال الحفر على الجاف بأعمال التكريك، وقد يؤدي ذلك إلى تجاوز الحفر للمدة التي حددها السيسي سنة واحدة، لاستكمال الحفر ومرور أول سفينة عبر القناة الجديدة“، ويشير إلى أن تكلفة الحفر تحت الماء تتجاوز عشرة أضعاف تكلفة الحفر في الأرض الجافة، وعن سبب ظهور المياه يؤكد أن الموقع المختار للحفر كان على بعد حوالي 400 متر من قناة السويس القديمة، وكان من الأفضل اختيار موقع على بعد 5 كيلومترات بعيدا عن القناة القديمة، للابتعاد عن أي تسريب مائي جراء أعمال الحفر.

واتفق مع الرأي السابق د.إبراهيم الشاذلي أستاذ الاقتصاد بجامعة بني سويف، وقال إن الجيش المصري التزم بالموعد المحدد للانتهاء من حفر المشروع خلال عام، وهذا الالتزام يتجسد على أرض الواقع من خلال توريد ما يقرب من 5 آلاف من المعدات والمركبات الثقيلة المعدة للحفر والشاحنات، وتم توقيع اتفاقيات مع حوالي 50 شركة مصرية للوصول إلى نسبة حفر مليون كيلومتر مربع يوميا، وتابع: ”لكن ظهور المياه الجوفية سوف يصعب من أعمال الحفر، وستزيد تكلفة المشروع نحو 20 % من النسبة المالية التي حددتها الحكومة التي تقدر بأكثر من 8 مليارات دولار، ويوضح أن الحكومة تعدد الفوائد الاقتصادية للمشروع، ولكن التوقعات العالية من عائدات سريعة قد لا تكون قابلة للتحقيق في المستقبل القريب، خاصة وأن المياه الجوفية ستزيد من الضغط المالي على الشركات العاملة، وعلى قدرة الاقتصاد في تحمل هذه المخاطر الاقتصادية“، واصفا التدفق المالي الذي تتوقعه الحكومة عقب افتتاح الممر الملاحي الجديد بـأنه غير دقيق، نظراً لأن الأمر مرتبط بعدد السفن التي تمر عبر قناة السويس، ففي الأوقات الطبيعية تزيد حركة التجارة العالمية بنسبة 2 إلى 3 % على الأكثر، بينما في فترات الركود تقل هذه النسبة كثيرا، وهو الأمر الذي يثير المخاوف بشأن تحقيق الأرقام والعائدات المطلوبة، لكن هذا لا يمنع أن المشروع سيدر دخلاَ إضافيا للدولة.

واختلف مع الطرح السابق د.صلاح جودة مدير مركز الدراسات الاقتصادية بالقاهرة قائلا، إن ظهور المياه الجوفية أمر متوقع لقربها من الممر المائي القائم حاليا، وقلل من أهمية وجود تحديات صعبة تواجه أعمال الحفر، نظرا لأن الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة قامت بدراسة جدوى للمشروع، وللمنطقة التي يتم تنفيذ أعمال الحفر بها حاليا، خاصة وأن ”المشروع لا يتحمل التجربة أو وجود أخطاء، أو إعادة الحفر في أماكن أخرى، لأننا وقتها سنصبح أضحوكة العالم“، ويوضح أن المنطق يؤكد أن ظهور المياه الجوفية مؤشر على سير العمل بشكل صحيح، فكلما شرع الإنسان في الحفر العميق كلما زاد منسوب المياه الجوفية، كما أن تكلفة المشروع معدة طبقا للحفر الجاف وأعمال التكريك التي تحدث في حالة ظهور مياه جوفية، لأنها تحتاج تقنيات ومعدات متخصصة لسحب المياه ومواصلة الحفر، وهذه الأمور ضمن دراسة جدوى المشروع.

ويرى د.محسن عادل نائب رئيس الجمعية المصرية لدراسات التمويل والاستثمار، أن مصر تحتاج إلى تنويع الاقتصاد وتوسيع قاعدة الإيرادات للدولة، ومع ذلك هناك تحديات رئيسية في مشروع قناة السويس، أبرزها الإطار الزمني المتوقع، الذي من المتوقع أن يتخطى حاجز العام بعد ظهور المياه الجوفية بكثافة، والتي ستتضاعف كمية ظهورها كلما زاد العمق، وأيضا يوجد تحدي التمويل، وبالنسبة لمشروع بهذا الحجم، لابد من وجود احتياجات مالية كبيرة، مع إمكانية التمويل الدولي، ويظل التحدي الثالث وهو التنفيذ، ومشروع بهذا الحجم يتطلب إدارة متقدمة للغاية من الناحية اللوجستية وعمليات الرصد، ويؤكد أن الحكومة المصرية عليها أن تعمل بمعدلات سريعة لدوران عجلة الاقتصاد، من خلال النظر في مشاريع كثيفة العمالة وجذب استثمارات أجنبية، مع إعادة النظر في الإطار القانوني القائم وتعديل قوانين الاستثمار، لأنه من غير المنطقي أن تظل قناة السويس مصدرا وحيدا لإيرادات العملات الأجنبية في البلاد، في ظل ضعف إيرادات السياحة وتحويلات المصريين في الخارج.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com