التجاهل والنسيان يلف الذكرى الـ30 لوفاة محمد نجيب

التجاهل والنسيان يلف الذكرى الـ30 لوفاة محمد نجيب

المصدر: إرم- خاص

مرت الذكرى الثلاثون لوفاة أول رئيس جمهوري في مصر، مرور الكرام، فلم تشهد القاهرة أي إحياء رسمي لهذه المناسبة، ولم تتطرق وسائل الإعلام لها بصورة تليق بزعيم بذل الغالي والنفيس من أجل شعبه ووطنه.

عاش محمد نجيب حياته حزينا، وتوفي بشكل مأساوي، أسس للديمقراطية، وحاربه العسكريون الذين استنجدوا به أثناء ثورة يوليو 1952.. كثير من المفارقات والصدف لعبت دورا في حياة هذا الزعيم الراحل، الذي ولد في 28 آب/ أغسطس 1901 في السودان، لأب مصري وأم مصرية سودانية المنشأ تدعى زهرة محمد عثمان.

ويوجد تضارب حول تاريخ ميلاده، حيث أن التاريخ الرسمي لدى التسنين الذي أعلنه الجيش، هو 19 شباط/ فبراير 1901، وعادة لا يكون دقيقا، حيث ذكر أحد كبار عائلته في مذكراته أن نجيب ولد قبل أحد أقربائه بـ 40 يوما، وبالحساب وجد أن تاريخه ميلاده هو 7 تموز/ يوليو 1902.

وما لا يعلمه الجميع هو أن الملك فاروق حين تنازل عن العرش كان العجز في ميزانية المملكة المصرية بلغ 55 مليون جنيه.

وحينما تم الإطاحة بنجيب في أواخر 1954 كان قد نجح في الوصول بالميزانية لمرحلة التوازن وتحقيق فائض بحوالي مليوني جنيه مصري.

تلقى نجيب تعليمه في مدينة ود مدني عام 1905 ، حيث حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وانتقل والده إلى وادي حلفا عام 1908 ، فالتحق بالمدرسة الابتدائية هناك، ثم التحق بكلية الغوردون عام 1913.

يقول نجيب في مذكراته: ”كنت طالبا في السنة الثانية بالكلية عام 1914، وجاء المستر سمبسون، مدرس اللغة الإنجليزية، ليملي علينا قطعة إملاء جاء فيها أن مصر يحكمها البريطانيون، فلم يعجبني ذلك، وتوقفت عن الكتابة، ونهضت واقفا وقلت له: لا يا سيدي مصر تحتلها بريطانيا فقط لكنها مستقلة داخليا وتابعة لتركيا، فثار المدرس الإنجليزي وغضب وأصر علي أن أذهب أمامه إلى مكتبه وأمر بجلدي عشر جلدات علي ظهري واستسلمت للعقوبة المؤلمة دون أن أتحرك أو أفتح فمي“.

بعد أن تخرج من الكلية التحق بمعهد الأبحاث الاستوائية لكي يتدرب على الآلة الكاتبة تمهيدا للعمل كمترجم براتب ثلاثة جنيهات شهريا، وبعد التخرج لم يقتنع بما حققه وأصر على دخول الكلية الحربية في القاهرة.

التحق بالكلية الحربية في مصر في نيسان/ أبريل 1917 وتخرج فيها في 23 كانون الثاني/ يناير 1918، ثم سافر إلى السودان والتحق بذات الكتيبة المصرية التي كان يعمل بها والده ليبدأ حياته كضابط في الجيش المصري بالكتيبة 17 مشاة.

ومع قيام ثورة 1919 أصر على المشاركة فيها على الرغم من مخالفة ذلك لقواعد الجيش، فسافر إلى القاهرة وجلس على سلالم بيت الأمة حاملا علم مصر وبجواره مجموعة من الضباط الصغار. ثم انتقل إلى سلاح الفرسان في شندي. وفد ألغيت الكتيبة التي يخدم فيها، فانتقل إلى فرقة العربة الغربية بالقاهرة عام1921.

وفي 18 حزيران/ يونيو 1953 تم إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، وسقوط أسرة محمد علي، التي تولت عرش مصر قرابة 150 عاما، وأصبح محمد نجيب رئيسا للجمهورية والوزراء في الوقت نفسه، وهكذا بدأت مصر مرحلة سياسية جديدة.

عرفت الخلافات طريقها لتصنع الشقاق بين الضباط الأحرار وبين محمد نجيب، الذي أراد عودة الجيش إلى ثكناته، وأن يتفرغ لحماية الحدود، ويسلم البلاد إلى سلطة مدنية بطريقة ديمقراطية، فكان أول خلاف بين نجيب وضباط القيادة حول محكمة الثورة التي تشكلت لمحاكمة زعماء العهد الملكي، ثم حدث خلاف ثانٍ بعد صدور نشرة باعتقال بعض الزعماء السياسيين، وكان بينهم مصطفى النحاس، فرفض نجيب اعتقال الأخير، لكنه فوجئ بعد توقيع الكشف بإضافة اسم النحاس إلى قائمة المتهمين.

وبالفعل قدم نجيب استقالته إلى مجلس قيادة الثورة في شباط/ فبراير 1954، بعد أشهر قليلة من توليه الحكم، بسبب خلافات واتهامات بينه وبين مجلس قيادة الثورة، وتصور مذكراته أنه حينما أذيع بيان إقالته على الملأ خرجت الجماهير تحتج عليه، وانهالت البرقيات على المجلس والصحف، رفضا للاستقالة، واندلعت المظاهرات المؤيدة لنجيب في القاهرة والأقاليم لمدة ثلاثة أيام، وكانت الجماهير تطالب بعودته لإدارة البلاد.

واستجاب نجيب لرغبة الجماهير وتدارك خطورة الموقف خاصة أن البلاد كانت على شفا حرب أهلية، وعاد رئيسا محمولا على الأعناق في 27 شباط/ فبراير 1954.

وحسب المؤرخين، فإن أعضاء مجلس قيادة الثورة، تربصوا له بعد تأكدهم من محاولته إرجاعهم إلى ثكناتهم العسكرية، وعودة الحياة النيابية وحرمانهم من المزايا التي اكتسبوها داخل المجتمع المدني، فعزله مجلس قيادة الثورة في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام ذاته، وتم وضعه تحت الإقامة الجبرية مع أسرته في فيلا بالسيدة زينب بعيدا عن الحياة السياسية لمدة 30 عاما مع منعه من الخروج أو مقابلة أي شخص من خارج أسرته، حتى إنه ظل لأعوام عديدة يغسل ملابسه بنفسه، وشطبوا اسمه من كتب التاريخ والكتب المدرسية.

عاش الرئيس الأول لمصر، حياة صعبة بعد عزله ووفاة ولديه وتجاهل الناس له، إلى أن أُطلق سراحه بواسطة الرئيس السادات عام 1971.

وفي 21 نيسان/ أبريل 1983 أمر الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، بتخصيص فيلا في حي القبة بمنطقة قصر القبة في القاهرة، لإقامة محمد نجيب، بعدما صار مهددا بالطرد من قصر زينب الوكيل نتيجة حكم المحكمة لمصلحة ورثتها الذين كانوا يطالبون بالقصر.

نسي المصريون نجيب أو تناسوه إلى أن توفي بعد حياة صعبة لم يطقها، وصعدت روحه إلى بارئها في 28 آب/ أغسطس 1984، بعد دخوله في غيبوبة بمستشفى المعادي العسكري بالقاهرة.

رحل نجيب وترك اسمه على محطة ”المترو“ في منطقة عابدين، وبقى السؤال في ذكرى وفاته الـ30: “ألم يحن الوقت ليحصل نجيب على حقه والتكريم الذي يستحقه؟“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com