”لا يعاملون كبشر“.. تحقيق يكشف الظروف ”المروعة“ للمهاجرين في ليبيا

”لا يعاملون كبشر“.. تحقيق يكشف الظروف ”المروعة“ للمهاجرين في ليبيا

المصدر: صدوف نويران – إرم نيوز

تناولت صحيفة ”واشنطن بوست“ الأمريكية إساءة معاملة المهاجرين القادمين من شواطئ ليبيا متسائلة عن الاتفاقات الأوروبية لوقف الهجرة الشرعية ”الممنهجة“ على حد تعبيرها.

وتنقل الصحيفة الأمريكية في تحقيق مطول، صورة عن معاملة المهاجرين الأفارقة السيئة من قسوة وإهانة ومتاجرة بكرامتهم البشرية، إذ احتجز المئات منهم داخل مركز اعتقال خلف أبواب مغلقة بإحكام؛ ما يؤدي إلى تكدس 20 شخصًا في الزنزانة الواحدة.

وتصف الصحيفة: أنهم ”رجال هزيلون وحفاة، يطلون من خلال فتحات مربعة صغيرة في أبواب معدنية، ورائحة البول والعرق منتشرة في الهواء، ويهمس رجل جزائري: أنا آكل قطعة خبز واحدة في اليوم، أتوسل إليكم، هل يمكنكم مساعدتي؟“.

وبالنسبة لهؤلاء المهاجرين -ومعظمهم من الأفارقة الهاربين من الفقر أو الحرب أو الاضطهاد- تبدأ رحلة معاناتهم من ليبيا حتى قبل أن يصلوا إلى هذا المرفق المزدحم، فالكثير منهم كانوا يباعون ويشترون من قبل المهربين الذين يعملون بحرية في المناطق التي ينعدم فيها القانون في هذا البلد.

ويقول إسماعيل كونتي من سيراليون والبالغ من العمر 25 عاما وهو يتحدث للصحفيين عن الوقت الذي قضاه في ليبيا: ”لقد قاموا بجلدي وصفعي، وقاموا بركلي بينما كنت أتحدث على الهاتف مع والدتي حتى أنها استطاعت سماع صراخي“.

نقطة انطلاق

وحسب الإحصائيات الأممية فإن ليبيا، أكبر نقطة انطلاق للمهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا، وهي الآن موطنا لتجارة البشر المتزايدة. في حين  أن بعض الناس غير القادرين على دفع رسوم التهريب الباهظة أو الذين يتعرضون لخداع المهربين، يباعون في العالم كرقيق، يعذبون أو يجبرون على ممارسة الدعارة.

كل ذلك يثير التساؤلات عن اتفاقات الاتحاد الأوروبي لوقف تدفق المهاجرين، وتحت هذه الصفقات وعدت ليبيا بأكثر من مبلغ 225 مليون دولار لفرض ضوابط أكثر صرامة على الحدود وإقامة المراكز التي تحترم ”المعايير الإنسانية الدولية“ لمساعدة المهاجرين.

إلا أنه وفي الأسبوع الماضي، طلبت حكومة ليبيا المدعومة من قادة الغرب الأوروبيين في بروكسل مزيدا من الأموال للتعامل مع الأزمة، ولكن بدلاً من الحصول على معاملة أفضل، يتم إرجاع المهاجرين الذين وجدوا في البحر إلى ليبيا لمواجهة المزيد من الاستغلال والعنف.

وفي الوقت نفسه، يرتفع عدد المهاجرين المغادرين من ليبيا، مع وصول أكثر من 70 ألف مهاجر إلى إيطاليا حتى هذا الوقت من هذا العام؛ بزيادة 28% عن الفترة نفسها من العام الماضي، إذ غرق أكثر من ألفي مهاجر أثناء عبور البحر الأبيض المتوسط، وهو مجرد بداية موسم ذروة الصيف لعبور البحر.

 

ليس كأنهم بشر..

ولإتمام هذا التحقيق قامت صحيفة الـ ”واشنطن بوست“ بزيارة اثنين من مراكز الاحتجاز الرئيسة التي تديرها الحكومة في طرابلس، ومركز ثالث في مدينة الزاوية الساحلية التي تسيطر عليها الميليشيات التي يزعم تورطها في الاتجار بالبشر، وفقا لمحققي الأمم المتحدة.

يقول أحمد تاباوي وارداكو الزعيم القبلي الليبي والناشط المجتمعي في جنوب مدينة سبها: ”إنهم لا يعاملونهم معاملة البشر، إنهم يعاملون الناس مثل البضائع“.

ويعمل مسؤولو الاتحاد الأوروبي مع المنظمات الدولية والحكومة الليبية لمعالجة هذه المسائل، وقالت المتحدثة كاترين ري: ”إننا على علم بالظروف غير المقبولة التي يعامل بها بعض المهاجرين في مراكز الاحتجاز أو الاستقبال في ليبيا، ونحن لا نغض الطرف عن ذلك“.

 

الصحراء مخزن تصدير البشر

ويعد الاتجار بالبشر -الآن- عملا يدر مليارات الدولارات وينطوي على عدد لا يحصى من الميليشيات والقبائل ذات النفوذ، كما يقول نشطاء ومسؤولو الأمن.

وتمارس الحكومة المدعومة من الغرب القليل من السلطة خارج العاصمة طرابلس.

وقال وارداكو : ”لا أحد يفكر في الاعتقالات التي تجري في الجنوب.. المتاجرون بالبشر لديهم الكثير من المال.. ويقومون بشراء الناس، بمن في ذلك الشرطة والمسؤولون المحليون“.

مركز السمسرة

عندما وصل إسماعيل كونتي إلى سبها حوالي 500 كم جنوب طرابلس، قاده التجار مباشرة إلى مستودع في سبها، وتم بيعه إلى شخص ليبي. وهذا واحد من العديد من ”بيوت الاتصال“ حيث ينتظر المهاجرون بينما يتم نقلهم عبر خط أنابيب التهريب.

وضع كونتي و20 من المهاجرين الآخرين الذين كانوا معه في الشاحنة في زنزانة صغيرة، حيث إن  الحراس ومعظمهم من النيجر يضربونهم بالخراطيم والكابلات الكهربائية لأدنى مخالفة. ويتم إعطاؤهم صحنا واحدا من العصيدة كل يومين. ويمكن شراء أغذية أخرى من الحراس، ولكن معظم المهاجرين لا يملكون أي مبلغ من المال.

يقول ألصنا باه من غامبيا ويبلغ من العمر 34 عاماً: ”كان علينا أن نشرب الماء من المرحاض. وكل يوم، يقومون بضربي على أخمص قدمي“.

وقد يسجن الرجال هنا لأسباب مختلفة؛ البعض لأنهم لا يزالون مدينين بالمال لرحلتهم، والآخرون سافروا على الائتمان، وهم الآن ملك للمهربين. ومعظمهم مثل كونتي، سددوا الأجرة بالكامل ولكن تم خداعهم من قبل السائقين وتم بيعهم لمالك السجن الليبي بأقل من 50 دولاراً.

وفي كل صباح، يجبر الحراسُ المهاجرين على الاتصال بذويهم في الوطن. وبعد أربعة أيام على وصوله، اتصل كونتي بوالدته.

وأثناء حديثه معها يقوم الحارس بجلده بكابل سميك. وقال إنها كانت تستطيع سماع صرخاته.

وقال لها: ”لقد أمسكوا بي، إنهم يريدون مبلغ 400 دولار“. وتجيبه : ”من أين يمكنني الحصول على هذا المال؟“ وكان كونتي يستطيع سماعها وهي تبكي. وقال لها: ”يجب عليك أن تفعلي وإلا سيقتلونني“.

وكان التهديد بالموت حقيقيا. إذ قال أحد المهاجرين ”إن العديد ممن في زنزانته ماتوا بسبب الضرب أو اعتلال الصحة والنقص في الغذاء. وقال: ”إنهم يقتلون الناس طوال الوقت“.