”عزلة اللاجئين“.. أسرة سورية تعيش داخل مرآب بلا نوافذ في الأردن (صور) – إرم نيوز‬‎

”عزلة اللاجئين“.. أسرة سورية تعيش داخل مرآب بلا نوافذ في الأردن (صور)

”عزلة اللاجئين“.. أسرة سورية تعيش داخل مرآب بلا نوافذ في الأردن (صور)

المصدر: محمود صالح - إرم نيوز

عندما جاء أبو جيلال، 37 عاماً، إلى الأردن في العام 2013، اعتقد أنه سيبقى لمدة شهر أو ما يزيد عنه قليلاً حتى تهدأ الأمور في سوريا، وتمكنه العودة إلى دياره مرة أخرى.

أبو جيلال الذي ولد في دمشق، انتقل إلى أماكن كثيرة داخل سوريا قبل الحرب، حيث عاش في حمص ودرعا قبل أن يستقر في حي السيدة زينب في جنوب دمشق ويعمل ميكانيكي سيارات.

وبعد عامين من بدء الثورة، وصل القتال بين الحكومة السورية والمعارضة إلى الحي الذي يسكن فيه أبو جيلال.

وقال أبو جيلال: ”كانت هناك تفجيرات، وإطلاق نار، وأصبحت الحياة صعبة جداً بالنسبة لنا في دمشق، وشعرت بالخوف على عائلتي، لذلك قررنا الرحيل“.

هرب أبو جيلال بعائلته نحو الجنوب إلى الأردن، واليوم، يعيش مع زوجته وطفلين في مرآب للسيارات تحت مبنى سكني في مدينة الزرقاء، على بعد حوالي 30 كم شمال شرق العاصمة الأردنية.

بإذن من صاحب العقار، قام أبو جيلال بتحويل غرفة صيانة غير مستخدمة في مرآب، إلى شقة صغيرة تتكون من غرفتين لا تحتوي على أي نوافذ، حيث عاشت أسرته على مدى السنوات الثلاث والنصف الماضية.

ويقول: ”نحن لا نحصل على أشعة الشمس في كثير من الأحيان“.

والحي الذي يسكن فيه أبو جيلال في الزرقاء بني على جانب تل يطل على المحلات التجارية والشركات، ومواقف سيارات المدينة الصناعية الكبرى، وشارعه يقع على منحدر حاد وليس له أرصفة، مع تواجد شاحنات صغيرة في كثير من الأحيان تسير سريعاً أسفل التل إلى المدينة أدناه.

ويضيف أبو جيلال ”الأطفال عادة ما يلعبون فقط في المرآب، إذ إنه من الخطر جداً أن يلعبوا وحدهم في هذه الشوارع المزدحمة“.

وقبل أسبوع من الموافقة على مقابلة أحد المراسلين، تم ترحيل خمسة من أقاربه – بمن فيهم طفلان صغيران – من قبل الحكومة الأردنية إلى سوريا. لذلك، طلب أبو جيلال عدم نشر اسمه الحقيقي أو وجهه.

 وقال لموقع “سوريا دايركت” ”لا أتحدث عن السياسة الأردنية، ولو كنا في سوريا، لكنت رفعت رأسي عالياً وأتحت لك الفرصة لتسأل عن ما تشاء“.

ولكن في الأردن، كما يقول، لديه عائلة لحمايتها. وقال ”أنا أعمل على توفير الدعم لزوجتي وأطفالي، وأنا أعطي المال لوالدي أيضاً، وإذا حدث شيء ما، فسوف ينتهي بهم المطاف بلا مأوى“.

ويحتفظ أبو جيلال بالصور من سوريا على هاتفه الذكي ليتذكر من أين أتى، وتحتوي بعض الصور على ذكريات للعائلة، مثل آخر صور لشقيقه قبل أن يقتل في غارة مدفعية في حي السيدة زينب بدمشق.

ومن بين الصور ألبوم زفافه، وصور لأطفاله، وللتجمعات العائلية، وكلها لقطات من الحياة قبل الحرب. ويظهر فيديو واحد التقطه أبو جيلال من الطابق العلوي من مبنى شقته جنوب دمشق في العام 2010، تساقط الثلوج بكثافة، ويظهر جبل قاسيون المغطى بالثلوج في الخلفية.

 وقال ”كان لدينا الكثير من المشاكل في ذلك الوقت، أيضاً، ولكن كان مكاناً جميلاً للعيش“.

 وأشار إلى صورة لشاحنة صغيرة، قال عنها بنبرة من الفخر في صوته ”كنت استخدم هذه الشاحنة في العمل، وأذهب بها في جميع أنحاء سوريا. ولكنها ذهبت الآن، مثل كل شيء آخر“.

وبالنسبة لـ ”أبو جيلال“، فإن الحياة كواحد من اللاجئين السوريين المسجلين في الأردن والبالغ عددهم 655 ألف لاجئ هي بمثابة صراع يومي، وعلى الرغم من الهروب من الحرب التي تركت الكثير من سوريا في مآس، فلم يجد أبو جيلال وعائلته الراحة في المنفى.

ويعمل أبو جيلال في عدة وظائف – بشكل غير قانوني، وبدون أوراق – في مدينة الزرقاء لدعم زوجته، واثنين من أبنائه وأبويه، وإذا ألقت الشرطة المحلية القبض عليه، فإن أبو جيلال قد يواجه الغرامات أو السجن أو حتى الترحيل.

ولم يمنح اللاجئون السوريون أي شكل من أشكال الجنسية أو الإقامة الدائمة في الأردن، وبدلا من ذلك، يمكنهم التقدم بطلب للحصول على أوراق عمل مؤقتة – وهي مهمة معقدة وبيروقراطية تسمح لهم بالعمل في مجالات محدودة مثل الزراعة والتصنيع.

ولا يستطيع اللاجئ السوري – حتى مع أوراق العمل – الدخول والخروج من البلاد بحرية، ولا الحصول على رخصة قيادة، أما بالنسبة للسوريين في سن الدراسة، فغالباً ما تكون الرسوم الدراسية الجامعية باهظة الثمن وبعيدة المنال.

ويقول السوريون في الأردن، إنهم يشعرون بالإحباط والغربة – حتى بين بعضهم البعض، وبعد ست سنوات من العنف في سوريا، لا يستطيعون العودة إلى ديارهم، ولا يمكنهم بناء جذور بسبب العيش كمنفيين في دولة أجنبية مما يقيد حركتهم وامتيازاتهم، وقد بدأت الروابط الاجتماعية التي جعلت مجتمعاتهم متماسكة بإحكام في الانهيار تحت الضغط.

وأضاف ”في ثلاث سنوات لم أتمكن من تكوين أي أصدقاء أردنيين، وإذا رأيت أحد الأقارب، فإنه عادة ما يكون عن طريق الصدفة. وهذا ما يجعل العيش هنا أكثر صعوبة“.

البقاء في عزلة

وفي العام الماضي، بدأ أبو جيلال العمل مع مشروع لمساعدة اللاجئين، تابع  لمنظمة غير حكومية مسجلة في الولايات المتحدة ومقرها الزرقاء، تقدم المساعدات للأسر السورية المحتاجة.

وقال مؤسس المنظمة روب سكوت ميهان ”إن أبو جيلال، الذي هو على دراية جيدة بالسياسة وسافر في أماكن كثيرة بسوريا، لا يقدر بثمن بالنسبة لقيادة المنظمة“.

وأضاف ميهان ”أنه رجل ذكي، ومتواضع جداً، ويعرف كيف يكون حلقة اتصال بين زملائه الأردنيين والسوريين كما لا يستطيع أحد منا“.

وميهان، وهو مواطن من ولاية كاليفورنيا، يحمل شهادة الماجستير في التنمية الدولية من جامعة بيت لحم في الضفة الغربية، وعمل مع السوريين في الأردن على مدى العامين الماضيين.

وقال ميهان لـسوريا دايركت ”السوريون هنا ليسوا اجتماعيين كما كانوا في سوريا، وهذا شيء ستسمعه من الأردنيين والسوريين أنفسهم“.

 وأضاف ”إنهم يحاولون تجنب المشاكل والابتعاد عن الرأي العام قدر الإمكان“.

مرحلة الترحيب انتهت

أدى تدفق نحو 1.4 مليون لاجئ سوري مسجل وغير مسجل في ست سنوات من الحرب إلى مزيد من الضغط على الاقتصاد الأردني. وقال رئيس الوزراء الأردني هاني الملقي للصحافيين في مؤتمر صحافي عقده في بروكسل في مطلع نيسان/أبريل، إن الأردن قد وصل إلى ”أقصى طاقته“ نتيجة للأزمة السورية.

ومع ارتفاع معدل البطالة بين الأردنيين بنسبة 15%، أي بزيادة قدرها 5% عن العام 2010، فإن سوق العمل مشبع. وفي العام 2014، كان ثلث الأردنيين يعيش تحت خط الفقر، أي ضعف معدل الفقر في العام 2010، وفقاً لما ذكره البنك الدولي.

ومعاناة الأردن الاقتصادية تعني بالنسبة للاجئين السوريين أن ”مرحلة الترحيب قد انتهت“.

وقال ميهان ”الجميع محبط، ولا يوجد حل مستدام في الأفق. وبالنسبة للاجئين السوريين، إن أكبر إحباط يواجهونه هو ”عدم القيام بأي شيء، فالأمر أصبح بالنسبة لهم سجناً مدى الحياة“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com