تحت ظل حكومة الوفاق.. كيف تقوم الجماعات المسلحة بنهب البنوك الليبية؟

تحت ظل حكومة الوفاق.. كيف تقوم الجماعات المسلحة بنهب البنوك الليبية؟

المصدر: حنين الوعري - إرم نيوز

تتبع الميليشيات المسلحة في ليبيا وسائل عدة لنهب البنوك والمصارف المحلية أثناء الصراع المسلح الدائر بين المسلحين المتمردين وقوات الجيش الليبي والقوات التابعة للحكومة معاً.

فبعد مرور 6 سنوات على سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 ، تقاسمت المليشيات المحلية النفوذ على الساحل الليبي وحولته لمناطق نفوذ تسلب فيها وتنهب ممتلكات وحقوق المواطنين في بيئة آمنة، لا سيما مع مرحلة انتقال السلطة غير المتساوية والمنحازة لأصحاب السلاح.

الميليشيات اللطيفة

وقال محاسب يعمل في بنك تجاري في طرابلس، طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً من الثأر إنه ”في عامي 2013 و2014 كان الأمر أشبه بالنبع المفتوح، وكان البنك المركزي يملك الكثير من الأموال من الأصول غير المجمدة وعائدات النفط وكان هناك الكثير من الفرص المتاحة للاستفادة من خزائن الدولة“، مشيراً إلى حالة من النهب الواسعة التي تعرض لها البنك المركزي الليبي.

فيما يشار إلى اختلاسات استهدفت برنامج مساعدة المرحلة الانتقالية، على نطاق واسع، حيث قام الكثير من المستفيدين بالتسجيل مع العديد من الألوية العسكرية لمضاعفة أجورهم، أو سفر المستفيدين للخارج بإجازات مدفوعة بحجة معالجة إصاباته السابقة في المعركة. ووفقاً للمحاسب: “ كانوا جميعاً  عندهم  أقارب أو معارف في مناصب رفيعة حافظت لهم على تدفق الأموال“.

وفي ظل ذلك، أصبحت المعاملات المالية والتجارية الاحتيالية ممارسة شائعة. ووجد الناس طرقاً متعددة لاستغلال الفجوة المتزايدة بين سعر الصرف الرسمي والسوق السوداء للدينار الليبي.

وفي أواخر عام 2013، أدت محاصرة ميناء النفط وانخفاض أسعار النفط الخام إلى خفض الإيرادات ونتيجة لذلك، انخفض الإنفاق العام بشكل كبير. وفجأة، كان على الكتائب البحث عن مصادر جديدة للتمويل.

وقال: ”عندما دخلت الميليشيات اللعبة المصرفية، كانت البيئة الفاسدة موجودة بالفعل وانسجموا تماماً معها، ومكنتهم معارفهم من الوصول للأموال وإذا رفض أحد موظفي بنك التعاون يمكن أن يوجهوا بندقية إلى رأسه“. بالإضافة إلى إدارة مؤسسات تجارية فاسدة، بدأت الجماعات المسلحة بالاستيلاء على مباني البنوك.

وأوضح: ”الآن، فإن جميع فروع البنك تقريباً والبالغ عددها 150 فرعا تقع تحت سيطرة الميليشيات، ربما يملك الحراس الرسميون مفاتيح أبواب البنوك لكنهم لا يملكون أي سلطة ”.

وتستخدم بعض الجماعات نفوذها فقط لمكاسب صغيرة وهي ما يطلق عليها اسم ”الميليشيات اللطيفة“ . إلا أن الآخرين ينتزعون المال من عملاء البنك الأثرياء والشركات، ويخطفون  للحصول على فدية كما يرتكبون السرقات.

ومنذ ذلك الحين، أدى العجز الكبير في الميزانية والفساد وعدم الاستقرار تدريجياً إلى وقوع خسائر. وشهدت الأزمة المالية الشديدة التي اندلعت في عام 2015 نفاد السيولة. وأوضح المحاسب: “ أضرت الميليشيات نفسها. ربما لا يزالون يستولون على ما بوسعهم، إلا أنه لم يتبق لهم سوى القليل لحصده ”.

الأسواق السوداء وكساد البنوك

ولا تزال الحياة في طرابلس مستمرة على الرغم من ارتفاع الجرائم والمناوشات ووجود دبابات في الشوارع في بعض الأحيان إلا أن غياب القانون والنظام والظروف المالية السيئة يضع عبئا ثقيلاً على السكان.

وقالت موظفة في أحد البنوك إنها بدأت تبحث عن مصدر آخر للدخل بعيداً عن عملها المتضرر، مضيفة أنه ”من الصعب استمرار الحياة براتب بدون زيادات منذ عام 2011 بينما الأسعار ترتفع بإطراد، مشيرة إلى أن ثمن علبة من الحفاظات كان يبلغ سبعة دنانير لكن أصبح ثمنها الآن 21 دينارًا، حيث تضاعفت أسعار بعض الخضار مثل الفلفل الحار عشرة مرات“.

وارتفع سعر صرف الدينار غير الرسمي من 1.3 دينار مقابل الدولار في عام 2014 إلى أكثر من سبعة دنانير مقابل الدولار، مما جعل استيراد السلع الاستهلاكية التي يعتمد عليها السوق الليبي مكلفاً.

وتحتفظ البنوك بسعر الصرف الرسمي الذي يبلغ 1.4 دينار مقابل الدولار الواحد، وهو أقل من أسعار صرف البورصات السوداء. لكن المؤسسات الرسمية لم تعد تملك ما يكفي من العملات الأجنبية للمستوردين والزبائن.

وقبل وقوع الأحداث، كان بمقدور كثير من الناس تحمل تكاليف العلاج الطبي والتعليم في الخارج. أما الآن، فإن الرغبة في دفع ثمن أي شيء في الخارج فتستخدم خدمات تجار السوق السوداء كخيار وحيد متاح في العادة، حيث إن البنوك لا تسمح للعملاء بنقل المال من خلال القنوات الرسمية وبسعر الصرف الرسمي، وهذا يرفع التكلفة بمقدار خمسة أضعاف وأكثر.

وفي سوق الذهب في طرابلس، وهو السوق الرئيسي للعملات، يتم دفع عربات النقود عبر الأزقة الضيقة على بعد أمتار من البنك المركزي.

وفي الوقت نفسه، ينتظر الناس لساعات سحب رواتبهم الأسبوعية التي قد تكون قليلة إلى حد 300 دينار من حساباتهم الشخصية أو يعودوا إلى ديارهم ”خاليي الوفاض“ عندما تنفذ الأوراق النقدية من البنوك.

ومن غير المستغرب أن البنوك غالبًا ما تكون مسرحاً للاشتباكات المميتة. ففي الأسبوع الأول من آذار / مارس، قتل رجال الأمن الذين يحرسون مصرف الأمان في شارع ”قرجي رجلا“ في نزاع وقع في الطابور. حيث هاجم السكان الغاضبون القوة الأمنية وحرقوا البنك بعد أن ضربوا بقواذف الصواريخ من نوع آر بي جي.

وفي 28 آذار/ مارس، هاجم مسلحون فرع البنك التجاري الوطني القريب من سوق ”تلات“، مما أسفر عن مقتل شرطي واحد وإصابة ثلاثة آخرين واختطاف ثلاثة. وقال موظف البنك الذي رفض الكشف عن هويته: ”هذه الحوادث تتضاعف على وجه التحديد لأن الميليشيات تفتقر إلى المال“.

من يحتضن المليشيات؟

نقلت الاحتجاجات الأخيرة الإحباط الواسع إزاء التقدم القليل الذي حققته حكومة الوفاق الوطني التي تدعمها الأمم المتحدة منذ وصولها إلى طرابلس قبل عام.

حيث ورثت حكومة الوفاق الوطني خليطاً من الكتائب شبه الرسمية والوكالات الأمنية التي غالباً ما تكون متداخلة وتتضارب مسؤولياتها وجداول أعمالها. وتماماً مثل سابقاتها، اختارت العمل مع من كان أقوى من أن يتم تجاهله ويرغب في تحمل القيادة الجديدة.

وعلى الرغم من الاضطرابات إلا أن معظم هذه الكتائب لا تزال تملك شعبية. بينما تحولت أقوى قوات الأمن في طرابلس إلى ثوار أو جماعات دفاع في الأحياء، ولا يزالون مرتبطين بدوائرهم  الأساسية وهم يقدمون خدمات عامة ويوفرون الأمن، وغالبا ما يساعدها المتطوعون المحليون.

وفي حين تقدم المليشيات مجموعة من الخدمات للمواطنين والتسهيلات لحياتهم مقابل توليهم السيطرة على كافة أوجه حياتهم، تسود شعبية المليشيات بين المستضعفين من السكان المدنيين.

تهم مثبتة وعسكر ”تجار“

ومن جانب آخر يرأس متهم باختطاف البنوك في عام 2013 ويسيطر الآن على 90% من الأعمال ويدعى هيثم التاجوري لواء ثوار طرابلس إضافةً للفرقة الأولى لقوات الأمن المركزية. ويشير تقرير أعده فريق الخبراء المعين من قبل الأمم المتحدة في ليبيا العام الماضي إلى أنه هو وشركاؤه التجار مُنحوا نحو 20 مليون دولار على شكل ضمانات مصرفية مزورة للواردات خلال عام 2015، مما أدى إلى تأسيس العديد من ”منظمات الواجهة“ وتهديد موظفي البنك المركزي.

ووفقاً لمصادر متنوعة مطلّعة على الوضع المالي الليبي، ويعد هذا مجرد جزء بسيط من المال الذي استولى عليه التاجوري، الذي ضاعف ثروته أكثر منذ ذلك الحين.

وعلى الرغم من سمعة تاجوري المشهورة، إلا أن حكومة الوفاق الوطني تعتبره من ضمن حلفائها وجعلت فرقته الأولى تطرد ”حكومة الإنقاذ“ من مقرها في طرابلس مؤخراً.

وتجلى الاستياء الكامن ضد المليشيات ”السارقة“ للأموال العامة في الاشتباكات الأخيرة التي دارت في أحياء طرابلس الغربية، حيث كانت التوترات تتصاعد منذ أسابيع، بينما طالب السكان بخروج الكتائب من مصراتة وجبال نفوسة من العاصمة والابتعاد عن أموالهم.

فيما كانت عملية إطلاق النار في بنك الأمان الذي يضم لواء مصراتة، القشة الأخيرة التي دفعت بالمواطنين إلى النزول للشوارع والاحتجاج على المليشيات الناهبة والمطالبة بقوات وطنية لحفظ الأمن.

أما بالنسبة للتاجوري، بدت هذه كفرصة لإضافة بنك آخر إلى ”محفظته الاستثمارية“ ففي 13 آذار/ مارس، استولت فرقته الأولى على فرع البنك التجاري الوطني في حي الأندلس من سيطرة لواء مصراتي آخر. وتسعى لتوسعة نفوذها مع طرد المواطنين لمليشيات منافسة أقل قوة.

وتسعى قوات المليشيات المختلفة للعب أدوار كر وفر مع المواطنين في المدن للسيطرة على أكبر قدر من المصارف والعمل على الحفاظ على مكتسباتهم بعد ”الربيع المالي“ الذي ضاعف ثرواتهم على حساب حقوق المدنيين.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com