ما الذي دفع البشير لاتهام القاهرة بتسليح حكومة جوبا؟

ما الذي دفع البشير لاتهام القاهرة بتسليح حكومة جوبا؟
Sudanese President Omar al-Bashir addresses the parliament about national dialogue talks, on October 19, 2015 in Khartoum. AFP PHOTO/ ASHRAF SHAZLY (Photo credit should read ASHRAF SHAZLY/AFP/Getty Images)

المصدر: الخرطوم – إرم نيوز

درجت الخرطوم على التعامل مع المجتمع الدولي بوصفها القوة الإقليمية الأكثر نفوذًا في جارتها، جنوب السودان، ومن هذه الزاوية -بحسب مراقبين- يمكن فهم دوافع الرئيس عمر البشير لاتهام القاهرة بدعم حكومة جوبا بالأسلحة والذخائر في حربها ضد مسلحين متمردين.

وإن كانت كل من أوغندا وإثيوبيا وكينيا تحتفظ بنفوذ ما، في جارتهم الوليدة، إلا أن الخرطوم تحتفظ -لعوامل تاريخية وجيوسياسية- بفاعلية أكثر في الدولة التي انفصلت عنها قبل  سنوات.

ورغم أن الحرب الأهلية التي اندلعت في جنوب السودان أواخر 2013 جعلت من هذا البلد مسرحًا للتنافس الإقليمي، إلا أن القاهرة بقيت بعيدة نسبيًا عن الملف رغم ارتباطه بأمنها المائي.

ومؤخرًا ظهرت مؤشرات على انخراط مصري أكبر في الشأن الجنوب سوداني، لا سيما بعد زيارة الرئيس سلفاكير ميارديت للقاهرة الشهر الماضي للقاء نظيره عبد الفتاح السيسي.

ووقتها رأى مراقبون أن القاهرة تريد بناء تحالف مع جوبا كترياق لما تراه تحالفًا بين السودان وإثيوبيا حيث تؤيد الخرطوم سد النهضة الذي تشيده أديس أبابا على مجرى النيل الأزرق، بينما تعارضه مصر خشية أن يؤثر على حصتها من مياه النيل.

ومما عزز هذه الفرضية أن جوبا -كما القاهرة- تشهد علاقاتها مع الخرطوم وأديس أبابا توترًا نسبيًا، مصدره اتهامها لهما بدعم زعيم التمرد ريك مشار.

وكانت زيارة سلفاكير للقاهرة قد سبقتها في ديسمبر/ كانون الأول الماضي زيارة من السيسي إلى أوغندا وهي أوثق الحلفاء الإقليميين لحكومة سلفاكير في حربها ضد مشار.

وفي أول صدى لزيارة السيسي اتهمت حركة مشار في الرابع من الشهر الحالي سلاح الجو المصري بقصف مناطق تابعة لها في جنوب السودان.

ورأت الحركة أن مشاركة مصر في الصراع الدائر في جنوب السودان ”مؤشر واضح على أن نظام جوبا يستفز المنطقة ويدفع البلاد إلى حرب إقليمية“.

ورغم نفي جوبا والقاهرة على الفور لاتهامات حركة التمرد، إلا أنها عادت إلى الساحة مجددًا، عندما قال الرئيس البشير قبل يومين لصحف محلية إن مصر تدعم حكومة جوبا بالأسلحة والذخائر.

و استبعد البشير خلافًا لاتهامات حركة مشار، مشاركة قوات مصرية بشكل مباشر قائلاً إن ”المعلومات التي لدينا أنهم في مصر يدعمون حكومة الجنوب بالسلاح والذخائر ولا أتوقع أن يقاتلوا في الجنوب“.

وبالنسبة إلى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم حاج حمد، فإن دافع البشير لمثل هذا التصريح هو ”التنافس الإقليمي والتأكيد على أن حكومته بمثابة حارس البوابة إلى جنوب السودان“.

يقول حمد، إن ”مصر لديها مصالح في جنوب السودان تتعلق بأمنها المائي ولا تريد التعرض لخسائر في مجرى النيل الأبيض، مثلما حدث مع إثيوبيا منبع النيل الأزرق الذي تشيد على مجراه سد النهضة”.

ويقترن النيلان الأزرق والأبيض في الخرطوم، ليشكلا نهر النيل، أحد أطول أنهار العالم والذي يصب في البحر المتوسط بعد عبوره مصر التي تستأثر بـ 55.5 مليار متر مكعب من مياهه مقابل 18.5 مليار للسودان، وتعادل حصة البلدين نحو 87% من موارد النهر السنوية.

وحتى وقت قريب كانت الخرطوم تدعم القاهرة في معارضة أي مشروع في أي من دول حوض النيل من شأنه التأثير على حصتهما الواردة في اتفاق يعود للعام 1929 وتمت مراجعته في 1959، غير أن هذا التحالف تعرض لانتكاسة عندما أعلنت الخرطوم في 2013 دعمها بشكل واضح لإثيوبيا في تشييد سد النهضة.

ولا يزال البلدان تقريبًا متفقين في معارضتهما لاتفاق عنتيبي الذي وقعته عدد من دول حوض النيل في 2010، لإعادة اقتسام المياه بشكل ”عادل“ بحجة أن اتفاقية 1959 المعدلة أبرمت عندما كانت هذه الدول مستعمرة.

ووفقًا لأستاذ العلوم السياسية حاج حمد ، فإن الخرطوم ”لا تريد تدخلاً مصريًا في جنوب السودان بمعزل عنها“ مرجحًا ”ألا تعمد القاهرة إلى التصعيد لأنها تحتاج لتعامل مرن مع الخرطوم يحفظ أمنها المائي“.

ومن زاوية أخرى قال الكاتب والمحلل السياسي أنور سليمان، أن البشير ”يريد من خلال هذا التصريح إحراج مصر وتحجيم علاقاتها مع جوبا، لكن لا أعتقد أن ذلك سيحدث“.

وأضاف سليمان: ”مصر أخلاقيًا ستكون محرجة من تغذية صراع خلف آلاف الضحايا لكن قانونيًا ليس هناك ما يمنعها من إرسال أسلحة إلى جنوب السودان“.

وأشار إلى إخفاق مجلس الأمن الدولي في ديسمبر/ كانون الأول الماضي في تمرير مشروع قرار رعته واشنطن يقضي بحظر واردات الأسلحة إلى جنوب السودان.

وكانت مصر من بين 8 دول بينها الصين وروسيا امتنعت عن التصويت على مشروع القرار الذي حظي فقط بموافقة 7 من جملة أعضائه الـ 15.

ولإجازة أي قرار في المجلس يتطلب الأمر موافقة 9 أعضاء على الأقل دون استخدام أي من الدول دائمة العضوية حق النقض (الفيتو).

ورأى سليمان أن ”مصر إذا كانت فعلاً قد انخرطت في هذا الصراع فالمؤكد أنها راجعت حساباتها جيدًا وتحسبت مسبقًا لمثل هذه التداعيات، لذا لا أعتقد أنها ستكترث لموقف الخرطوم“.

ويعتقد سليمان أن اتهام عمر البشير الذي لم تعلّق عليه القاهرة حتى اليوم، سيفضي إلى ”تعقيد“ علاقته مع السيسي ”لكن هذا ليس سوى إضافة مشكلة إلى مشاكل كثيرة ومعقّدة بين البلدين“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة