صفقة ترامب-نتنياهو.. استحالة الدولة الواحدة أو دولة فتح والبحث عن خيار ثالث (الحلقة 2)

صفقة ترامب-نتنياهو.. استحالة الدولة الواحدة أو دولة فتح والبحث عن خيار ثالث (الحلقة 2)

المصدر: واشنطن - إرم ينوز

ما لم تكن هناك أشياء أخرى لم يجر الإفصاح عنها في المؤتمر الصحفي المبتسر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الأربعاء الماضي، فإنه يمكن القول إن الأخير عاد الى تل أبيب بصفقة تتضمن ثلاث نقاط رئيسة: إعطاء إسرائيل -لأول مرة- صلاحية أن تقرر وتنفذ ما تريده لمستقبلها في القضية الجوهرية، حيث تم اعتبار المسألة الفلسطينية موضوعًا إسرائيليًا داخليًا، عليها أن تحلّه بأيّ من خيارات الدولتين أو الدولة الواحدة لكن بشرط أن يكون الحل حقيقيًا ونهائيًا ومرضيًا للطرف الفلسطيني.

النقطة الثانية التي عاد بها نتنياهو هي أن حل القضية الفلسطينية يتم التوافق عليه مع الدول العربية وليس فقط الطرف الفلسطيني.

أما الإطار الأعرض للصفقة فهو نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط تعمل فيه إسرائيل مع الدول العربية ذات المذهب السُّني لمواجهة ايران  التي اعتبرها ترامب دولة ”إرهابية“ من الدرجة الأولى.

حلٌّ من خارج الصندوق

خلو المبادئ الثلاثة لصفقة نتنياهو/ترامب  من أي تفاصيل  تنفيذية، سيجعل الفترة القادمة نهبًا لمختلف أنواع التحليلات والتكهنات بشأن  السيناريوهات  التي يراد للإسرائيليين من جهة أن يتفقوا عليها فيما بينهم، وكذلك الأمر مع الفلسطينيين  فيما بين  حركتي فتح وحماس.

هي صيغة أو صفقة يعرف كل من يعنيه الأمر، أنها تكاد تكون مستحيلة التنفيذ  إذا ما  جرى الالتزام  بالنسق التفاوضي التقليدي، ودون أن يكون لدى  نتنياهو تصور مسبق  لحل غير عادي،  من خارج الصندوق، فإنه قطعًا ما كان ليشعر بمثل الزهو الذي عاد به.

نظرية ”العاصفة المُحكمة والفوضى الإقليمية“

أيّ رياضة  ذهنية في استقراء  الحل النهائي الناجز والسريع،  كما أراده ترامب ورحب به نتنياهو،  تستدعي  بعض التأصيل  في فهم خلفيات ”الصفقة“، وهو ما فعلته جلسة العصف الذهني التي انعقدت  في واشنطن مساء الجمعة الماضية، بمشاركة دبلوماسيين عرب و صحفيين  وباحثين متخصصين، وننقل بعضًا من حيثياتها.

اتفق معظم الحضور على  معلومة شائعة تقول إن  السردية  الأساس في ”الصفقة“  كما جرى عرضها خلال المؤتمر الصحفي  المشترك، تبدو مستمدة من نظرية  كان طرحها  المستشار السابق لحكومة نتنياهو، الميجر جنرال يعقوب عميدرور، كنظرية استراتيجية متكاملة تحت عنوان“ العاصفة المُحكمة : مضامين فوضى الشرق الأوسط“ ، ونشرها معهد ”بيغن – السادات للدراسات“ العام 2015.

وفي تحليله لمعطيات الفوضى في المنطقة ينتهي عميدرور إلى أن الولايات المتحدة وأوروبا لا تستطيع أن تفعل شيئاً حقيقياً لإسرائيل وهي تواجه ”العاصفة المحكمة“ التي لا تترك مجالاً لإسرائيل إلا أن تأخذ أمورها بيدها و“تذهب منفردة“ دونما انتظار شيء حقيقي من الإدارات الأمريكية.

وهي النظرية التي  يبدو أن ترامب اشتراها  فخوّل نتنياهو أن  يقوم بالذي فشل فيه أو عجز عنه  جون كيري  وزير خارجية باراك أوباما، وكل الذين سبقوه  من وزراء خارجية  ومبعوثين رئاسيين للشرق الأوسط، طوال ربع قرن.

.الخياران المستحيلان

كلمة السرّ التي لم تظهر في المؤتمر الصحفي المشترك، ولا في الذي أعقبه من تصريحات أو تحليلات، هي  ما يمكن وصفه بالخيار الثالث الذي سينفذه نتنياهو، كونه  يعرف تماماً أن حل الدولة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية كان غير عملي قبل زيارته لواشنطن لكل الأسباب التي يعرفها الجميع، ثم أضحى الآن  مستحيلاً بعد أن أخذت إسرائيل إشارة خضراء بالاستيطان الذي لن يبقى للفلسطينيين في الضفة الغربية سوى 30% من الأرض ، عليها كانتونات مبعثرة، يجمعها فقط أنها غاضبة، ومدججة بالسلاح وتنتظرإشارة  الانفجار بعد غياب أو خروج الرئيس محمود عباس من مبنى المقاطعة في رام الله.

قبل أن يغادر نتنياهو إلى واشنطن ، كان شريكه الرئيس الأقوى  في الائتلاف الحكومي، وزير التعليم نافتالي بينيت، يكرر تذكيره بنقطتين: أن حل الدولة الواحدة  الذي يُعطي للفلسطينيين حق المواطنة في الدولة اليهودية، مستحيل سياسيًا  وانتحار ديمغرافي.  فإسرائيل لا يمكن أن تكون  دولة لليهود  ودولة ديمقراطية في أن واحد، ونتنياهو نفسه لا يحتاج للتذكير بهذا الأمر، ولذلك عندما ورد على لسان ترامب في المؤتمر الصحفي المشترك تعبير خيار الدولة الواحدة تبسّم نتنياهو بحركة  سخرية لفتت الكاميرا والصحفيين.

وكما أن خيار الدولة  مستحيل التنفيذ مع حكومة نتنياهو، كذلك هو خيار الدولة الفلسطينية في الضفة على حدود 1967.

فقبيل سفر نتنياهو لواشنطن طرح الوزير بينيت، رئيس حزب ”البيت اليهودي“  الذي يملك ثمانية مقاعد في الكنيست، معادلة تقسيم وتقاسم جديدة  للضفة الغربية، تضم فيها إسرائيل مناطق ”ج“ التي تمثل 60% من الضفة، قائلاً في مقابلة مع ”جيروزاليم بوست“ إن ما سيتبقى للفلسطينيين يكفيهم لرفع العلم وإلقاء النشيد الوطني وعقد حكومتهم وإجراء الانتخابات.

ولشدة الصلف في طروحات بينيت للتوسع الاستيطاني، فإن الشريك  المتطرف الثالث الرئيس في حكومة الائتلاف، وزير الدفاع افيغدور ليبرمان، لم يستطع ابتلاع طروحات ضم مناطق ”ج“، وكان في ذلك يبدو معتدلاً بدرجة مستهجنة .

والخلاصة أن نتنياهو ذهب الى واشنطن وهو يعرف -مسبقاً- أن خيار الدولة الواحدة غير وارد، وأن خيار  الدولتين، المتضمن دولة فلسطينية في الضفة الغربية على قاعدة 242، هو خيار لا يستطيع بيعه لشركائه في الائتلاف الحكومي، فضلاً عن أن دولة فلسطينية على 30% من أرضها  هو خيار انتحاري للسلطة الوطنية ولا يمكن  للعرب أو أوروبا أن يقبلوا به.

ماذا بقي إذن لنتنياهو أن يفعله في التفويض الذي حصل عليه من ترامب بأن ينجز حلاً حقيقياً نهائياً للقضية الفلسطينية، وما الذي كان مدير الاستخبارات الأمريكية يفعله في رام الله وهو يلتقي الرئيس محمود عباس قبل ساعات من لقاء ترامب نتنياهو.

(الحلقة1):   قراءة عربية لصفقة ترامب ونتنياهو .. نظام إقليمي جديد

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com