ترامب وثمن المراجعة مع إيران

ترامب وثمن المراجعة مع إيران

المصدر: تاج الدين عبدالحق

تضع السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، العرب أمام خيار صعب. فهي من جانب تبشر بإصلاح ما أفسده الرئيس السابق باراك أوباما، سواء على صعيد الاتفاق النووي مع إيران، أو على صعيد الموقف من الأزمة السورية، وهي من جانب آخر تنذر بتغير غير مسبوق على صعيد القضية الفلسطينية، هذا ناهيك عن السياسات التمييزية والتحريضية التي أخذ الرئيس الجديد بتطبيقها أو تفعيلها.

وبين هذه وتلك، تجد السياسة العربية نفسها، في حالة جمود، أو ارتباك وتردد. تترقب حينًا المدى الذي ستأخذه الإدارة الأمريكية الجديدة في تغيير قواعد التعامل مع إيران، فيما تنتظر حينًا آخر لمعرفة مدى جدية الرئيس ترامب في ترجمة وعوده الانتخابية، بشأن نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة، وجديته في مواجهة التمادي الإسرائيلي، الذي يقوض كل فرص التسوية، ويأتي على البقية الباقية من أمل حل الدولتين.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية في تعاطيها مع قضايا المنطقة، تلعب على وتر هواجس دولها، التي باتت مختلفة في أولوياتها، وموزعة في مصالحها بين التهديد الإيراني الماثل، والصلف الإسرائيلي المزمن.

الجزرة التي يقدّمها ترامب لبعض الدول العربية، بشأن العلاقة مع إيران، تقابلها عصا غليظة يشهرها في وجه دول عربية وإسلامية  أخرى، سواء من خلال إجراءات تمييزية تطيح بمصداقية واشنطن ودورها في محاربة الإرهاب، أو من خلال التغيير في السياسة الأمريكية تجاه القدس المحتلة وسياسة الاستيطان، والتي تسمح لإسرائيل بالتمادي في سياستها التي تقوض كلّ فرص التسوية، و تعطيها إمكانية التحلل، من أي التزام تجاه من يسهم في الوصول لحل الدولتين المتعثر، أو حتى الإبقاء على جذوة الأمل بالعملية السياسية برمتها بما في ذلك الالتزام بما وقعت عليه تل أبيب من اتفاقات سابقة مع الجانب الفلسطيني .

الإشارات الصادرة عن البيت الأبيض، لا تزال غير كافية لصياغة مواقف عربية واضحة تجاه إدارة الرئيس ترامب، لا بسبب طبيعة القرارات الصدامية والمتسرعة فقط  للإدارة الجديدة، بل لأن الموقف العربي نفسه غير قادرٍ على تقديم رؤية عربية منسجمة تكون أساسًا في التعامل مع السياسة الأمريكية، والتأثير عليها إن على مستوى العلاقة مع إيران، أو على مستوى التعامل مع الشأن الفلسطيني.

السياسة الأمريكية المحتملة تجاه إيران، مهما كانت جدية لن تكون كافية، لإرجاع عجلة الاتفاق النووي إلى الوراء، ولا يبدو أنها ستصل إلى حد لجم الطموحات الإيرانية في المنطقة، خاصة بعد المدى الذي وصله تمدد طهران في المنطقة بدءًا من العراق ومرورًا بسوريا ولبنان وامتدادًا للبحرين واليمن .

وحتى لو أن التغيير في السياسة الأمريكية تجاه إيران هو تغيير حقيقي وفعلي، فإن إدارة ترامب ستطالب بثمن له، و ستعتبره نوعًا من براءة الذمة، في مواجهة أي انتقادات محتملة للتساهل الأمريكي أمام تغول الاستيطان الإسرائيلي ، وهذا ما ظهرت نذره في أول اختبار، عندما امتنعت عن انتقاد خطط الاستيطان الجديدة، في الضفة الغربية، وأشارت بشكل خجول و لين، إلى أن تلك الخطط “ قد “ لا تساعد عملية السلام ، أو عندما امتنعت عن التعليق على القانون الجديد الذي يستبيح أراضي الفلسطينيين، ويجعلها لقمة سهلة في سياسة المصادرة التي تنتهجها الدولة العبرية منذ احتلالها للضفة الغربية .

الرئيس ترامب الذي يعول عليه الكثيرون لتغيير السياسة المترددة التي انتهجها الرئيس السابق باراك أوباما، من الصعب ترويضه، وسياسته الجامحة في كل اتجاه تربك حلفاءه وأصدقاءه في المنطقة وخارجها، أكثر مما تربك أعداءه ، وهي في كل الأحوال قد لا تكون قادرة على تغيير التوازنات العسكرية الميدانية على الأرض أو تبديل المواقف السياسية تجاه طهران .

فإيران التي تتهددها عقوبات جديدة قد تكون قادرة على امتصاص الصدمة، خاصة وأن حلفاء واشنطن الأوروبيين لا يشاطرون ترامب العقوبات المنتظرة، هذا فضلا عن أن مثل هذه العقوبات تحتاج إلى مباركة دولية قد لا تكون متاحة لواشنطن، كما كان الحال في الماضي عندما كانت طهران تحت ضغط المجتمع الدولي الرافض لبرنامجها النووي وسياساتها التوسعية .

ومع ذلك فإن مساحة المناورة المتاحة أمام إيران، في مواجهة التغيير الجديد في توجهات السياسة الأمريكية، تبدو أكبر من مساحة الحركة التي تتوفر للدول العربية، فإيران تعلم أنها تواجه عصا غليظة ،  وقد استعدت لهذا الاحتمال، وهي تحشد قدراتها السياسية والعسكرية لمواجهتها ، في حين أن الدول العربية التي تتهددها عصا مماثلة، تنصرف عن مواجهتها بمراقبة الجزرة التي تلوّح بها واشنطن في اليد الأخرى .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com