إقليم بونتلاند الصومالي.. تأخر المطر فنفقت الماشية وبات الإنسان في خطر‎ (صور)

إقليم بونتلاند الصومالي.. تأخر المطر فنفقت الماشية وبات الإنسان في خطر‎ (صور)

المصدر:  مقديشو – إرم نيوز

على مد البصر، تنتشر جيف وهياكل المواشي التي نفقت بسبب انعدام الكلأ والمياه؛ جراء تأخر هطول الأمطار الموسمية لثلاث سنوات متتالية، في مناطق شمال شرق الصومال بإقليم بونتلاند، مما يهدد سكان الإقليم بكارثة إنسانية بعد أن فقدوا 60 بالمئة من مواشيهم، التي تعد المصدر الرئيس لمعيشتهم.

ويشهد إقليم بونتلاند أزمة جفاف حادة، حوّلت المراعي إلى أراض شبه صحراوية؛ لا يمكن مواجهتها ما لم تتدخل الهيئات الإنسانية لتقديم مساعدات عاجلة لتخفيف معاناة أهالي تلك الأقاليم.

أبشرة محمد، أم لسبعة أولاد، تنتقل من وادٍ إلى آخر بحثاً عن مراعٍ لماشيتها، السفر والترحال بغيتها الوحيدة للنجاة من أنياب الجفاف الذي يفتك بالمواشي، فقبل أيام قليلة وصلت بشق الأنفس إلى قرية طغر ليباح في إقليم نغال.

تقول أبشرة للأناضول: ”نعيش حياة في غاية الصعوبة، فقدنا كل ما نملك بسبب الجفاف والمجاعة، وباتت حياتنا في خطر محدق، ولا مفر من ويلات الجفاف“.

وأضافت أبشرة : ”الجفاف يسقط المواشي أمام أعيننا واحدا تلو الآخر، ولم نعد قادرين على إنقاذها“، مشيرة إلى أنها ”خسرت 200 من الماعز، وبقي لها ما لا يتجاوزعدد أصابع اليد الواحدة“، وذلك في وضع ما زال الخطر يحصد مزيدا من ماشيتها ليلة بعد أخرى.

وبحسب معنيين، فإن القرويين في هذه المناطق النائية يعتمدون على الرّعي، وبعد جفاف تلك المواقع نزح نحو مليوني شخص نحو القرى القريبة من المدن الكبيرة بحثاً عن من يسعفهم، ومن أجل الاستفادة من صهاريج المياه التي توزع المياه على القرويين الذين أقيمت لهم خيمٌ مؤقتة بالقرب من المدن الكبيرة.

وهي تكدّ لتوقد النار لإعداد الشاي بعد رحلة طويلة وقاسية، تروي فاطمة معلم قائلة: ”هربنا من منازلنا خوفا على حياتنا بعد أن نفقت نصف الماشية التي كانت  تقارب 400 رأس غنم بسبب الجفاف“.

وتمضي فاطمة قائلة وعلامات الأسى لا تفارق محياها: ”الجفاف كاد أن يفتك بأولادي، لهذا لجأنا إلى هذه القرية التي يتوافر فيها قليل من المياه“، مطالبة الهيئات الإنسانية ”بتقديم مساعدات عاجلة لتخيف معاناتهم ولو بشق تمرة“.

الجفاف يهدد حياة مليوني شخص

الجفاف ضرب أجزاء كثيرة من البلاد، لكن الأقاليم في شمال شرق الصومال هي الأكثر تضررا من كارثة الجفاف الذي يهدد حياة مليوني شخص، بينما نفقت نحو 60% من الماشية في معظم ولايات إقليم بونتلاند، الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي.

ولا توجد أرقام محددة بشأن عدد رؤوس الماشية في بوتلاند، لكن المؤكد أنها تقدر بالملايين، فالصومال يحوي  40 مليون رأس من الأغنام والماعز والجواميس والإبل، تمثل 20 % من أعداد الإبل في العالم، وتم تصدير 5 ملايين رأس في 2014، بحسب منظمة التغذية العالمية (فاو)، وفرت نحو 360 مليون دولار، أي ما يعادل 80 % من حجم الصادرات، و40 % من الناتج الداخلي الخام، حيث ينشط 55 % من سكان الأرياف في قطاع الرعي.

محمود عيسى، واحد من آلاف القرويين الذين يواجهون مأساة الجفاف، يتشبث بعصاه التي كان يرعى بها الغنم داخل كوخ آيل للسقوط، قال:“هربت بنفسي وتركت خلفي الماشية تسقط تباعاً، لا أستطيع البقاء في هذا الكوخ، فأنا شيخ طاعن في السن، الأقدار بيد الله وحياتنا كذلك، والجفاف يفقدنا مصادر حياتنا“.

وأضاف الشيخ محمود البالغ من العمر 77 عاما: ”حتى الحيوانات هربت من ويلات الجفاف“، في الوقت الذي تمنى فيه أن ”تهطل رحمة الله عليهم لأنها السبيل الوحيد لإنقاذ حياتهم وما تبقى من ماشيتهم التي باتت تحت رحمة الجفاف والقحط“.

واحتماء بلهيب الشمس، نصبت الأسر الهاربة من ويلات الجفاف، أكواخا مترامية هنا وهناك في قرية أوس غري بنغال، وأينما وليت وجهك تقابلك عيون تخفي وراءها ما لا يطاق من المآسي، لكن ألسنة هؤلاء البائسين تردد أن الجفاف سينتهي لا محالة وإن طال الزمن.

مريمة حاج، عجوز سبعينية تحمل همّ ستة من الأولاد، كانت تملك عددا من الماشية قبل أن يهلك الجفاف معظمها، فباتت لا تستطيع سد رمق الأبناء.

تقول مريمة، وهي تقف على مدخل حظيرة كانت في يوم من الأيام ممتلئة بالماشية:“الحمد لله على كل الحال“، تكررت هذه العبارة أكثر من مرة وكأن لسانها لم يرق ليحدثنا عن المأساة التي خلفها الجفاف، واكتفت بالقول: ”من يمدنا بيد العون والمساعدة؟ نحن في أمس الحاجة إلى إغاثة عاجلة“.

وتابعت مريمة: ”جيفة ماشيتي منتشرة هناك، فقدنا جميع رؤوس أغنامنا، إلا القليل منها“.

هلاك 60% من الماشية

ووفق رئيس لجنة إغاثة المتضررين من الجفاف في بونتلاند شيخ فؤاد، فإن ”الجفاف يهدد حياة مليوني شخص، بعد أن هلك 60 % من الماشية التي كانت تشكل مصدر رزق لهم نتيجة انعدام المطر“.

وقال فؤاد للأناضول: ”الوضع يزداد سوءا ونخشى أن يتحول إلى كارثة إنسانية لا تحمد عقباها“، مناشداً العالم بأسره خاصة الدول الإسلامية والعربية أن يمدوا يد العون للمتضررين جراء الجفاف، ”فالوضع يكاد أن يخرج من تحت السيطرة، لأن الأزمة امتدت نحو ثلاث سنوات نتيجة تأخر هطول الأمطار الموسمية“.

تختلف الأماكن التي قدم الناس منها بحثا عن الكلأ والمياه، وكل أسرة لها معاناتها الخاصة، لكن البقاء على قيد الحياة هدف يهون في سبيله كل شيء رغم هذا الوضع المتأزم، جميعهم يفتقرون لأبسط مقومات الحياة، يعيشون في أكواخ لا تقي من الحر نهارا، ولا من البرد القاسي ليلا.

كارثة إنسانية

وحذّر إقليم بونتلاند، على لسان رئيسه عبدالولي محمد غاس، من كارثة إنسانية تفتك بالبشر ما لم تتدخل الهيئات الإنسانية للحد من تبعات الجفاف.

في وقت سابق، دعا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، شعب بلاده والهيئات الإنسانية الدولية إلى تكثيف الجهود وتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة الذين تضرروا نتيجة الجفاف.

وأكدت هيئة الأرصاد الجوية مؤخرا، أن أقرب موسم لهطول الأمطار في البلاد، سيكون في نيسان/إبريل المقبل، أي بعد أكثر من أربعة أشهر، مما أثار مخاوف من تحول الوضع إلى كارثة إنسانية.

وبحسب خبراء في البيئة، فإن مشكلة قطع الجائر للأشجار وحرق الغابات من أجل إنتاج الفحم وتصديره إلى الخارج، عوامل أدت إلى تكرار الجفاف في البلاد، حيث تحولت مساحات شاسعة من الغابات إلى مناطق شبه صحراوية.

فالجفاف والمجاعة مشهدان لا يغيبان عن البلاد إلا ويأتيان مرة في كل عام على الأقل، ليحولا حياة سكان القرويين التي تعتمد على الرعي إلى حياة يلازمها التشرد والسعي وراء الكلأ والعشب.

يذكر أن زعماء إقليم بونتلاند، أعلنوا في 1998 استقلال الإقليم عن الصومال بشكل مؤقت (تمتعه بحكم ذاتي)، إلى غاية عودة الأمن للبلد الذي يعاني من حرب أهلية منذ 1991، ولكن السلطات الصومالية ترفض ذلك. ولا يتجاوز عدد سكان بونتلاند 4 ملايين نسمة، فيما يبلغ عدد سكان البلاد إجمالا نحو 11 مليون نسمة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com