كالمستجير من الرمضاء بالنار.. لاجئون سوريون نادمون على هروبهم إلى غزة

كالمستجير من الرمضاء بالنار.. لاجئون سوريون نادمون على هروبهم إلى غزة

توجه السوري “وريف حميدو” إلى مدينة غزة، هربًا من الحرب الدائرة في بلده، مثله مثل الملايين من مواطنيه، لكنه يشعر الآن بالندم على اتخاذ قراره بالفرار إلى غزة.

عائلة “حميدو” من ضمن 12 عائلة سورية وجدت ملجأ لها في غزة بعد اندلاع الحرب السورية عام 2011، لكنها محاصرة الآن في قطاع فلسطيني مزقته الحرب أيضًا ويفتقر إلى الخدمات الاجتماعية، ولا يستطيع المرء السفر إلى الخارج.

ويقول حميدو، وهو طاهٍ من مدينة حلب ويتحدث بشكل غير رسمي بأسماء العائلات السورية الموجودة في غزة: “نحن نحاول الخروج من غزة إلى أي بلد أوروبي حيث يمكن أن يحظى اللاجئ السوري بالعناية، فقد كانت غزة محطة للسوريين الذين أجبرتهم الظروف للمجيء إليها”.

وهناك حوالي 250 عائلة من اللاجئين الفلسطينيين جاءوا من المخيمات الفلسطينية في سوريا ووجدوا طريقهم إلى قطاع غزة في أول سنتين من الحرب الأهلية السورية. وكلاجئين فلسطينيين فهم مؤهلون للحصول على الرعاية الصحية والتعليم والمواد الغذائية التي توفرها (الأونروا)، وكالة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين.

24 عائلة من السوريين اختاروا الهجرة إلى قطاع غزة بعد فرارهم بداية إلى مصر، ونظرًا لتدهور الأوضاع في مصر قرّروا الدخول إلى غزة عبر أنفاق التهريب.

ونجح عدد منهم بالخروج قبل أن يقوم الجيش المصري بإغلاق معظم الأنفاق عام 2013، لكن بقي حوالي نصفهم هناك.

وجاء إغلاق مصر للأنفاق عقب الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي، الذي كان حليفًا مقربًا من قياديي حركة حماس. وبخسارة الأنفاق وحرب الخمسين يومًاً التي شنتها إسرائيل على القطاع عام 2014، انهار اقتصاد القطاع بالكامل، وارتفعت البطالة، وفشلت حكومة حماس التي تفتقر إلى السيولة النقدية بتوفير مأوى للاجئين السوريين.

ويقول حميدو: “لقد تلقينا الكثير من الوعود، ولكن لم يتحقق شيء”.

وبينما تعمل وكالة الأونروا على تقديم الخدمات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين، فإن المسؤول عن مساعدة المشردين السوريين هو وكالة اللاجئين في الأمم المتحدة التي ليس لها أي مكتب ارتباط داخل غزة. ونظرًا لأن الأراضي الفلسطينية لا يوجد فيها بعثة دبلوماسية سورية، فإن العائلات السورية لا تستطيع تجديد جوازات السفر أو تسجيل المواليد الجدد. فضلاً عن أن دخول قطاع غزة تم عبر وسائل غير شرعية عبر الأنفاق، فليس هناك من سبيل للخروج.

ودون موقف قانوني، ودون عمل أو مساعدة، لا يوجد أمام السوريين ما يفعلونه سوى الانتظار على أمل حدوث معجزة تمكنهم من الخروج من غزة.

واستذكر ماجد العطار49 عامًا بنبرة كئيبة، ذكريات من حياته في دمشق، حيث يقول إنه كان يمتلك بيتًا واسعًاً وسيارتين ومخزنًاً مليئًا بالإسمنت ومواد البناء. جواز سفره المنتهية صلاحيته مليء بأختام من كل من الأردن ومصر والسعودية التي جمعها في رحلاته التجارية.

البيت والأراضي المحيطة به دمرتها الضربات الجوية، كل شيء مُحِى عن وجه الأرض، واضطر هو وزوجته وطفله للرحيل إلى مصر في عام 2012.

في الفترة التي سبقت الإطاحة بمرسي عام 2013، تدهورت الأمور بسرعة، وكانت الخيارات أمامه بالانضمام للمهاجرين إما في “قوارب الموت” لأوروبا أو الانتقال إلى غزة. وكان الخيار الثاني يعتبر ذكيًا في تلك الفترة؛ لأن زوجته فلسطينية الأصل ولديها العديد من الأقارب في مدينة رفح الحدودية مع قطاع غزة.

ولكن بعد وصولهم إلى غزة تم تشريدهم مرة أخرى أثناء الحرب التي شنتها اسرائيل على القطاع عام 2014، حيث فروا من القصف ولجأوا إلى العيش في مدرسة تابعة للأمم المتحدة لعدة أسابيع.

والآن هو عاطل عن العمل ولا يستطيع شراء ملابس لطفله، ولا يملك أية أوراق رسمية لتسجيل ابنه في روضة الأطفال لأنه ولد في غزة في عام 2014، وكل ما لديه هو وثيقة تبليغ الولادة من المستشفى التي يظهر فيها اسمه وتاريخ ميلاده فقط.

ويقول العطار إنه يعمل بالمياومة ومعظم الأموال التي يجنيها تذهب من أجل استئجار شبه شقة مفروشة. وتمكنت زوجته من الحصول على بعض المعونات من الأونروا بما في ذلك تأمين التعليم المدرسي لابنهما، وعدا ذلك لا يوجد أي فوائد كون العطار ليس فلسطينيًّا.

ويقول: “أنا نادم جداً للمجيء إلى غزة، وأتمنى أن استطيع الخروج من هنا الشهر القادم أو الذي يليه حتى تتمكن زوجتي وطفلي من العيش بكرامة وحرية وتأمين مستقبل جيد لهم”.

وبينما لا تزال غزة تصارع من إجل إعادة بناء المنازل المهدمة، فهناك حوالي 11200 عائلة لا تزال دون مأوى بعد الحرب مع اسرائيل في عام 2014. ما جعل توفير مأوى مناسب للعائلات السورية أمرًاً غاية في الصعوبة.

أما عائلة عامر فوعرة، وهي أصلًا من مدينة درعا جنوب غرب سوريا، فقد وجدوا لهم مأوى في أحد المستشفيات. فزوجته خلود 39 عامًا، تعاني من ضمور في العضلات وتعيش موصولة بجهاز المساعدة على التنفس في مستشفى الوفاء في غزة. وينام زوجها وأطفالها على فرشات أرضية داخل غرفة بالمستشفى.

ويقول الزوج عامر وهو عاطل عن العمل: “لقد عشنا في مستشفى الوفاء لحوالي سنة ونصف السنة. فقد أصبح موطني الوحيد الذي يحضنني ويعتني بي”. ويعيش السوريون أحوالاً وضيعة جدًّا ويتلقون الهبات من المؤسسات الخيرية المحلية.

وبالعودة إلى الطاهي حميدو، الذي يملؤه الحنين إلى الماضي، يقضي نهاره في تقليب صور من حياته في مدينة حلب، حيث كان يدير مطعمًاً يحمل اسم “مقهى حلب”. وأشار إلى إحدى الصور التي تظهر فيها امرأة شقراء الشعر. “هذه كانت صديقتي، لقد قتلت في إحدى الضربات الجوية”.

وقد صادف حميدو بعض النجاح في بداية قدومه إلى غزة، وفتح مطعمًا صغيرًا تمتع بشعبية كبيرة في المدينة، لكنه اضطر للتخلي عنه في نهاية المطاف لسوء الأوضاع الاقتصادية، وانقطاع التيار الكهربائي المستمر ونقص غاز الطبخ.  وتزوج من امرأة محلية أنجبت له طفلته الأولى في الشهر الماضي.

يقول حميدو لوكالة بلومبيرغ الأمريكية: “كل ما نريده هو الحصول على حاجاتنا الأساسية خلال فترة بقائنا هنا”.