أزمة مياه في الموصل تدفع السكّان للاستنجاد بنهر دجلة “الملوّث”

أزمة مياه في الموصل تدفع السكّان للاستنجاد بنهر دجلة “الملوّث”

يصطف المئات من أبناء مدينة الموصل شمال العراق، على ضفاف نهر دجلة، من أجل الحصول على المياه لاستعمالها في حياتهم اليومية، بعد انقطاعها عن أغلب أجزاء المدينة، منذ حوالي أسبوعين

وتعاني الموصل ثاني أكبر مدن العراق، من تدهور الخدمات اللازمة لديمومة الحياة بعد عامين ونصف العام على سيطرة تنظيم “داعش” عليها، وحصار القوات العراقية لها.

وتعرضت المحافظة لقصف جوي مكثف، تسبب بتدمير أغلب البنى التحتية الحيوية، ما ألقى بظلاله على الأوضاع الحياتية للمواطن.

سبب آخر يكشف عنه المهندس محمد النعيمي، في مديرية ماء نينوى، حيث قال إن “الأسباب التي أدت إلى انقطاع الماء عن أحياء الجانب الأيمن في الموصل، تعود إلى توقف مشاريع الضخ لانقطاع التيار الكهربائي وتوقف مولدات عمل الطاقة الكهربائية بعد نفاد الوقود المخصص لها (الكازوايل)”.

وأشار إلى أن “الأوضاع داخل المدينة تنذر بتفاقم أزمة المياه، لأن عمل مشاريع ضخ المياه من الصعب الآن تأمينه”.

وليس غريبا على سكان الموصل، مشهد التوغل إلى ضفاف نهر دجلة الذي يقسم المدينة إلى جانبين؛ الأيمن (غرب النهر)، والأيسر (شرق النهر)، حيث عاشوا هذه المعاناة إبان اجتياح الولايات المتحدة الأمريكية للعراق حين انعدمت الخدمات فيها، وبات السكان بلا ماء ولا كهرباء، فكان ملاذهم نهر دجلة، للحصول على المياه، بغض النظر عن صحتها.

معاناة

أحمد سلام، أحد سكان منطقة “الساعة” وسط الموصل، قال إن “المياه نفدت من الخزانات الثلاثة التي يضعها فوق سطح منزله بسبب الاحتياجات الكبيرة جدًا لعائلته المكونة من 9 أفراد”.

وأوضح أنه اضطر للسير قرابة كيلومتر واحد، نحو النهر، وملأ 6 براميل سعة 20 لترا، ووضعها في عربة خشبية، ومن ثم العودة نحو المنزل، والبدء باستخدامها عند الحاجة الضرورية فقط.

وتابع سلام، أنه “التقى عند ضفاف النهر بالعشرات من أصدقائه وأهالي منطقته والمناطق القريبة لها للغرض ذاته”، لافتًا إلى أن “انقطاع خدمة المياه عن المدينة، ألقى بظلاله على الحياة العامة وجعلها صعبة جدًّا”.

وفي الموصل القديمة، حيث الأحياء الشعبية والأثرية والتاريخية، والتي تتركز وسط المدينة، منازل بمساحات صغيرة لا تتجاوز الخمسين مترا، البعض منها يطل على ضفاف دجلة، ما سهل مهمة نقل المياه لهذه المنازل، يلقي رب المنزل الدلو المربوط بحبل طويل من أعلى شرفة المنزل إلى ضفاف النهر، ويسحبه بقليل من الجهد إلى الأعلى ليستقر به الحال في شرفة منزله. مهمة أسهل ممن يحملون مياههم على أكتافهم من ضفاف دجلة وحتى الشارع الرئيس.

حسن طه (46 عامًا)، من سكان منطقة “الميدان”، وسط المدينة، ضمن مناطق الموصل القديمة، قال: “لا توجد لدينا مشكلة في نقل المياه كباقي الأحياء والمناطق البعيدة عن ضفاف دجلة”.

واستدرك بالقول “نخشى القصف الجوي، فبيوتنا قديمة جدًا ومتهالكة، وقذيفة هاون، وليس ضربة جوية كفيلة بهدم منزل بالكامل على عائلته، هذه مخاوفنا الكبرى”.

كارثة صحية

بدوره، أوضح الطبيب زياد العاني من سكان الموصل، أن “استمرار انقطاع خدمة المياه واعتماد الأهالي على مياه النهر ينذر بكارثة صحية لا تحمد عقباها”.

وبين أن “مياه النهر ملوثة بنسبة 80،34%، بسبب حملها للمخلفات المختلفة، ومرورها بمناطق طينية؛ ما يعني أن استعمالها دون أن تمر بعمليات تعقيم، والتي هي من اختصاص الحكومات لأنها تحتاج إلى أجهزة خاصة، قد يسبب الكثير من الأمراض للمدنيين، لا سيما الأطفال وكبار السن”.

وأضاف أن “الأهالي الآن داخل الموصل، عليهم غلي الماء ومن ثم تبريده واستخدامه، أو وضع حبوب التعقيم، إن توافرت في المراكز الصحية، في قوارير المياه ومن ثم استخدامها”.

وشدد على أن “حياة المدنيين العزل من اختصاصات الحكومة المركزية وعليها العمل على حمايتهم وتجنيبهم أية أضرار مهما كلف الأمر”.

الناشط يحيى شمعون (24 عامًا)، دعا قوات التحرير والحكومة والتحالف الدولي وأطراف النزاع المسلح كافة إلى “حماية حياة المدنيين، وإبعاد السكان عن خطر الحرب الدائرة في المدينة، والسماح لقوافل المساعدات الإنسانية، وناقلات الوقود بالدخول إلى الموصل”.

وأشار إلى أن “المواطن البريء، الذي لم يستطع النزوح للكثير من الأسباب؛ منها عدم توافر مخيمات حقيقية لإيواء النازحين، ورفض الكثير من المدن القريبة من الموصل استقبال الأهالي، وصعوبة الظروف المعيشة في أغلب المدن العراقية الأخرى، وقطع الطرقات والتشديدات التي فرضها التنظيم وإقدامه على قتل كل من يقبض عليه محاولًا الهرب”.

وتابع أنه “على جميع أطراف النزاع المسلح أن تعي ذلك، لا بل يجب أن تعمل على حمايته (المواطن) وإبعاده عن أي حسابات”.

حسم المعركة

أما المراقب للشأن الموصلي يونس ذنون بكر (33 عامًا)، فأبدى مخاوفه من عدم حسم معركة الموصل بسرعة، لا سيما بعد وصول المرشح الجمهوري في الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض ومشروعه السياسي الذي أعلن عنه خلال حملته الانتخابية.

وأوضح أن “حسم معركة الموصل يتوقف على التوافقات السياسية أولًا، ومن ثم تبقى الأمور العسكرية الدور الآخر البسيط في حسم المعركة والقضاء على داعش“.

واستدرك بكر، أن “التنظيم الذي استنسخ أسلوب المافيا، يمر بأزمة مالية قوضت استعداداته لمعركة الموصل، وستنهيه بشكله الحالي في حال خسارته المدينة”.

وبين أن “التنظيم كان يعتمد على النفط سابقًا وبعد تراجع الأسعار بدأ يسعى إلى مبادلة النفط بالبضائع أو بالخدمات لاستمرار بعض قوته، وعلى قوات التحرير استثمار هذه الفرصة”.

وأضاف بكر أن “مرحلة جديدة ربما بانتظار الموصل، التي ما زالت تعاني من حصار خانق بهدف تحريرها، والعمليات العسكرية من جميع المحاور متوقفة بانتظار التسويات السياسية لمنحها الضوء الأخضر من أجل إكمال ما بدأته، ليبقَ حال المواطن في تدهور بانتظار فسحة أمل إن وجدت في الأيام المقبلة”.