مع تصاعد حدة المعركة.. مدنيو الموصل يعيشون بين رعب البقاء ومخاطر المغادرة

مع تصاعد حدة المعركة.. مدنيو الموصل يعيشون بين رعب البقاء ومخاطر المغادرة

بينما تنشغل القوى العسكرية العراقية المدعومة بغطاء جوي من قوات التحالف،  في التخطيط لدحر تنظيم داعش في الموصل، تبقى معاناة المدنيين هناك بعيدة عن أعين العالم.

ويمر أهالي الموصل بمحنة شديدة وحيرة ما بين الهرب من المدينة أو البقاء فيها، في حين تتسابق مجموعات الإغاثة والوكالات الدولية لإعداد الإمكانيات لاستقبال أعداد ضئيلة من الهاربين.

وتدرك هذه المجموعات بأن فيضانًا من الفارين من مدينة الموصل المنكوبة سينطلق قريبًا، بحسب صحيفة نيويورك تايمز.

وأكثر ما يخشاه موظفو الإغاثة، هو انتقال المعركة إلى المراكز المدنية؛ ما سيجبر مئات الآلاف من الناس على النزوح المفاجئ، إضافة إلى الحاجة لتخزين عدد هائل من أقنعة الغاز لمواجهة احتمالية استخدام تنظيم داعش للأسلحة الكيميائية.

 وبغض النظر عن الراحة التي يبديها الهاربون لنجاتهم من أيدي المتطرفين إلا أنهم يشعرون بالخطر الكبير، فيما ألقت الحكومة العراقية منشورات تحذر المدنيين وتدعوهم للبقاء داخل بيوتهم وتستنفر الشباب للانضمام إلى صفوف القوات العراقية.

ومع استمرار القتال في ضواحي مدينة الموصل، التزم معظم أهالي المدينة بالبقاء داخل مساكنهم، وإذا ما استمرت الحال على ما هي عليه فهذا سيخفف الضغط على مجموعات الإغاثة حيال تجهيز الإمدادات والمساعدات وإقامة المخيمات خارج المدينة، كما يقول بعض المسؤولين الأمريكيين.

خطر البقاء وخطر الهروب

ولكن المعضلة الحقيقية بالنسبة للمدنيين داخل المدينة، تزداد مع تصاعد حدة المعركة، فلا خيار لهم سوى البقاء والمخاطرة بأرواح أسرهم وأهاليهم المحاصرين في دائرة القتال وتحت خطر الضربات الجوية المتلاحقة، إضافة إلى  الخوف من تعرضهم للاحتجاز كرهائن من قبل تنظيم داعش، أو  الهروب ومواجهة هجمات رصاص القناصين على جوانب الطريق، والقنابل المزروعة في الطرقات، وما يليها من حياة قاتمة داخل مخيمات النازحين في المستقبل القريب.

إلى ذلك تسود حالة من القلق الأسر والعاملين في مجال الإغاثة حيال استخدام التنظيم المتشدد للمدنيين كدروع بشرية، كما فعلوا في وقت سابق من هذا العام، فيما صرحت الأمم المتحدة، الجمعة، بأن الجماعة تحتجز ما يقارب 550 عائلة كدروع بشرية قرب الموصل في شمال العراق.

ووفقاً للأمم المتحدة، فإن معظم المشردين والبالغ عددهم ما يقارب 5640 شخصاً في الأيام الأولى من القتال، هم من أهالي القرى الواقعة جنوبي الموصل، حيث تتقدم القوات العراقية والشرطة الاتحادية باتجاه الشمال من قاعدة انطلاقهم في منطقة القيارة، فيما تتواجد القوات الأمريكية لتقديم المشورة للجيش العراقي.

وتظهر سماء المدينة مغلقة بدخان أسود ناجم عن احتراق آبار النفط التي أشعلها تنظيم داعش كغطاء لحمايته من الضربات الجوية،  فيما تنتشر نقاط التفتيش التي ترفع عليها أعلام البيشمركة الكردية أو رايات الشهيد الشيعية، على طول الطريق الخالي من حركة السير، إلا من الشاحنات الكبيرة المحملة بالعربات العسكرية، وشاحنات البيك آب الصغيرة التي تحمل المقاتلين الحكوميين تجاه جنوبي الموصل.

وتباطأ تقدم القوات العراقية هذا الأسبوع، مع ارتفاع الهجمات الانتحارية والقنابل المزروعة على جوانب الطرقات، فيما حذر العديد من الدبلوماسيين الغربيين والقادة الأجانب من أن معركة الموصل يمكن أن تكون طويلة ودموية وقد تمتد إلى العام المقبل.

ويتناول بعض العراقيين في مدينة الموصل والمناطق المحيطة بها تصوراً خاصًا لمجريات الأحداث، إذ إن معظم سكان الموصل عانوا كثيراً من السيادة الوحشية لداعش، إذ تقول إحدى الهاربات مع ابنها من المدينة قبل أسبوع وتعيش حالياً في إحدى الخيام داخل المعسكرات الممتدة على أطراف ديباجه جنوب أربيل عاصمة كردستان: “صدقوني إذا ما قام الجيش العراقي بمهاجمة الموصل فكل الشباب في المدينة سينضمون إلى صفوف  القوات العراقية، وحتى النساء لن تتأخر عن القتال، لقد عاملونا معاملة وحشية وهذا ما يجعلنا نشعر بالكراهية الشديدة تجاههم”.

ضعف الثقة بالقوات العراقية

ولكن البعض الآخر يرى غير ذلك، ولا يعتقدون بأن الأهالي سينتفضون ضد داعش، فيقول هارب سبعيني من قريته في بداية الأسبوع الجاري: “إن الأهالي خائفون ولا أعتقد بأنهم قادرون على مواجهة المسلحين”، وعلى الرغم من أن معظم الأهالي يرغبون بالتحرر إلا إن لديهم القليل من الثقة بقدرات القوات العراقية، ففي قرية الرجل السبعيني على سبيل المثال، حفنة  من المقاتلين على دراجاتهم قاموا بصد قوات كبيرة، ويضيف الرجل: “لقد تمكنوا من إشراك عدد كبير من القوات العراقية، ولا أعتقد بأن الجيش العراقي قادر على دخول هذه القرية”.

وفي هذه الأثناء، يتصور داعش شكل الهجوم الرئيس على المدينة مسبقاً، إذ أصدر التنظيم أشرطة فيديو هذا الأسبوع، تظهر عدداَ من المقاتلين الملثمين ينفذون دوريات في الشوارع الرئيسة ويجرون مقابلات مع الأهالي مدعين بأن الحياة داخل المدينة تسير على ما يرام.

ولكن سكان المدينة فضلاً عن النازحين الذين خرجوا منها والذين لا يزالون على اتصال مع أقربائهم هناك، يرسمون صورة مختلفة عن الوضع في مقابلات أجريت معهم، ويقولون إن معظم الشوارع خالية من المارة والمركبات، وإن المقاتلين إما هربوا أو انتقلوا إلى  الصفوف الأمامية للدفاع عن القرى الخارجية ضد تقدم القوات العراقية.

كما يتحدثون عن تنامي الخوف مع زيادة قمع المتطرفين للأهالي، إضافة إلى شح المواد الغذائية، وإلقاء القبض على كل من يستخدم الهاتف المحمول للاتصال بالعالم الخارجي وتعرضه للعقوبات الشديدة التي تصل إلى الإعدام في معظم الأحيان.

 ويصف بعض الأهالي كيف أنهم حذفوا كل الصور التي التقطوها لأنفسهم مع مقاتلي داعش خوفاً من اتهامهم بالتعاون مع التنظيم من قبل قوات الشرطة العراقية المتقدمة.

أما داخل المدينة فيسعى المسلحون لتأجيج المخاوف الطائفية لدى الأغلبية السنية من السكان، وقاموا بتجميع الأهالي وعرض أشرطة فيديو دعائية عليهم تظهر الشيعة الذين يشكلون غالبية القوات العراقية، وهم يقومون بتعذيب السنة.