كيف تنظر إسرائيل إلى تصدع “الكتلة السنية” الناجم عن خلاف السعودية ومصر؟

كيف تنظر إسرائيل إلى تصدع “الكتلة السنية” الناجم عن خلاف السعودية ومصر؟

وضع محللون وخبراء إسرائيليون الأزمة المصرية – السعودية الحالية في إطار إقليمي، من منطلق رصدهم للتطورات الخاصة بمصير ما كانوا يصفونها بـ”الكتلة السُنية”، التي يفترض أنها كانت ستتشكل بقيادة الرياض والقاهرة، لمواجهة السياسات الإيرانية.

ويفترض أن تضم تلك الكتلة دولا لديها المصلحة ذاتها، وهو ما فتح الباب خلال السنوات القليلة الماضية لحديث داخل الدولة العبرية يشوبه التناقض في الغالب، عن انضمام إسرائيل لتحالف محتمل مع الدول السُنية.

وتردد هذه النغمة حاليًا المعارضة الإسرائيلية بالتحديد، لإضفاء نوع من المصداقية على نشاطها على ما يبدو.

وتغلق تشكيلة الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة الباب أمام أي مبادرة للتقارب مع دول المنطقة، ناهيك عن الدخول في تحالفات علنية مع هذه الدول، لكن وبشكل مستغرب أجريت بشكل غير رسمي بعض المحاولات التي أعطت انطباعا بأن هناك رغبة متبادلة ولو مصطنعة لكسر عقود طويلة من القطيعة بين إسرائيل ودول عربية.

ووفرت السياسات التي اتبعتها إدارة الرئيس باراك أوباما تجاه إيران الفرصة لخصوم طهران، وعلى رأسهم السعودية وإسرائيل، للمضي نحو مسار جديد من العلاقات يضع المصالح كمعيار أساس، وربما يتغاضى عن بعض الملفات بشكل متبادل رغم إصرار كل طرف على التمسك برؤيته، لا سيما بشأن القضية الفلسطينية.

وساد اعتقاد بأن لدى الإدارة الأمريكية رؤية خاصة بشأن تعزيز المحور الشيعي في مقابل المحور السُني الذي تقوده السعودية، وهو أمر حمل معه تضاربا في المصالح الإسرائيلية أيضا، مع أن إسرائيل لم تكن تخفي في الماضي أنها ربما تخرج رابحة من التوترات السُنية – الشيعية، وتقول إن الصراع بين الطرفين مسألة وقت.

ودقت إسرائيل على وتر انزعاجها الشديد من توقيع الاتفاق النووي مع إيران، لكنها أيضا وبشكل متناقض تباكت أمام الإدارة الأمريكية على تسليح الدول العربية المنزعجة من الاتفاق بأسلحة، تعتقد أنها قد تشكل نهاية لتفوقها النوعي، كما تقول.

تصدع الكتلة السُنية

وجذبت الخلافات المصرية – السعودية الأخيرة اهتمام تسيفي مازئيل السفير الإسرائيلي الأسبق لدى القاهرة والخبير في قضايا الإعلام العربي، ومدير القسم العربي بمركز القدس للشؤون العامة، الذي رصد التطورات الخاصة بالكتلة السُنية، وحاول تتبع الآثار المحتملة لما وصفه بالتصدع الذي تعانيه حاليا وانعكاساته على إسرائيل.

وبين أن القاهرة والرياض كانتا يفترض أن تشكلا حائط الصد الأساس أمام إيران، التي وصفها بـ”مصدر الإرهاب في المنطقة”، فضلا عن تنظيم داعش، وأسهب في سرد الأسباب التي أدت إلى التوتر بين البلدين، والتراشق المتبادل الذي حدث بعد ذلك.

وذكر مازئيل بحقيقة أن الكتلة السُنية التي ظهرت ملامحها الأولى إبان عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، وضمت مصر والسعودية والأردن والمغرب حظيت بدعم الولايات المتحدة الأمريكية، مشيرا إلى أن إسرائيل كانت لاعبا أساسيا في هذه الكتلة، لكن من خلف الكواليس ما يعني استمرار اللغة الغامضة المتبعة منذ سنوات.

ووضعت المصلحة المشتركة إسرائيل، من وجهة مازئيل، جنبا إلى جنب مع هذه الكتلة حتى ولو كانت الخلافات معها مازالت جوهرية، بيد أن سياسات أوباما غيرت المعادلة في ظل محاولته لخلق توازن استراتيجي بين الكتلة السُنية وإيران الشيعية، بحيث لا يزيد أحد الطرفين أو يقل قوة عن الآخر، بالتالي يمكن لصراع عسكري محتمل بينهما، أن يطول أمده لسنوات.

ولعبت السياسة الأمريكية المشار إليها أيضا دورا في الأزمة المصرية السعودية الحالية، من وجهة نظر الخبير الإسرائيلي، حيث اضطرت مصر للتوجه صوب موسكو وابتعدت عن واشنطن الأمر الذي تسبب في نوع من تضارب مصالح بين القاهرة والرياض بشكل غير مباشر، قبل أن تحتدم الخلافات وتتحول إلى العلن.

وما يلفت النظر في طريقة تعاطي مازئيل مع الخلافات المشار إليها، يتعلق أولا بطرحه للملف بصورة مبطنة، من منطلق كون الخلاف بين دولتين معاديتين لإسرائيل، حيث ركز على مسألة تفكك “الكتلة السُنية” التي تضم دولا براغماتية، في مقابل صعود إيران والإرهاب، وتحدث عن تضرر العلاقات غير العلنية بين هذه الدول وبين إسرائيل، لكنه في الوقت ذاته قلل من شأن هذه العلاقات ووصفها بـ”المتواضعة”، وقال إنها “لم تكن لتؤثر في المعادلة الجديدة”.

وذهب أبعد من ذلك، حيث أشار إلى أن تلك الكتلة “أثبتت ضعفها”، زاعما أن امتناع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وملك الأردن عبد الله الثاني على سبيل المثال، عن المشاركة في جنازة الرئيس السابق شيمعون بيريس، إنما جاءت نظرًا لضعف موقفيهما في مقابل موقف قوي لتيارات متطرفة، ومعتبرًا أن كل ذلك يعني أن الحديث عن أية تسوية مع الفلسطينيين هي ضرب من الخيال.

وجه آخر للرواية

ويتمسك د. يارون فريدمان، محلل الشؤون العربية في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، برواية أخرى، حيث زعم في تحليله بالموقع الإلكتروني للصحيفة، أن السعودية وإسرائيل تقفان في خندق واحد، حيث أن ميليشيات الحوثي هي الوجه الإيراني الآخر لميليشيات حزب الله اللبنانية، وأن المملكة لم تكن لتقبل بتكرار تجربة جنوب لبنان على حدودها.

ويرى المحلل الإسرائيلي أن مقارنة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، بين ما قال إنه قتل اليمنيين بواسطة الجيش السعودي، وبين اضطهاد الفلسطينيين بواسطة الاحتلال الإسرائيلي يحمل دلالات، حيث أن حزب الله يدعم الحوثيين في اليمن اليوم، وأنه في حال لم تنجح السعودية في القضاء على قوتهم، ربما يتعاون الحوثيون بعد ذلك مع حزب الله ضد إسرائيل، معتبرا أنه لهذا السبب تعتبر المشكلة السعودية والإسرائيلية واحدة، وفق مزاعمه.

وتظهر طريقة التعاطي الإسرائيلي مع ما ورد ذكره، ويرتبط بالأساس بالمملكة العربية السعودية، أن ثمة حالة من الترقب الحذر لدى خبراء الدولة العبرية ممن لديهم إطلاع عميق على شؤون العالم العربي، ويشاركون في إثراء فكر صانع القرار هناك.

من الواضح أن ثمة تباينا محدودا بين هؤلاء بشأن الاستغلال الإسرائيلي الأمثل لتلك التطورات الإقليمية، حيث تميل وجهة النظر الأولى إلى التسليم بأن الصراع السُني – الشيعي في حال تطور إلى حرب شاملة، سوف ينتهي بدمار كبير للطرفين، وهو ما يمكن لإسرائيل أن تستغله بشتى الطرق، وتظهر وقتها على أنها الأكثر أمنا في المنطقة، كما ستغلق الملف الفلسطيني نهائيا.

وتميل وجهة النظر الأخرى إلى التأني بشأن التمسك بالتقديرات الأولى، حيث مازالت هناك مخاوف بشأن احتمال أن تجد إسرائيل نفسها طرفا في معادلة الصراع.