عجز أنقرة عن إثبات شرعية وجودها العسكري في شمال العراق يهدد عمقها الإستراتيجي

عجز أنقرة عن إثبات شرعية وجودها العسكري في شمال العراق يهدد عمقها الإستراتيجي

يثير وجود جنود أتراك شمال العراق أزمة بين بغداد وأنقرة؛ إذ تعتبره الحكومة الاتحادية العراقية خرقًا للسيادة، فيما يقول مسؤولون أتراك إن تواجد جنودهم داخل العراق كان بموافقة الحكومة العراقية منذ أكثر من عام ونصف العام.

وتوجه بغداد اتهامات لأنقرة ببطلان زعمها أن تواجدها العسكري قرب الموصل جاء بطلب الحكومة العراقية، وتصف تصريحات المسؤولين الأتراك بالتضارب.

 إذ سبق أن صرح مسؤولون أتراك أن القوات التركية متواجدة بطلب من محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي، كما جاءت تصريحات أخرى لتؤكد أن القوات التركية دخلت المنطقة بموافقة حكومة إقليم كردستان العراق، وأشارت تصريحات أخرى إلى أن الأمر تم بموافقة التحالف الدولي.

أنقرة في موقف حرج

فبعد تصدر قاعدة بعشيقة العسكرية التركية القريبة من الموصل شمال العراق عناوين الأخبار، تجد تركيا نفسها في موقف حرج أمام إصرار الحكومة العراقية على إخلاء المعسكر، وعجز أنقرة عن إثبات شرعية تواجدها العسكري فيه.

وتمثل القوات العسكرية التركية المتواجدة في معسكر بعشيقة ركيزة لتركيا، عبر أداء مهام استطلاعية واستخباراتية أو عسكرية وقائية، من شأنها تسليط الضوء على نفوذها العسكري والسياسي في المنطقة.

مع تواتر الأنباء عن اقتراب موعد إطلاق عملية تحرير الموصل من قبضة تنظيم داعش، الذي يسيطر على المدينة منذ حزيران/يونيو 2014، ارتفعت حدة الأزمة بين بغداد وأنقرة على وقع الانتقادات المتبادلة وتبادل الاتهامات حول شرعية وجود الأتراك في بعشيقة، ودور تركيا في التحالف الدولي ضد داعش.

أمريكا تشكك في شرعية تركيا

تعرضت شرعية الوجود العسكري التركي قرب الموصل لصفعة قوية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية الحليف التقليدي لتركيا، إذ صرحت وزارة الخارجية الأمريكية أخيرًا، أن تواجد القوات التركية في معسكر بعشيقة لا يعتبر جزءا من قوات التحالف الدولي المتواجدة في العراق لمحاربة تنظيم داعش.

وطالبت وزارة الخارجية الأمريكية جميع الدول المجاورة للعراق باحترام سيادة الأراضي العراقية، معتبرة أن تواجد القوات التركية في العراق يمثل مشكلة من الواجب حلها بين الحكومتَين العراقية والتركية.

تأتي تصريحات وزارة الخارجية الأمريكية على الرغم من مشاركة تركيا خلال الشهور الماضية في توجيه ضربات لتنظيم داعش في سوريا والعراق، والسماح للمقاتلات الأمريكية باستخدام قاعدة إنجرليك جنوب تركيا، لتنفيذ طلعاتها الجوية ضمن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش.

وكانت تركيا أرسلت تعزيزات إلى معسكر بعشيقة الذي يبعد 18 كلم عن الموصل يوم الـ 3 من كانون الأول/ديسمبر 2015، قوامها 150 جنديًا و25 دبابة، بحجة تدريب “الحشد الوطني” وهو عبارة عن قوات من العشائر العراقية؛ غالبيتهم من الموصل على قتال داعش، لتعود وتسحب بعض قواتها في الشهر ذاته، بعد تعرضها لضغوط أمريكية.

البرلمن التركي يصوت لصالح التمديد

وصوّت البرلمان التركي في الآونة الأخيرة لصالح تمديد وجود نحو 2000 من القوات التركية في شمال العراق لمدة عام للتصدي للتنظيمات الإرهابية، في إشارة إلى مقاتلي حزب العمال الكردستاني، وتنظيم داعش.

في إطار حربها ضد الحزب الكردستاني، يشكل تواجد آلاف الجنود الأتراك مع آلياتهم شمال العراق وبشكل خاص في إقليم كردستان العراق، الذي يعتبر من أبرز معاقل الحزب المحظور والمصنف من قبل تركيا وحلفائها الغربيين على أنه منظمة إرهابية، قوة ردع لا يستهان بها، أو نواة أولية لإعادة إرسال قوات دعم تركية ضد المقاتلين الأكراد عند الحاجة.

ويعود التواجد العسكري التركي في العراق إلى العام 1992، عبر نشر نحو 15 ألف جندي في إقليم كردستان العراق، ضد مواقع حزب العمال الكردستاني، كما شنت تركيا حملة أضخم، عام 1995، بتوغل نحو 35 ألف جندي لمسافة 60 كلم ضمن الأراضي العراقية، وأعقب ذلك سلسلة من الحملات عام 1997.

تركيا والعمق الإستراتيجي

ويرى محللون أن تركيا تحاول اكتساب عمق إستراتيجي شمال العراق، وذلك عن طريق إرساء وجود دائم لها بالتزامن مع حملاتها عبر الحدود.

ويقول محللون إن النفوذ العسكري التركي في إقليم كردستان العراق، تحول إلى وجود مفتوح الأفق للحد من استخدام حزب العمال الكردستاني للمنطقة كملاذ آمن ونقطة انطلاق، بعد أن استثمرت تركيا عام 1994 الاشتباكات الأهلية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم لإقليم كردستان العراق، والاتحاد الوطني الكردستاني الذي كان متحالفاً مع إيران وحزب العمال الكردستاني في ذلك الحين.