الأطفال الفلسطينيون في لبنان.. فرح حاضر ومستقبل مجهول

الأطفال الفلسطينيون في لبنان.. فرح حاضر ومستقبل مجهول

المصدر: نديم كعوش- إرم نيوز

وضعت سجى كنعان، حقيبة المدرسة الثقيلة على ظهرها، وسارت فرحة باتجاه المدرسة الصغيرة، التي تبعد أقل من 100 متر عن بيتها بمخيم ”المية ومية“ الصغير، في جنوب لبنان.

وفي أقل من دقيقة، كانت سجى قد وصلت إلى ملعب المدرسة، التي تشرف عليها منظمة إغاثة وتشغيل الفلسطينيين (الأنروا) التابعة للأمم المتحدة، والتقت بصديقاتها وزميلاتها من نفس المخيم الذي يبلغ عدد سكانه أكثر من ستة آلاف نسمة، ويقع على تلة صغيرة مطلة على البحر الأبيض المتوسط، قرب مدينة صيدا التاريخية عاصمة جنوب لبنان.

بعد انتهاء اليوم الدراسي وعودتها إلى بيتها، بدت سجى البالغة من العمر 11 سنة، متعبة قليلا وجائعة، لكنها كانت فرحة وتمتعت باليوم الدراسي بصحبة صديقاتها، دون إدراكها للمستقبل المجهول الذي يواجها هي ومئات الآلاف من الفلسطينيين المقيمين في مخيمات اللاجئين في لبنان.

وفي الوقت الذي يكافح فيه خليل كنعان والد سجى بعمل يومي في غاية الصعوبة، في البساتين المملوكة للمسيحيين في قرية ”المية ومية“ المجاورة، من أجل إعالة أسرته المكونة من تسعة أفراد، فإنه من الواضح أن سجى لا تعي  تماما محنة الفلسطينيين في لبنان واستحالة عودتهم إلى ديارهم في فلسطين، وصعوبة الحصول على وظيفة بعد التخرج من الجامعة، في هذا البلد البالغ عدد سكانه نحو أربعة ملايين نسمة، بسبب منع الفلسطينيين من العمل في القطاع العام وتفشي البطالة بمعدلات مرتفعة بين اللبنانيين أنفسهم.

وتقول سجى والبسمة على فمها: ”أنا أحب المدرسة كثيرا وأريد أن أدخل الجامعة لأواصل تعليمي ثم أتخرج واحصل على وظيفة“.

ولا تدرك سجى السمراء بالطبع صعوبة الحصول على وظيفة في لبنان أو قلة الموارد المالية لأسرتها التي تكافح من أجل لقمة العيش، وليس لها أية موارد إضافية أخرى من أجل دفع رسوم التعليم في أية جامعة.

صعوبة التعليم

أما علي شقيق سجى، فيبدو أنه بات يعي حجم مأساة الفلسطينيين في لبنان، فهو  يبلغ من العمر نحو 19 سنة، وترك الدراسة واضطر للعمل في بعض البقالات، وأحيانا مع والده في بساتين الزيتون واللوز والمشمش والتين في لهيب حرارة الصيف وصقيع فصل الشتاء.

ويقول علي: ”أنا تركت المدرسة لأنه لا جدوى من المتابعة… وحتى لو واصلت الدراسة وأردت الالتحاق بالجامعة من سيدفع رسوم التعليم في هذا البلد الذي لا نملك فيه شيئا“.

ويضيف وهو يشير إلى بعض الأطفال الذين يلهون في أزقة المخيم: ”أنظر إلى هؤلاء.. يبدون سعداء جدا لكنهم غير مدركين لمشكلتنا بسبب صغر سنهم.. علينا أن ندرك أننا مجرد لاجئين دون أي مستقبل في هذا البلد، وأعتقد أن هؤلاء الأطفال سيدركون هذه الحقيقة المؤلمة عاجلا أم آجلا“.

ويعيش نحو 6500 لاجئ في مخيم ”المية ومية“، الذي لا تتجاوز مساحته 2 كلم مربع، أكثر من 90% منهم بلا عمل، ويتلقون بعض المعونات من السلطة الفلسطينية والأمم المتحدة، إضافة للمبالغ المالية التي يتم تحويلها من المغتربين الفلسطينيين في الخليج ودول أخرى.

وهذا ينطبق أيضا على باقي المخيمات الفلسطينية في لبنان، وعددها 11 مخيما تأوي حوالي 450 ألف فلسطيني، أكثر من خمسهم يتراوح عمرهم بين سنة و15 سنة.

معدل خصوبة مرتفع

وحسب تقارير الأمم المتحدة، فإن معدل الخصوبة بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي الخارج هو من أعلى المعدلات في العالم، إذ يصل متوسط الأسرة إلى ستة أفراد، وذلك نظرا لاعتقادهم بأن عليهم إنجاب أكبر عدد من الأطفال، حتى يتفوقوا على الإسرائيليين بعدد السكان، رغم ظروف الفقر والحرمان والبطالة التي يعيشونها.

وهناك عدد   كبير من الآباء الفلسطينيين القادرين ماليا، يشجعون  أولادهم على الدراسة، حتى يسافروا للعمل في الخارج ويساعدوهم في إعالة الأسرة، في حين يقوم بقية الآباء بدفع أبناءهم لترك الدراسة والعمل في أية مهنة.

ويقول أحمد عزام من مخيم عين الحلوة المجاور: ”ابني عمره تسع سنوات، ودائما يقول لي إنه يريد مواصلة تعليمه حتى يصبح طبيبا، فهو  من الأوائل في صفه، لكني لا أريد أن أقول له الآن إن ذلك من المستحيلات، بسبب ضخامة تكاليف الدراسة التي تتجاوز عشرة آلاف دولار في السنة في مجال دراسة الطب، كيف يمكنني دفع هذه الرسوم ودخلي من دكاني الصغير لا يتجاوز خمسة آلاف دولار في السنة،  لهذا السبب لا يستطيع الآلاف من الفلسطينيين الالتحاق بالجامعة وأعتقد أن هذه مأساة حقيقية“.

ويوجد في مخيم ”المية ومية“، مدرسة واحدة فقط للمستوى الابتدائي، بها أكثر من 400 تلميذ.

ويقول سليم نوفل وهو مدرس سابق في المدرسة عن الطلبة: ”هذا مجرد جيل جديد ينمو وينشأ ويحيا خارج الوطن، من المحزن جدا أن ترى هؤلاء الأطفال الأبرياء وهم يقفزون فرحا يوميا دون أن يدركوا أن لا مستقبل لهم هنا، أنا اشعر بالفرح عندما أراهم سعداء، ولكن للأسف سرعان ما سيكبرون ويدركون حجم المشكلة التي نعاني منها“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com