العدناني.. ”غوبلز“ داعش ومنظّر الخراب

العدناني.. ”غوبلز“ داعش ومنظّر الخراب

المصدر: خالد أبو الخير - إرم نيوز

سيفقد داعش، بوقه، صاحب الخطابات النارية الرنانة، الذي اعتاد أن يبدأ تسجيلاته بحمد الله والثناء على رسوله الأمين الذي بعث بـ”السيف” رحمة للعالمين، لأن غارة جوية اسكتت الناطق الرسمي باسم التنظيم، لتفقد بذلك الدائرة المقربة من  أبوبكر البغدادي، قائدا مثيرا للجدل.‎

فالشيخ المجاهد ”أبو محمد العدناني الشامي“، كما يحب أن يكنى، الذي قتل يوم أمس في قصف جوي على بلدة الباب السورية، أحاط نفسه بهالة إعلامية حرص على الصاقها به، كما حرص التنظيم على تقديمه بها.

غير أن ”طه صبحي فلاحة“ وهذا هو اسمه الحقيقي، المولود العام 1977،  ابن لعائلة غير متدينة،  تقيم في بلدة نبش من أعمال إدلب بسوريا، ونشأ نشأة عادية، ولم يعرف عنه في صغره تردده على المساجد كما يزعم داعش حالياً، ورغم  تحصيله الدراسي الذي كان متوسطاً، إلا أنه أبدى شغفًا بالمطالعة، فكان يقرأ كل ماً يقع في يده من كتب أدب وفلسفة ولغة، ومن جملة ما قرأ “ العقد الفريد“ و“البيان والتبيين“ و“الفية ابن مالك“ وأظهر ولعاً  بالشعر الجاهلي وفتنه ديوان المتنبي، وكان يحفظ الكثير من هذه الأشعار.

إحباط وقصة حب فاشلة

الشاب الذي بدا الواقع له غير مؤات، وأحبطه فقره، مع اعتداد كبير بنفسه، جرب العمل كأجير في أكثر من مجال، دون أن يجد المهنة التي تتفق مع تطلعاته وما يظن أنه أهل له، ما أدخله في مشاكل مع أسرته، خاصة والده الذي كان يصر على أن يمتهن مهنة يرتزق منها، وزاد من إحباطه وإحساسه  بالضعة والفشل  تعلقه بحب فتاة كان يدرك أنه لا سبيل اليها، وقد ذهبت في سبيلها حين تزوجت من شخص ميسور الحال، فتغيرت أخلاقه وغدا عدائيًا ومنطوياً ومتوحدًا عن محيطه.. وقاده بحثه إلى التدين، فأنكب يقرأ القرآن ويرتاد المساجد، وغير أصحابه إلى صحبة مشايخ تلقفوه ودلوه على كتب فقه الجهاد ومن أبرزها كتاب  ”مشارع الأشواق“ لـ ”أبو زكريا أحمد بن إبراهيم بن محمد الدمشقي الدمياطي المشهور بابن النحاس“، الذي يتحدث فيه عن فضائل الجهاد، و“تفسير ابن كثير“ ، وكتاب ”في ظلال القرآن“ لسيد قطب.

سلوكه الجديد أدى به إلى أن يصير زائرًا دائمًا لجهاز أمن الدولة السوري، فقد جرى استدعاؤه عدة مرات، على خلفية الشكوك التي تحوم حوله.

اعتقال في البوكمال

اعتقاله الأول والثاني جاء في أعقاب نشاطه في المجال الدعوي الجهادي، فضاقت به الدنيا بما رحبت، فعزم على التوجه إلى العراق عقب سقوط نظام صدام حسين، ليحول حياته الجهادية من نظرية إلى عملية، وفي ذهنه أن يلتحق بتنظيم القاعدة الذي كان يقوده أبو مصعب الزرقاوي، فاعتقلته المخابرات السورية في البوكمال، وبقي في السجن لاشهر تحت التعذيب،  وأطلق سراحه فيما بعد ”لعدم اعترافه بشيء“ كما تدعي داعش، في حين أن النظام السوري كانت له مصلحة في تسهيل مرور المتشددين إلى العراق لقض مضاجع الامريكيين، وللتخلص منهم، كما شك مسؤولون عراقيون وأميركيون في حينه، وأكده فيما بعد مسؤولون سوريون انشقوا عن النظام. ما يطرح السؤال: هل سهلت المخابرات السورية مرور العدناني إلى العراق؟. وهل وعدها بتقديم معلومات؟

أغنية لشاعر شيوعي

الطريق من البوكمال إلى مدينة حديثة العراقية يحفها الغبار والشجى الذي لطالما غمر طفولته حين كانت والدته العراقية الاصل تتغنى بأغان من بلدها تضج بالحزن العميق، منها أغنية حضيري أبو عزيز ”يا راكب ع العبية، يابا ميّل وارتاح شوية“ وأخرى تصادف أنها من كلمات الشاعر الشيوعي مظفر النواب، كان العراقيون يحفظونها عن ظهر قلب، بعد أن غناها ياس خضر، وتحكي عن ترحيل مناضل معتقل بالقطار إلى السجن: ”مرينا بيكم حمد.. وحنا بقطار الليل“..

ارتاح العدناني أيامًا عند أخواله في حديثة، وتوصل إلى الالتقاء بعناصر من القاعدة، وانضم اليهم، وسرعان ما وجد المجال الحيوي في القاعدة،وبرزت مواهبه، فعينه الزرقاوي مدرباً في معسكر حديثة أيام التوحيد والجهاد، ثم عينه  أميراً على  حديثة.

قبل أن يلمع نجمه تماماً،  قبض الأمريكيون عليه مرتين واودعوه سجن بوكا  الشهير، حيث قضى قرابة الست سنين، وكان مهجعه في خيمة الزرقاويين، جماعة أبو مصعب الزرقاوي، فسلى العدناني لياليهم بما يحفظه من أشعار وحكايات بلغة سليمة تثير الإعجاب، وأعطى دروساً في أصول الفقه، بحماس منقطع النظير.

أدرك العدناني مبكرًا ما يملكه من موهبة لغوية وخطابية، وأنه إن أراد ان يتقدم في مجال العمل الجهادي عليه أن يكون متبحرًا في الدين والفقه، وأن يختار منه ما يخدم فكرته، ويدفعها إلى أقصى حدود التطرف، ليستثير الاعجاب.

كما أدرك في هذه البيئة “ القاعدية“ أن من هم حوله ليسوا بعلمه، وأنه قادر على البروز والنجومية.

البيعة للبغدادي

في بوكا تعرف العدناني على أبو بكر البغدادي، وبدا أنه الشخص الذي يبحث عنه الرجل الذي يطمح أن يكون الخليفة، ليكون صوته وبوقه الاعلامي فقربه منه، خاصة بعد أن اقسم يمين البيعة والطاعة له.

أطلق سراح العدناني وآخرون،العام 2010 لعدم ثبوت خطرهم، كما جاء في تعليل سبب اطلاق سراحهم، ولم تكتشف المخابرات الاميركية أن  الشخص الذي اعتقلته باسم ”ياسر خلف حسين نزال الراوي“، هو نفسه العدناني.

إلى سوريا مجدداً..

عاد العدناني برفقة أبو محمد الجولاني وحجي بكر وأبو علي الأنباري وآخرين  إلى سوريا العام 2011، بعد اندلاع الثورة هناك، وبأوامر مباشرة من البغدادي أمير تنظيم داعش، للقتال ضد النظام السوري، تحت مسمى ”جبهة النصرة لأهل الشام“، وهدفهم الرئيس ايجاد حاضنة شعبية لمشروعهم، ولهذا السبب اختار البغدادي الجولاني لقيادة هذه المجموعة، فأمه سورية، وغير معروف للأجهزة الاستخبارية، مما أثار حسد العدناني الذي كان يرى في نفسه الحق في هذه القيادة، وربما تمنى لو أن امه كانت سورية حينها، فقرر أن يصير عينًا  للبغدادي على الجولاني، وأصبح يكتب التقارير بشأنه، ويرسلها تباعًا إلى الأمير، ومنها تقرير شك فيه العدناني بولاء الجولاني للبغدادي، واتصاله مع أيمن الظواهري، وقد أصاب.

تقارير العدناني سرعت في إعلان البغدادي في تسجيل صوتي عن قيام دولة الخلافة في العراق والشام، وأن تنظيم النصرة يتبع لها، وهو التسجيل الذي فجر خلافات مريرة بين ”داعش“ وبين القاعدة وصل لحد الاشتباكات المسلحة، وأدى فيما بعد إلى انفصال النصرة عن داعش.

مفاجأة في العراق

يوم 1/1/2012 أي بعد انسحاب  آخر جندي اميركي من العراق ، فاجأت مؤسسة الفرقان التابعة لداعش العراقيين، بكلمة ألقاها أبو محمد العدناني بعنوان ”الآن الآن جاء القتال“، على العكس تمامًا مما رددته عشائر سنية، وحمل التسجيل شحنة هائلة من السخط  والتكفير والدعوة إلى العنف.

كان العدناني، الذي وصفته ”الفرقان“ بأنه المتحدث باسم التنظيم، مجهولاً للتنظيمات الجهادية وللحكومة العراقية على حد سواء، فبدأت الحكومة العراقية بالبحث عن هوية الرجل الذي دعا للقتال ضدها بعد خروج الجيش الأمريكي .

شريط فيديو آخر للفرقان، عثرت عليه الشرطة العراقية  لاحقاً ساعدها في التعرف على شخصية العدناني، كما تعرف عليه الأمريكان، ووصفوه بأنه ”إرهابي عالمي“ .

قوي مركز العدناني في داعش، وبرز أكثر بعد مقتل عدد  من القادة المؤسسين للتنظيم، وأصبح مشرفا على اللجنة المفوضة في متابعة الدواوين  والولايات “ 35 ولاية كما زعمت داعش“ و14 ديوانًا و5 مكاتب، وصار العدناني الذراع الأيمن والرجل الأهم في داعش.. بعد البغدادي.

إلى ذلك؛ كان العدناني يشرف على وسائل داعش الإعلامية، إضافة لكونه الناطق باسم التنظيم، واكسبه ذلك سلطتين فعليتين، سلطة توجيه النقد والترويج للفكر الداعشي المنحرف بل واغتيال الشخصيات وفقاً لاهواء التنظيم، فضلاً عن الجانب العملي بقيادة اللجنة المفوضة،  ما حوله إلى صاحب الأمر في الصرف والتصرف، وحدا بالكثيرين من قادة داعش غلى محاولة التقرب منه واستمالته بغرض تحقيق مصالحهم.

الرجل الذي حظي بقسط من الثقافة دون أن يكمل تعليمه، وهي عقدة نقص بقيت في نفسه، عرف كيف يوظف الإعلام بميكافيلية واضحة ضد أعداء ”الدولة الاسلامية والخليفة“، وفق ما يرى جهاديون ينتمون لتنظيم القاعدة، ويشيرون إلى استخدامه مجلّة دابق ومؤسسة البتار الإعلاميّة في التمهيد أولاً لإسقاط رمز من رموز الجهاد والتصريح بنشر مقالات تثير شبهات حول شخصيّة جهاديّة ما، ثم تتدرّج إلى تخوينها واتهام نيّاتها و إنتهاءً بتكفيرها ومثالاً على ذلك تدرج مجلّة دابق مع أيمن الظواهري  بداية من العدد الأول حتى وصلت إلى وصفه بعميل روسيا في العدد الثامن، وكذلك الحال مع الملا عمر الذي وصفته مجلة دابق في العدد العاشر ببيدق في يد باكستان وأمريكا.

كان العدناني من قادة داعش الذين استشارهم البغدادي في إعلان الخلافة، فابدى حماساً للفكرة ووشجعه وبايعه.

 تتالت تسجيلات العدناني الصوتية، وكان من أبرزها بعد خطاب أيمن الظواهري، الذي أمر فيه تنظيم ”الدولة“ بالعودة إلى العراق وبقاء جبهة النصرة في الشام- فظهر رافضاً دعوة ”الظواهري“ وليؤكد على استمرار الدولة الإسلامية في العراق والشام، رافعًا شعار: ”باقية وتتمدد“.

أما آخر تسجيل صوتي للعدناني، فكان قبل أقل من ثلاثة شهور، حين  اعترف بمقتل كبار قادة داعش بعمليات صاروخية وضربات جوية في مختلف ميادين القتال العراقية والسورية. قائلاً ”هل تعتقدون أنكم بقتل قادتنا قد فزتم أنه انتصار زائف، حتى لو خسرنا الرقة أو سرت أو الانبار“.

ولم يخرج خطاب العدناني في هذا التسجيل عن الإنكار، بعد أن مني تنظيمه ”ودولته“ المزعومة بهزائم كارثية، وأوشكت نينوى والرقة على التحرر من قبضته .

التعيس

في مقالة لافتة  لمدير مركز المقريزي بلندن، الموالي للقاعدة  هاني السباعي ، كتب عن محاولات داعش  “ النفخ“ في شخصية العدناني، عبر نشر سيرة له تظهره ”علامة“، واعتبره مجرد نكرة، وشكك بعلمه .

.. في مدينة الباب انتهت سيرة حياة العدناني، ذلك الرجل الذي عاش باحثًا عن دور، أي دور، فأتقن  تقليد وزير الدعاية النازي“غوبلز“، ووعى نصائح ميكافيلي واستخدمها، فتقدم.. وصار منظراً للخراب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com