عدنان أبو عودة.. من ميكانيكي إلى رئيس للديوان الملكي الأردني

عدنان أبو عودة.. من ميكانيكي إلى رئيس للديوان الملكي الأردني

المصدر: خالد أبو الخير – إرم نيوز

يميل المفكر السياسي الأردني عدنان أبو عودة، رغم بلوغه الثمانينات من عمره، إلى حضور الكثير من النشاطات السياسية والاجتماعية، متكئًا على عصاه.

يعيش حاليًا على راتبه التقاعدي، كما يحب أن يفخر، فهو ليس عضوًا في مجلس إدارة أي شركة وليست له أملاك كثيرة. وحين يسأل عن رحلة حياته، يجيب: أنا سعيد بما قمت به.

رأى أبو عودة النور في نابلس عام 1933، والده من صناع الصابون النابلسي الشهير، ووالدته سيدة بسيطة، لا تقرأ ولا تكتب، أصرّت على أن يُكمل دراسته بعد أن أظهر نبوغًا دراسياً، وطمعًا في أن يقرأ الفاتحة على قبرها بعد موتها.

في شبابه المبكر، عمل ميكانيكيًا وفكر جديًا باحتراف هذه المهنة، لكن والدته وقفت ضد رغبته. وحين سنحت له فرصة العودة إلى المدينة التي تركها شابًا بعد 29 عامًا من احتلالها، اختار أن يزور قبر تلك الأم. وأطلق تصريحه الشهير: ”عشت في المنفى كل تلك السنين ولم أستطع زيارة القبر“، الذي استغل مدخلا للهجوم عليه: ”أي منفى وقد صرت رئيسًا للديوان الملكي؟!“.

”هكذا فُسر بكائي على قبر أمي“، يقول أبو عودة متأسيًا.

انتمى إبان سنوات دراسته الثانوية في نابلس وفي معهد المعلمين بعمان لحزب التحرير. تأثرًا بصداقته مع شريف، نجل تقي الدين النبهاني، مؤسس الحزب، وتركه إبان أحداث حلف بغداد عام 1955.

الصدمة الثقافية التي خلّفها ابتعاثه إلى بريطانيا في العام ذاته، أثّرت فيه كثيرًا. وحال عودته إلى الوطن انتمى إلى الحزب الشيوعي واستمر فيه ثلاث سنوات إلى أن كانت صدمته بأخبار القتل والسحل التي حدثت بعد ثورة 1958 في العراق، فقرر الانسحاب من الحزب بحثاً عن فكر أو انتماء.

ويقول: ”اكتشفت بأني لا أصلح أن أكون حزبيًا. لا أريد لأحد أن يفكّر عني“.

قفزة في سيارة مدير المخابرات

عمل في الكويت لسنوات، وإبان إحدى زياراته، أبلغه الطبيب أن والدته مصابة بالسرطان، وهي لا تعلم، وحين التقاها قالت له: قد أموت وأنت لست بجانبي.

وحين كان يسير في شوارع عمّان، ناداه شخص كان يقود سيارة، تبين أنه محمد رسول الكيلاني صديقه من أيام الدراسة في مدرسة السلط الثانوية الذي صار رئيس جهاز المخابرات. يقول أبو عودة: قفزت إلى سيارته حرجًا من أن يشاهدني الناس أحادث شخصية أمنية، وبعد السلام، أخذه الكيلاني إلى مكتبه في الدائرة وأعلمه بأنه يقوم بتشكيل دائرة جديدة تختص بالتجسس على إسرائيل، مضيفًا بشكل مباغت: أريدك أن تعمل معي.

رفض في البداية متعللا بأنه لا يصلح، كونه كان عضوًا في الحزب الشيوعي. لكن الكيلاني أصر خصوصًا حين رفض عدنان إطلاعه على أسماء أصدقائه الشيوعيين.

انضم أبو عودة إلى المخابرات برتبة ملازم أول لسببين: لكي يكون قريبًا من نابلس ويزور والدته، وللتجسس على إسرائيل.

لكن وظيفته تغيرت، أثناء دخوله الدورة التدريبية، كونه كان استنادًا إلى ما كتبه مدربه الأمريكي: كثير النقاش ومحلل سياسي من طراز رفيع. فعهد الكيلاني إليه بالعمل في دائرة التحليلات السياسية والتقارير الصحفية.

اتهمه رفاقه الشيوعيون بأنه كان اختراقًا مخابراتيًا للحزب، بل إن المغفور له الملك الحسين، وحين علم بأنه يعمل في المخابرات خشي أن أكون من المزروعين في الجهاز أيضًا.. فطلب مقابلته.

لقائه الأول مع الملك أثمر صداقة استمرت لسنوات، وكان رأي جلالته به أنه مختلف.

عند وقوع حرب 1967 كان أبو عودة مبتعثًا لدورة مخابرات في لندن، وإبان أحداث أيلول/ سبتمبر 1970 شارك الضابط برتبة رائد في جهاز المخابرات في الحكومة العسكرية التي تشكلت آنذاك، كوزير للإعلام، وعاد مجددًا في حكومة أحمد طوقان التي تشكلت في العام نفسه، ثم في حكومة وصفي في 1971، ما جعله هدفًا للحرب الكلامية التي شنتها منظمات فدائية ضده. وهي الحقيبة ذاتها التي تولاها في حكومات لاحقة، كان آخرها في العام 1984.

ابن صانع الصابون        

تقاعد الكيلاني وجاء مضر بدران مديرًا للمخابرات فأعلمه أن الملك يرغب بإرساله في دورة حرب نفسية إلى بريطانيا.. يقول عنها: ”استقبلت في الكلية الحربية ولاحظت في قاعة المحاضرات أنني وحدي.. وقاموا بعرض فيلمين على ”البروجيكتر“، سألني المحاضر عن محتواهما. قلت له عن حرب السويس أحدهما بريطاني والآخر من إنتاج مصري. سأل: ما رأيك في الفيلمين. أجبت: الإنتاج المصري أفضل من البريطاني. قال: لماذا هل لك أن تكتب لنا الأسباب؟. حين قرأ ما كتبته،  قال لي: هل تعلم لما أنت هنا. أنت هنا لتعلم هذه الأسباب. أنت لست بحاجة لتلك الدورة. ستتناول معنا وجبة الغداء وتعود للأردن“.

”بنى نفسه بنفسه، وحياته كتاب مفتوح، ليس لديه ما يخبئه،“ حسبما يراه الكاتب الصحفي خالد محادين الذي زامله لسنوات.

ويضيف ”لم يكن يتردد في إبداء رأيه في حضرة الملك الراحل الحسين، لا يجامل ولا يحابي، وكان الملك يستمع ويرتاح له“.

يصف أبو عودة الملك الحسين بأنه كان قوميًا عربيًا، وكان يعطي مستشاريه الحرية المطلقة في إسداء النصح وتقديم المعلومات.

على الرغم مما حققه، بقيت هناك مسافة بين أبوعودة والبورجوازية الفلسطينية التي لم تهنئه حين صار رئيسًا للديوان الملكي. يرى سياسي عاصر تلك السنوات ”بأن البورجوازية استكثرت عليه أن يصير رئيسا للديوان وهو ابن عائلة متواضعة“. بل أن أحد أقطابها قال للملك الراحل الحسين معاتبًا: أيكون لابن العامل ما لم يكن لابن أسياده.

مع حافظ الأسد

صراحته وبديهته الحاضرة كانت تتبدّى أيضا أمام الزعماء العرب، بل أحيانا كانت تشكّل علامات فارقة، فأثناء إحدى الزيارات بمعية الراحل الحسين إلى دمشق، أخذ الرئيس الراحل حافظ الأسد ينتقد ياسر عرفات.. ثم انتقل لانتقاد الفلسطينيين قائلا: ”هؤلاء صاروا وكلاء لإسرائيل ويدخنون مارلبورو أحمر“.

فاستأذن أبو عودة الملك بالحديث وقال: ”فخامة الرئيس هذه التقارير التي تستمد منها معلوماتك يبدو أنها ليست دقيقة، تقاريري أدق وهي من شقيقاتي وأولاد شقيقاتي، فحالهم صعبة والمارلبورو الأحمر الذي ذكرته فخامتك يعني أنهم بدأوا يرون الدنيا مصطبغة بلون الدم“. انتبه الأسد، وحين ودع أبو عودة في المطار عانقه قائلا: ”أخ عدنان أرجو ألا تسيء فهمي“.

خطأ.. أمام صدام

إبان زيارة لبغداد بعد اجتياح الجيش العراقي للكويت، كان أبو عودة ضمن وفد رافق الحسين إلى عاصمة الرشيد وقد أبدى رأيه أمام مسؤولين عراقيين بحتمية وقوع الحرب واستحالة تحويل العراق إلى فيتنام أخرى، على عكس ما كانوا يجادلون به.

طبعا وصل الكلام إلى صدام. في الاجتماع الذي تلا، وحضره صدام والملك الحسين، نادى الرئيس العراقي ضابطًا كان مسؤول العمليات في الكويت وقال له: ”هات احكي للجماعة شلون يصير لو انسحبنا من الكويت؟“ فقال الضابط: ”والله يا سيدي يهاجمك الجيش العراقي“.

يقول أبو عودة ”عرفت أن الحديث موجه لي، فاستأذنت جلالة الملك بالحديث وقلت: بحكم عملي أرى دبلوماسيين وأكاديميين ومفكرين وإعلاميين، وقد رأيتهم جميعا الأسبوع الماضي، وعليك أن تتخيل يا سيادة الرئيس ماذا قالوا، وأنا متأسف أن أقول إنني لم أستطع إقناع أحد بالمنطق الذي سمعته من المسؤولين العراقيين“.

فقال صدام: ”أخ عدنان أنت لم تر أحدًا من الذين ذكرت، لكنك تريد أن تسألني. واذا سألوك فقل لهم إسرائيل ضمت الجولان ونحن ضممنا الكويت“.

أجاب أبو عودة بعد أن استعاد زمام المبادرة: ”شتان ما بين الاثنين، الكويت دولة ذات سيادة والجولان أرض محتلة“.

يستطرد أبو عودة قائلا: ”عندها أحسست أنني أخطأت لأنني كنت أحادثه أمام حاشيته ضاربًا عرض الحائط بوصية ميكافيلي في ”الأمير“، فاكفهر وجه صدام، لكنه تدارك أعصابه وخرج بمعية الملك“.عندها مال الأمير الراحل زيد بن شاكر على أبو عودة وهمس في أذنه: ”بس تصل عمان اذبح خاروفين“.

حادثة أخرى في دمشق عشية مؤتمر مدريد؛ فقد خاطبه نائب الرئيس عبدالحليم خدام بلهجة غمز فيها من قناة علاقة الأردن بالأمريكيين: ”باعتبارك خبيرًا في الشؤون الأمريكية بدنا نسمع رأيك يا أبو السعيد بالسياسة الأميركية“. فأجابه: ”والله يا أبو جمال، بعد حفر الباطن، اللي مثلي بيجوا عندك علشان يتعلموا السياسة الأمريكية“.

قرأوني غلط

في مطلع الألفية الجديدة، أثار كتاب أبوعودة عن الأردنيين من أصل فلسطيني، هجومًا شرسًا ضده، باعتباره من المطالبين بما وصفه بالحقوق المنقوصة، دفعه للاستقالة من منصبه كمستشار سياسي للملك. ويرى أبو عودة أن كتابه جاء في إطار ما أسماه الدبلوماسية الوقائية، ”قرأوني غلط.. وكان مفترضًا أن يعطوني جائزة على الكتاب“.

من الذين انتقدوه زميله ومدير المخابرات السابق نذير رشيد الذي اعتبره مثقفًا وذكيًا ويخدم وظيفته باحتراف وكفاءة، دون أي اعتبار للمبدأ“ واتهمه بأنه ”غيّر مبدأه حين استضافته قناة الجزيرة في برنامج زيارة خاصة“، وهي حلقات أثارت السخط عليه، وكان أقسى ما كتب ضده من وزير الإعلام الأسبق والبعثي ومن ثم الفتحاوي المقرب من ياسر عرفات سابقًا صالح القلاب الذي وصفه في مقالة له ”كأنه طاووس يمشي على رؤوس أصابعه“. ووصل الأمر إلى القضاء عندما رفع أشخاص شكوى قضائية على أبو عودة بدعوى إطالة اللسان، ومثل أمام محكمة أمن الدولة.

وترى شخصية إعلامية آثرت عدم ذكر اسمها ”أن الناس أساءت فهم أبو عودة“.

ويقول أبو عودة قابضًا على عصاه مستأذنًا بالرحيل: ”من ليس له عدو فهو تافه.. يا ريتني طلعت ميكانيكي“، ويضيف ”لو لم أكن سياسيًا لكنت أكاديميًا“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com