التوغل التركي يغيّر قراءة وقائع الأزمة السورية.. لكن في أي اتجاه؟ 

التوغل التركي يغيّر قراءة وقائع الأزمة السورية.. لكن في أي اتجاه؟ 

المصدر: حنين الوعري - إرم نيوز

يشير التحرك العسكري التركي المباشر، داخل الأراضي السوري، بحجة محاربة تنظيم داعش المتطرف، إلى تغيير كبير في طريقة تعاطي أنقرة مع الأزمة السورية، ليس على المستوى الميداني فحسب، بل وعلى المستوى السياسي أيضا.

ويتوقع محللون سياسيون ودبلوماسيون ”أن يصاحب توغل تركيا في سوريا تراجعا عن إصرارها على ضرورة رحيل الرئيس بشار الأسد من السلطة خلال أي تسوية تجرى على الأرض، ما يساهم في سد الفجوات بين التحالفات الدولية التي ساهمت في استمرار الحرب الأهلية في البلاد“.

وأظهرت تركيا خلال الأشهر الأخيرة، استعداداً لتقبل قيام الأسد بدور انتقالي في أي حل سياسي، الأمر الذي وصفه الدبلوماسي الكبير المتقاعد أونال سيفيكوز بـ“التغير الهائل“.

وأشار سيفيكوز قائلاً ”أدركت تركيا أن هناك تحديات أكبر من إزالة الأسد، وبالتالي فتحت الباب أمام تحسين علاقة أنقرة مع روسيا وإيران، الداعمين الرئيسيين لنظامه“ مضيفا ”لم تكن تركيا لتطلق عملية (درع الفرات) دون أخذ موافقة روسيا“.

وانقسمت القوى الخارجية المتورطة في الأزمة السورية حول مصير الأسد، فمن ناحية شددت دول الخليج وتركيا على وجوب تنحي الأسد قبل أي تسوية، بينما طالبت روسيا وإيران ببقائه في السلطة، أما الولايات المتحدة فاتخذت موقفاً متوسطاً بين الموقفين المتناقضين وأعربت عن قبولها اتخاذه دوراً انتقالياً.

وتشمل التحديات التي حددتها أنقرة كأولويات تزيد في أهميتها على خروج الأسد من السلطة، قتال تنظيم داعش التي كثفت هجماته داخل تركيا، إضافة إلى وقف تقدم القوات الكردية في المناطق المنتشرة على طول الحدود السورية التركية.

وبينما يُغرق توغل تركيا في الصراع المستعصي الذي سبق وأن أغرق روسيا وإيران فيه، متسبباً باستمراره لوقت أطول وقتله ضحايا أكثر من حرب البوسنة التي وقعت بين عامي 1992-1995. تشكل الفوضى على حدودها تحدياً متزايداً آخر، في ظل استضافة تركيا لـ 2.5 مليون لاجئ سوري.

وكان من المتوقع أن يؤدي إدراج  تركيا للميليشيات الكردية، كهدف لعمليتها العسكري، إلى إحداث المزيد من التوترات في العلاقات مع الولايات المتحدة، المزعزعة بالأصل، بالنظر إلى أن أكراد سوريا هم حلفاء رئيسيون للولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم داعش، إلا أن العملية أظهرت وجود احتمالية تعاون على أرض المعركة.

زيارة بايدن

ولم تكتفي الولايات المتحدة بتأييد العملية التركية، بل دَعَم نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن في زيارة لأنقرة الأربعاء، مطالب تركيا بتراجع القوات الكردية عن شرقي نهر الفرات، وذلك يعني ضمنا تخليهم عن منبج التي استولوا عليها من قبضة داعش في 12 آب/ أغسطس بمشاركة أمريكا.

و قال رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط من جامعة أوكلاهوما جوشوا لانديس، الذي يدير منتدى حواريًا عن الحرب السورية منذ بدايتها تقريباً: ”سيطرة الأكراد على منبج غيّرت مجرى الأمور بشكل كبير، وساعدت القوات الخاصة الأمريكية الأكراد في الاستحواذ على مساحات شاسعة من الأراضي جعلتهم على وشك الوصول لبناء دولة كردية. ومن الواضح أن ذلك أرعب الأتراك“.

في حين قال السفير الأمريكي السابق في سوريا روبرت فورد خلال مقابلة هاتفية من الولايات المتحدة، إنه بعد أن خلقت أمريكا توترات مع تركيا من خلال دعم وحدات حماية الشعب الكردي ”قرر الأمريكيون عدم المقاومة“.

وكانت تركيا تحرض منذ أعوام على صنع منطقة عازلة على طول حدودها مع سوريا لمنع الأكراد من ربط المنطقتين اللتين، يستحوذون عليها وإقامة دولتهم الخاصة التي أسموها كردستان السورية أو غرب كردستان.

وفي هذا السياق، فشِل أردوغان سابقاً في إقناع الولايات المتحدة على مساعدته لصنع منطقة عازلة، حيث كان يرجح أن يواجه معارضة من نظام الأسد وداعميه الروس والإيرانيين، لكن يبدو أن الحسابات تغيرت الآن.

الروس متفهمون

على صعيد متصل، أشار مدير مكتب موسكو لمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي ديميتري ترينين أن ”الأمر الوحيد المثير للاهتمام هو عدم وجود أي ردة فعل لروسيا“ على توغل تركيا في سوريا.

وأضاف موضحاً أن “ الروس يتفهمون مصلحة تركيا المشروعة في القضية الكردية، ويبدو أن أنقرة قررت عدم الاعتراض على عملية تركيا المحدودة، مقابل تعاون تركيا أكثر بشأن التسوية السياسية مع الأسد“.

ويبدو أن المواقف تجاه الأكراد ستتغير على نحو كبير أيضاً مع توجه قوات وحدات حماية الشعب من الاستيلاء على أراض يسكنها الأكراد إلى الاستيلاء على أراض يسكنها العرب بالغالب. وقصف الجيش التابع للنظام السوري الذي كان يعتبر الأكراد محايدين أو أقرب للحليف مؤخراً مواقع لقوات وحدات حماية الشعب مخاطرين بالاشتباك مع الولايات المتحدة.

بدوره أشار مدير مجموعة أوراسيا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أيهم كامل أن ”هناك توافقًا متزايدًا على ضرورة احتواء الأكراد في سوريا، فالنظام السوري وروسيا وإيران وتركيا جميعهم مهتمون باحتواء الأكراد في سوريا، ولأول مرة أصبحوا على استعداد للتحرك بخطوات ملموسة لتحقيق ذلك“.

ويرجح المحللون أن تكون تركيا تعلمت من دخول بوتين الحرب السورية السنة الماضية، الذي أعطاه صوتاً قوياً على الطاولة الدبلوماسية. حيث قال بروفيسور العلوم السياسية في جامعة بيلغي في إسطنبول آلتر توران: ”هذا التصرف يعطي تركيا مكاناً في عملية السلام لا يمكن التراجع عنه ”.

أيضاً الحسابات المستجدة لا تترك الولايات المتحدة بالضرورة في الخارج وحدها، طالما بقيت قادرة على منع وقوع تصادم بين حلفائها الأكراد والأتراك، حسبما اعتبر مدير مكتب أبحاث أنقرة لصندوق مارشال الألماني أوزغر أنلوه يسار شكلي، قائلا: ”تحوّل السياسة التركية تجاه نظام الأسد يسهم في إعادة تشكيل المحاولات الدولية الجديدة“.

وأضاف أنلوه يسار شكلي: ”يبدو الآن أن الجميع يقترب حول موقف الولايات المتحدة، حيث إننا نحتاج لحل لكن الأسد لا يمكن أن يبقى في السلطة بشكل دائم، رغم هذا يمكن أن يكون جزءاً من المرحلة الانتقالية“.

مواد مقترحة