شاهد من داعش يكشف للمرة الأولى أسرار تأسيس التنظيم – الحلقة الـ 3

شاهد من داعش يكشف للمرة الأولى أسرار تأسيس التنظيم – الحلقة الـ 3

المصدر: خاص - إرم نيوز

تتواصل حكاية أبو أحمد القائد البارز في تنظيم ”داعش“، الذي يسرد تفاصيل سرية وهامة جداً حول خبايا وخفايا التنظيم على مدار السنوات الماضية، في تقرير أجراه اثنان من الصحفيين الأجانب، وننشر اليوم الحلقة الثالثة والأخيرة منه، والتي يروي فيها الرجل تفاصيل الانشقاق الأكبر في ”عالم الإرهاب“ بالشرق الأوسط.

لجنة خراسان

يقول أبو أحمد إن شهر مايو/ أيار 2013 شهد بداية العمل في تنظيم ”داعش“ على تفعيل قوته كأكبر وأعظم ”قوة جهادية“ في العالم، لكن قبل ذلك وقبل استخدام مخزونه الكيماوي، كان عليه مواجهة تحدّ آخر – وهو قبول تنظيم ”القاعدة“ لذلك الأمر والموافقة على عملياته.

ويضيف أن عدداً من قيادات ”القاعدة“ لم يقبل بما وصفها بـ ”كذبة البغدادي“ بأن أيمن الظواهري أعطاه أمراً بتأسيس ”الدولة“، فبعد شهر من اللقاء التاريخي بين البغدادي والقيادات الجهادية في ”كفر حمرا“، قامت مجموعة من الرجال تحت الحراسة المشددة بالتجوال سرًا في سوريا خوفاً من تعقب أتباع البغدادي لهم.

وكانت المجموعة باسم ”لجنة خراسان“، التي تأسست تحت الأرض في أفغانستان وباكستان، وأتت إلى سوريا بالنيابة عن الظواهري، وقال أحد أعضاء اللجنة واسمه ”أبوأسامة الشهابي“ لأتباعه أن يبقوا حذرين، لأن ”لدينا معلومات بأن البغدادي ينوي قتل أمير ”جبهة النصرة“ المدعو ”أبومرية القحطاني“، وفقاً لكلام أبو أحمد.

والحديث للقيادي الداعشي البارز مستمر وجاء فيه: “ كانت مهمة لجنة خراسان تفحص أمر توسع ”داعش“ في سوريا والعراق، وإخبار الظواهري الذي سيتخذ القرار بهذا الشأن خصوصاُ مع اشتداد الخصومة بين ”داعش“ و“جبهة النصرة“.

رأي الاستخبارات الأمريكية

وظهرت لجنة خرسان للعامة في سبتمبر/ أيلول 2014 عندما استهدفت طائرات حربية معادية لها في سوريا، آنذاك كان أعضاء التنظيم بدأوا بتركيز هجماتهم على الخارج.

وكان رئيس الاستخبارات الوطنية الأمريكية جيمس كليبر صرح حينها بأن ”اللجنة تشكل تهديداً مماثلاً لداعش على الأرض الأمريكية“.

لكن مع صيف 2013 كانت لجنة خراسان تصب تهديدها على خصومها الجهاديين، حيث بدأ عقد ”القاعدة“ بالانفراط بانفصال عدد كبير من أعضائها وانضمامهم إلى ”داعش“، وكانت القناعة بأنه مع الوقت ربما يصبح الظواهري جنرالاً بلا جنود، بحسب أبو أحمد.

وزار 6 أعضاء من لجنة خراسان مقر ”داعش“ في ”كفر حمرا“، حيث التقى أبو أحمد 4 منهم، هم: أبو أسامة الشهابي والكويتي محسن الفضلي (قتل في غارات أمريكية على قرية سرمادى في يوليو 2015) وسنفي النصر (أو أبو يوسف الجزراوي الذي قتل بغارات أمريكية على قرية الضانا في أكتوبر 2015) وأبو عبدالمالك (سعودي قتل بنفس الغارات على الضانا).

وقال أبو أحمد إن الأعضاء كانوا ودودين ولديهم دراية بالقرآن، حيث أمضوا بضع سنوات مع الظواهري وبن لادن في منطقة خراسان، وهو الاسم التاريخي للمنطقة بين إيران وأفغانستان ووسط آسيا.

ولم يقضِ أبوأحمد وقتاً طويلاً مع الفضلي، تحدثا قليلاً خلال لقاء في مدينة سرمادى شمال سوريا، حيث لم يعرف آنذاك أن الفضلي عضو مهم في ”القاعدة“، لكن بعد سنتين رأى صورته على الإنترنت بعد مقتله ووصفه بأهم شخصيات القاعدة، حيث حصل على معلومات قبيل هجمات سبتمبر/ أيلول 2001، وفي عام 2012 أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن تخصيص جائزة بمقدار 7 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات توصل إليه.

الشهابي وعبد الملك والجزراوي

لكن أبو أحمد عرف العضوين الآخرين بشكل أفضل، سافر بالسيارة معهما – عبد المالك كان استأجر بيتاً في مدية ”الباب“، بينما كان الجزراوي رئيس المكتب السياسي لجبهة النصرة يقيم في ريف اللاذقية، وعندما عرف بمقتلهم شعر بالحزن، حيث قال: ”تصرفا بطريقة اعتيادية ولم يكن لديهما أي غرور برغم مراكزهما القيادية“.

وكان أبو أحمد أقرب إلى الشهابي، الذي كان على اتصال مباشر مع الظواهري، وكانت رحلته من أفغانستان إلى سوريا برفقة زوجته الحامل استغرقت شهراً، وقال بشأن ذلك:“ عملت لمدة 20 سنة في ”الجهاد“، لذلك فإن المعاناة ليست بجديدة“.

ويتابع أبو أحمد: ”هدف لجنة خرسان كان سياسياُ وهو إقناع من بايع البغدادي من القيادات الجهادية بالعدول عن قراره، وإبراز حقيقة أن الظواهري لم يطلب من البغدادي الذهاب إلى سوريا ولم يطلب منه إقناع الجهاديين بمبايعته، لكن مهمة لجنة خراسان كانت صعبة، فالشهابي نجح على أي حال بإقناع أحد القيادات التي انضمت إلى ”داعش“ بالالتقاء به على الحدود التركية

وأثناء اللقاء قال الشهابي إن البغدادي أسس ”داعش“ عندما شعر بأن ”جبهة النصرة“ أصبحت أكثر قوة – وإن الجولاني قاب قوسين أوأدنى من أن يصبح قائداً، فرد عليه المشارك في اللقاء بأنه ”مصدوم“ من هذه المعلومات – وأن المشاركين بلقاء ”كفر حمرا“ كانوا على اعتقاد بأن البغدادي كان يتلقى أوامره من الظواهري، وقد طلب الشهابي من هذا القائد بالعدول عن مبايعته للبغدادي، فرد عليه طالباً بعض الوقت لنقاشه مع الآخرين.

الشهابي قال لأبو أحمد إن لجنة خرسان بعثت بمراسلاتها وتحقيقاتها إلى الظواهري الذي سيحكم لصالح ”جبهة النصرة“، وحتى ذاك الوقت من مايو/ أيار 2013 بقيت العلاقة بين ”داعش“ و“جبهة النصرة“ سلمية، حيث حاول البعض احتواء الخلافات، لكن تدريجياً اتسع مستوى عدم الثقة بين الطرفين مع ازدياد قوة ”داعش“.

وبدأ أعضاء ”داعش“ يصفون أعضاء ”جبهة النصرة“ بالضعفاء، بينما اتهم أعضاء ”جبهة النصرة“ أنصار ”داعش“ بالتفرقة، حتى أن عدداً من قيادات ”داعش“ لم تعد تعتبر أعضاء ”النصرة“ مسلمين.

الظواهري اعتمد النصرة

وبعد انتهاء مهمة ”لجنة خراسان“ قرر الظواهري تأييد ”جبهة النصرة“ واعتبارهم الجهة الوحيدة المخول لها الجهاد في سوريا، وقال في رسالة نشرت في مايو/ أيار 2013 إن ”البغدادي أخطأ بإعلانه الدولة الإسلامية في العراق والشام من غير أخذ موافقتنا“.

وأدى ذلك الإعلان إلى انشقاق آخر في صفوف من سمّاهم المجاهدين، إذ عاد بعضهم إلى صفوف ”النصرة“، وأعلن آخرون حيادهم من صراع القوى كمثل ”أحرار الشام“ و“جند الأقصى“ التي كانت تعمل فقط على إسقاط الأسد من الحكم، وفقاً لأبو أحمد.

ومن قرابة 90 جهادياً من أصول بلجيكية وهولندية ممن حاربوا تحت راية مجلس شورى المجاهدين وانضموا إلى داعش، عاد منهم 35 إلى النصرة. كما أن القائد الذي كان التقى لجنة خرسان على الحدود التركية قرر ترك داعش والعودة إلى النصرة، وفقاُ لأبوأحمد.

لكن أبوالأثير قرر البقاء مع ”داعش“ لكنه خاف من خسارة مزيد من مقاتليه الأجانب لصالح ”النصرة“، فطلب من مقاتليه قطع أي اتصال لهم مع أعضاء ”النصرة“ على الإنترنت، حتى أنه بعث برسالة إلى مقاتلي الجبهة من بلجيكا وهولندا في مقرهم في ”أم الصغرى“ بحلب محذراً إياهم من الاتصال برجاله، كما حاول أبو الأثير مصادرة جوازات سفر مقاتليه الأجانب، لكن مع اعتراض رجاله تراجع عن القرار.

شرطة ”الأمنيين“ السرية

ومع اشتداد النزاع قام ”داعش“ بتأسيس شرطة سرية تحت اسم ”الأمنيين“، وراجت إشاعة أن هدفها قتل أي شخص يحاول الخروج من التنظيم والانضمام إلى ”النصرة“.

أحد زملاء أبوأحمد في ”داعش“ كان ممتعضاً من الخصومة بين من سمّاهم ”الجهاديين“، ما دفعه لكتابة نشيد إسلامي ينتقد موقف البغدادي وأبوالأثير، وفي الليلة  نفسها التي غنى بها النشيد قامت الشرطة السرية باعتقاله ليومين، لكنه لم يعذب، وبدلاً من ذلك أعطي كتاباً في السجن حول تعذيب الآخرين.

ويستطرد أبو أحمد: ”جبهة النصرة بدأت باستعادة قواها عبر تحالفها مع ”أحرار الشام“، وبعض وحدات الجيش السوري الحر، ومع مرور الوقت بدأ هذا التحالف الجديد بهزيمة ”داعش“ في إدلب ومناطق في حلب، وعادت ”جبهة النصرة“ تسيطر على دارة عزت وفضانا وفقرية العتريب؛ ما دفع ”داعش“ للتخلي نهائياً عن شمال غرب سوريا.

و في مارس/ آذار 2014 تراجع ”داعش“ من قرية ”عزاز“ الحدودية الإستراتيجية وبدأ بالتجمع في ”كفر جوم“، غير بعيد عن مكان اللقاء التأسيسي الأول في ”كفر حمرا“.

وما زالت هذه الخلافات ترسم معالم الصراع في شمال سوريا، وبعد سنتين أسقط داعش كلمة ”العراق والشام“ ليبقي على ”الدولة الإسلامية“، ومع مرور الوقت سيطر التنظيم المتطرف على معظم شمال وشرق سوريا بينما حافظت ”جبهة النصرة“ على حصتها في شمال غرب سوريا.

حاويات الكيماوي

وفي 20 يناير/ كانون الثاني من العام 2014 أصبح الانقسام بين الطرفين نهائياً، وأعد تنظيم ”داعش“ قافلة كبيرة انطلقت من ”كفر جوم“ وهي محملة بمن وصفهم أبو أحمد بالجهاديين وعائلاتهم وذخيرتهم والرهائن الأجانب واتجهت إلى الرقة.

ويقول أبو أحمد إنه شاهد في موكب رحيل ”الدولة“ ثلاث حاويات للأسلحة الكيماوية كانت ”النصرة“ غنمتها عند محاربة جيش النظام السوري في ”دارة عزت“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com