وعد لم يتحقق.. كيف فشلت أمريكا في تحقيق الاستقرار للعراق؟

وعد لم يتحقق.. كيف فشلت أمريكا في تحقيق الاستقرار للعراق؟

المصدر: ياسمين عماد– إرم نيوز

قبل أسبوع من مغادرة آخر الجنود الأمريكيين للعراق في ديسمبر/كانون الثاني 2011، سافر رئيس الوزراء نوري المالكي، فورا إلى واشنطن، للقاء الفريق الذي وُكلت إليه مهمة تشكيل مستقبل البلاد بعد انسحاب القوات والدبابات الأمريكية منها.

وخلال عشاء في ”بيت بلير“ وهو مسكن لاستضافة نخبة زوار البيت الأبيض منذ الأربعينات، ارتشف المسؤول العراقي الشاي، في حين تحدثت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، حينها، عن كيفية مساعدة الخبراء المدنيين في وزارتها للعراقيين، على تجنب العودة إلى ”الإرهاب“ والعنف الطائفي.

وصرحت كلينتون، فيما بعد أن العراق سيرى ”وجوداً مدنياً قوياً“، وذلك في تلخيص لتعهدات إدارة أوباما للمالكي، مؤكدة: ”نحن نعمل على تحقيق ذلك“.

ولكن وبعد أقل من 3 سنوات، تلاشت العراق تحت قيادة المالكي، فقد كانت حكومة البلاد في أزمة وتعرض جيشها المدرّب على يد الولايات المتحدة للإهانة، كما وقع ثلث أراضيها تحت سيطرة مقاتلي داعش.

وفي الوقت نفسه، لم يتحقق برنامج وزارة الخارجية الأمريكية، الذي كان يهدف إلى مساعدة العراقيين في منع مثل هذه النتيجة، على الإطلاق.

وأشارت صحيفة واشنطن بوست، إلى أن خصوم كلينتون السياسيين، سيسعون لاحقاً إلى توجيه اللوم لها، جنبا إلى جنب مع الرئيس باراك أوباما، بسبب سيطرة تنظيم داعش على غرب العراق، قائلين إن وزارة الخارجية فشلت في الحفاظ على المكاسب الأمنية الهشة التي تحققت بتكلفة كبيرة من قبل القوات الأمريكية.

وفي خطاب يوم الاثنين، حول كيفية تمكنه من التعامل مع التهديدات ”الإرهابية“، قال المرشح الرئاسي الجمهوري، دونالد ترامب ”إن صعود داعش هو نتيجة مباشرة للقرارات السياسية التي اتخذها الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون“.

أخطاء وسوء تقدير

تقدم نظرة دقيقة لمرحلة  تولي هيلاري كلينتون المنصب، صورة أوسع من الأخطاء وسوء التقدير من قبل العديد من الجهات الفاعلة، بما في ذلك وزارة الخارجية، فضلا عن حكومة المالكي والبيت الأبيض والكونغرس، الذي ترك قوات الأمن العراقية ضعيفة وعرضة لصعود داعش في العام 2014.

وتشير الوثائق والمقابلات، إلى خطط طموحة من قبل مسؤولي وزارة الخارجية، للسيطرة على العشرات من البرامج التي يديرها الجيش في العراق، بدءًا من المساعدة في تدريب الشرطة العراقية إلى مواقع بعيدة جديدة، لجمع المعلومات الاستخباراتية في الموصل، وغيرها من المدن العراقية الرئيسية.

لكن وزارة الخارجية، ألغت أو اقتطعت العديد من الخطط، أحياناً، بناءً على طلب من الكونغرس المتشكك، وأحياناً أخرى بناءً على أوامر من البيت الأبيض، بسبب التكاليف المرتفعة والمخاطر المحتملة من تعرض المدنيين الأمريكيين للقتل أو الخطف.

وتم إحباط العديد من الجهود، من قبل حكومة المالكي، التي رأت أن العديد من البرامج، تدخل غير مرحب به في الشؤون العراقية.

ووفقًا للوثائق والمقابلات مع المسؤولين الذين ساعدوا في إدارة برامج المساعدات العراقية بعد الانسحاب، فقد ارتكب كبار قادة وزارة الخارجية أخطاءً أيضًا.

ووجد تحقيق مشترك من قبل ”برو بابليك“ وصحيفة ”واشنطن بوست“، أنه في أوائل العام 2012، تعرضت وزارة الخارجية لضغوط من البيت الأبيض للحد من البصمة المدنية الأمريكية في العراق، حيث  شرعت الوزارة في تنفيذ شامل لتخفيض إمدادات الأمن ومكافحة التشدد الذي كان يعتبر حاسما في استقرار العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية.

خفض برامج المساعدة الرئيسية

وبحسب مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين مطلعين على مداولات البيت الأبيض الداخلية، جادلت كلينتون، التي كانت عضوًا بفريق الأمن القومي للإدارة في ذلك الوقت، في البداية لصالح العديد من البرامج التي قامت وزارة الخارجية بتخفيضها في نهاية المطاف.

وكثيراً ما دفعت المرشحة كلينتون نحو التداخل بشكل أكبر في التحالفات العسكرية والقبلية في العراق، للمساعدة في التصدي لداعش، بحجة توسيع نطاق البرامج التي تم تقليصها تحت إشرافها بعد انسحاب القوات الأمريكية في العام 2011.

ويقول المسؤولون وتؤكد الوثائق، أن فريقًا من وزارة الخارجية كان قد أدار التخفيضات، في إطار توجيه البيت الأبيض، والتي انتهت بفائض .1.6 مليار دولار، لاستخدامها في مناطق الصراع الأخرى، بما في ذلك ليبيا.

وقد تم التخفيض على الرغم من اعتراضات قادة عسكريين أمريكيين على الأرض، والذين قالوا إن خفض برامج المساعدة الرئيسية، في حالات قليلة، بأكثر من 90 %، ترك الحكومة الأمريكية على نحو متزايد في الظلام حول التطورات خارج العاصمة العراقية.

ويقول بعض الضباط السابقين، الذين أداروا برامج المساعدات العراقية إن التخفيضات كانت عاملًا في تدهور قوات الأمن العراقية، في الأشهر التي سبقت هجوم داعش في العام 2014.

وقال الأميرال المتقاعد، إدوارد وينترز ”لقد كانت مهمتنا منع هذا من الحدوث“، وكان وينترز قائداً سابقاً بالبحرية الأمريكية ونائباً لمدير مكتب التعاون الأمني في العراق، وهو منظمة تابعة للبنتاغون، وتشرف عليها وزارة الخارجية التي أدارت العلاقة الأمنية الثنائية.

وأضاف الأميرال الأمريكي ”لقد شعرنا بأن القدرة على القيام بذلك تم سلبها منا“، وفي الرابع من يونيو/حزيران عام 2014، قام تنظيم داعش من خلال ضربة سريعة بالسيطرة على الموصل.

الإدارة غير المناسبة للجيش

ومن المستحيل القول إن المساعدة الأمنية الإضافية ستمنع انهيار الأجهزة الأمنية العراقية، حيث إن العديد من مسؤولي الإدارة الحاليين والسابقين، بما في ذلك بعض الذين يفضلون بقوة وجود القوات الأمريكية المتبقية، يقولون إن إدارة المالكي غير المناسبة للجيش، وقمع الأقلية السنية في البلاد، أضعفت الدولة وجعلتها عرضة للانهيار.

ويقول هؤلاء المسؤولون، إنه إذا تمركزت بضع مئات من الجنود الأمريكيين في الموصل في العام 2014، ربما كانوا قد أصبحوا أهدافاً ثمينة للتنظيم.

وعلى الجانب الآخر، استثمرت كلينتون خبرتها وسجلها الحافل في مجال الأمن الوطني كنقطة ترويج رئيسية في الحملة الانتخابية، مرددة الفكرة الرئيسية لكتاب ضمنته مذكراتها، بعنوان ”خيارات صعبة“، والذي شمل تجربتها كوزيرة للخارجية، وقد خرج الكتاب للنور بعد أسابيع قليلة من سقوط الموصل في يد داعش.

وتصدر الكتاب فور نشره عناوين الأخبار، بسبب اعتراف كلينتون فيه بأنه كان من ”الخطأ“ التصويت في العام 2002 لصالح دعم الغزو الأمريكي للعراق في العام التالي.

وحول بقية ما حدث في العراق، خلال توليها أكبر منصب دبلوماسي في الولايات المتحدة، يبقى الكتاب الذي يصل عدد صفحاته إلى 635 صفحة صامتاً تجاه هذا الأمر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة