الهاربون من الجيش والتجنيد يفرون من سوريا بعد رؤيتهم ألا مستقبل لهم

الهاربون من الجيش والتجنيد يفرون من سوريا بعد رؤيتهم ألا مستقبل لهم

المصدر: بيروت - إرم نيوز

يرفع ناصر لفافة أخرى من التبغ إلى فيه بيد يسرى عليها آثار جروح ويدخن اللفافة تلو الأخرى ويشاهد أفلام الحركة على جهاز تلفزيون، صورته غير واضحة في شقة صديقة في إحدى ضواحي بيروت. ومنذ هروبه من جيش الحكومة السورية وهو يتفادى في أغلب الأحيان المغامرة بالخروج من المنزل.

مزقت شظية من قذيفة أطلقتها المعارضة مفصله عندما كان يخدم على خط القتال في الصراع السوري في المعضمية قرب دمشق. قال الرجل البالغ من العمر 24 عاما ويرتدي نظارة، إن الانفجار أدى إلى ضعف رؤيته أثناء الليل.

وأضاف بحسب تحقيق نشرته رويترز، ”عندما يحل الظلام لا أستطيع رؤية الكثير من على بعد. لا أعرف ما إذا كانت هناك نقطة تفتيش في نهاية الطريق.“

احتياطات وخوف

يقصر تحركاته على بضعة مئات من الأمتار من مسكنه المؤقت لإقامته في لبنان بصورة غير قانونية. استخدم ناصر أسماء مستعارة خشية تعرف سلطات الأمن اللبنانية عليه.

ويفر الكثير من الشبان السوريين من الجيش مثل ناصر أو يتهربون من الخدمة العسكرية تماما، لتجنب مآس تركت آثارها الجسدية والنفسية على المجندين وخلفتهم دونما مستقبل واضح المعالم. وكان احتمال إجبارهم على القتال في حرب أهلية عاملا كبيرا دفعهم بأعداد كبيرة إلى السعي للجوء في دول مجاورة أو أوروبا.

آثار

وأثرت خمس سنوات من القتال بين الفصائل المتحاربة المختلفة على الجيش الذي كان يبلغ عدد قواته زهاء 300 ألف قبل الحرب وفقا لخبراء عسكريين.

وقال خضر خضور من مركز كارنيجي الشرق الأوسط، إن العدد الذي يخدم في الجيش تقلص بدرجة كبيرة على الأرجح جراء الانشقاقات والموت والفرار من الجيش أو التهرب من الخدمة العسكرية.

وأضاف خضور ”إذا كان (العدد) 300 ألف في الجيش فهو الآن أقل من النصف وربما أقل من ذلك وهذا عدد كبير فيما يبدو.“

ويقدر المرصد السوري لحقوق الإنسان ومقره بريطانيا، أن ما لا يقل عن 80 ألف عضو في الجيش السوري قتلوا في الصراع الذي أودى بحياة أكثر من 250 ألف شخص. ولم يصدر الجيش السوري تقديراته لمحصلة القتلى.

”عدد طبيعي“ بالنسبة لزمن الحرب

وقال خضور، إن ثمة مشكلة أكبر من القوة البشرية بالنسبة للحكومة وهي اعتمادها الشديد على ”الميليشيات“ في حرب تكتسي فيها نوعية المقاتلين أهمية أكبر من أعدادهم.

وقد تلقت حكومة دمشق دعما من الميليشيات المحلية ومقاتلي حزب الله اللبناني والقوات الإيرانية وكذلك من القوة الجوية الروسية.

وساعد تدخل موسكو في سبتمبر/أيلول في تحويل دفة الحرب لصالح الأسد ولو جزئيا، غير أن قوات المعارضة حققت مكاسب في بعض المناطق.

وذكر مصدر عسكري، إن الفرار من الجيش و التهرب من الخدمة العسكرية ”ظاهرة موجودة في كل الجيوش“ وإن سوريا ليست حالة خاصة.

وأضاف المصدر الذي رفض الكشف عن اسمه لرويترز ”إنه رقم طبيعي بالنسبة لزمن الحرب.“

وتابع أن الذين يسلمون أنفسهم غالبا ما تقبل عودتهم إلى الجيش من دون عقاب.

ويستدعى الرجال السوريون للجيش في سن 18. وقبل الحرب كانت مدة الخدمة عامين لكن كثيرا من المجندين يقولون الآن إنهم يخدمون منذ عدة سنوات من دون أي مؤشر على نهاية لخدمتهم.

وقال العديد من المتهربين من الخدمة العسكرية من السوريين الذين يعيشون في لبنان إنهم أجلوا الخدمة العسكرية مقابل رسم خلال الدراسة ثم فروا.

أحلام بريئة

ونعود إلى ناصر الذي التحق بالجيش في 2011 عندما كان عمره 18 عاما لكن سرعان ما رغب في الرحيل بعدما خبر القتال وشدته.

وقال ”منذ كنت صغير وأنا أود الالتحاق ..أحببت أفلام الحركة“ مشيرا نحو التلفزيون.

وأضاف ”لكن بمجرد التحاقي أدركت أنني كنت ساذجا.“

فبعد الإصابات التي لحقت به ونحو ثلاث سنوات قضاها في الخدمة، ترك ناصر الجيش واختبأ في منزله في دمشق لمدة عام. وسلم نفسه عندما أعلن الأسد عفوا عن الفارين من الخدمة، لكنه قال إنه ”احتجز“ على الفور لمدة 15 يوما لاستجوابه.

وبدلا من العودة إلى وحدته فر ناصر إلى لبنان الذي عبر إليه بطريقة غير قانونية خوفا من إعادته وانتقل من موقع إلى آخر على مدار أشهر وجد خلالها صعوبة في العثور على عمل وفشل في الحصول على وضع لاجئ.

وقال ناصر ”السبل متقطعة بي هنا وأحاول التفكير في كيفية إخراج نفسي من هذا الوضع“ مضيفا أنه لا فرصة للتوجه إلى مكان آخر من دون أوراق.

وقد أوقف لبنان تسجيل الأمم المتحدة للاجئين السوريين العام الماضي، في محاولة للتكيف مع الأعداد الكبيرة للفارين. وهناك أكثر من مليون لاجئ سوري في لبنان هم تقريبا ربع سكانه.

ومن بين اللاجئين والسوريين الذيت دخلوا بناء على تأشيرات أخرى هناك كثير من الرجال تهربوا من الخدمة العسكرية.

التحاق بلا نهاية

وقال أحمد جواد – وهو طالب يعيش في شمال بيروت ويستخدم أيضا اسما مستعارا كي لا تتعرف السلطات السورية على هويته، ”الخدمة العسكرية أصبحت غير محدودة..فلا أحد يعرف كم سيقضي.“

وتقول الحكومة، إن عقاب التهرب من الخدمة العسكرية يمكن أن يكون بفصل الموظفين الحكوميين. وتقول منظمة العفو الدولية المعنية بحقوق الإنسان إن الرجال الفارين من الخدمة العسكرية يمكن أن تصدر بحقهم أحكام بالسجن تصل إلى 15 عاما.

لا أريد أن أقتل

وقال جواد الذي فر أخوه إلى ألمانيا لتفادي الالتحاق بالجيش ”هناك أشخاص لم يروا أسرهم منذ سنوات خلال وجودهم في الجيش. لا تعرف الأسر أحيانا ما إذا كانوا لا يزالون على قيد الحياة.“

وأضاف ”لا أريد أن أقتل أحدا. من الظلم إجبار شخص لا يريد القتال على فعل ذلك.“

ويريد جواد أن يرى أسرته في محافظة اللاذقية الساحلية لكن السلطات لن تسمح له بالعودة بينما تستعر الحرب خوفا من فراره.

وجاء في مرسوم رئاسي صدر عام 2014 أن الرجال الذين هم في سن التجنيد ويعيشون في الخارج منذ أربع سنوات، يمكنهم دفع ثمانية الاف دولار للفرد لتفادي الخدمة تماما.

وقال جواد ”نسبة صغيرة فقط من السوريين يمكنها تحمل ذلك. إذا كان لدي ثمانية الاف دولار ما كنت لأدفعها للجيش ولكني كنت سأذهب للدراسة في أوروبا.“

سامر حديد، فار آخر من الالتحاق بالجيش وخريج من كلية للفنون الجميلة في دمشق ويستخدم أيضا اسما مستعارا، قال متحدثا في مقهى ببيروت حيث كان يتقدم لوظيفة نادل ”يمكنني أن أفعل الكثير بهذا المبلغ من المال ..يمكنني أن أعمل به. إنه أفضل من العودة والعيش في منطقة الحرب.“

وانضم حديد وجواد وناصر إلى نحو خمسة ملايين نازح سوري فروا من الحرب التي هي الآن في عامها السادس.

وقد عبرت دمشق عن قلقها من هجرة العقول حيث أعرب رأس النظام، بشار الأسد، في مقابلة حديثة عن أسفه لفقد الأشخاص ”المتعلمين المدربين تدريبا جيدا“ وانضمامهم إلى ركب اللاجئين.