النخب الفاسدة أوصلت جنوب السودان إلى الخراب

النخب الفاسدة أوصلت جنوب السودان إلى الخراب

المصدر: جوبا- إرم نيوز

يرى المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمية، أليكس دو وال، وهو يقدم شهادته الشخصية على الخراب الذي حصل في جنوب السودان خلال السنوات الخمس الماضية، أن أساس المشكلة هو أن النفط هو مصدر الدخل الوحيد للبلد بنسبة 98% ، وفي ذلك تكمن المشكلة، حيث نشأت على النفط طبقة من النخب السياسية والعسكرية الفاسدة التي أوصلت البلد للخراب.

ففي عام 2011 نال جنوب السودان استقلاله كدولة ذات دخل متوسط . لم يكن عليها أية ديون، بل كان انفاق الفرد فيها يُعد الأكبر مقارنة  بجاراتها في شرق افريقيا ، كونها دولة نفطية .

ويكمن التفسير الوحيد لانهيار جنوب السودان في أن النخبة، وخاصة في الجيش، كانوا يعيشون فوق امكانياتهم. فقبل 5 سنوات كان الجنوب يبيع يوميًا نحو 300 ألف برميل نفط بسعر 100 دولار للبرميل. أما اليوم فان الانتاج هبط إلى النصف تقريبًا . لدرجة أنه في حال دفعت الحكومة، رسوم النقل عبر الأنابيب مع فائدة الديون لشركات النفط، فإنه لا يكاد يبقى لها شيئًا.

وحصلت بداية التدهور في دولة جنوب السودان الوليدة بعد 6 أشهر من الاستقلال في يناير/ كانون الثاني 2012، بسبب خلاف مع شمال السودان حول رسوم أنابيب النفط، ما أدى إلى الايقاف الكلي للإنتاج وقيام الحرب بينهما بعد 3 أشهر. ولكن بعد استئناف الضخ في منتصف عام 2013، أصبحت جنوب السودان تعاني من أزمة  اقتصادية، يعتقد دو وال أنها لن تبرأ منها ابدًا.

نخبة فاسدة من قادة الميليشيات

تحول الانتباه بعد استقلال جنوب السودان، إلى التسلح حيث تنفق 80% من الميزانية على الجيش الذي يتكون من عدة ميليشيات اثنية، كل واحدة تدين بالولاء لمن يدفع لها رواتبها. حيث يوجد في الجيش نحو 700 جنرال، يحصلون على الرواتب والامتيازات بقوة التهديد الضمني والابتزاز.

وقد طبّق رئيس جنوب السودان، سلفا كير، سياسة ”الخيمة الكبيرة“ من أجل البقاء، و سمح لجنرالاته المختلفين، والمشاكسين، وأعضاء آخرين من النخبة الفاسدة بالسرقة من خزينة الدولة. وهكذا اختفت مبالغ طائلة من أموال النفط في جيوبهم  إضافة إلى الرشاوي والفساد.

لكن عندما نضبت الأموال، ولم يعد بمقدور كير المضي في التنافسات السياسية أو صد تحدي نائب الرئيس لقيادة حركة السودان الشعبية، جاءت أزمة ديسمبر/كانون الأول 2013، لينشق الجيش عرقيًا.

ترحيل الأزمات وانهيار العملة، يوقف دفع الرواتب

وبعد عامين من القتال والأعمال الوحشية ضد المدنيين، أجبر المجتمع الدولي الغريمين في جنوب السودان، للوصول إلى صيغة للسلام. لكن يؤخذ على هذا الاتفاق أنه أعاد الوضع السياسي لما كان عليه قبل الحرب. ولم يحل أية مشكلة، بل أدى إلى تأجيل الانتخابات إلى عام 2018. كما لم يوفق في انشاء جيش مهني غير مسيس، بل وضع عاصمة جنوب السودان، جوبا في أيدي فئتين متعاديتين . كما لم يقدم أي علاج للأزمة الاقتصادية، حيث وصل التضخم إلى 300% وهوى الجنيه السوداني الجنوبي إلى عُشر قيمته السابقة، وتوقفت عملية دفع الرواتب.

وكانت الوعود ضمن اتفاق اغسطس/ آب 2015  بالتشارك في الثروة والسلطة. وفي الحقيقة كانت فكرة الرئيس كير العودة لسياسة ”الخيمة الكبيرة“ يتم بموجبها إعادة نائب الرئيس لمنصبه، والسماح للنخبة باستئناف الفساد والسرقة والإثراء من خلال أموال النفط.

غير أن الحظ لم يحالفه هذه المرة. فقد جفت الأموال وانهار جنوب السودان اقتصاديًا وتفاقمت الأزمات. وعندما توقفت عملية دفع رواتب الجيش، وتقلصت قيمة الرواتب الشهرية، وأصبحت لا تغطي المعيشة اليومية للعائلات، اصبح لا مفر من الاضطرابات التي تنتظر من يشعلها. وهذا بالضبط ما حدث في 8 يوليو/ تموز الجاري، عندما أدى مقتل 5 جنود إلى اندلاع الحرب مرة اخرى.

وكما تتمثل الأزمة بحرب على المستوى العام، كذلك تتمثل بظواهر مرعبة على المستوى اليومي في حياة الناس. ففي كل طريق تنتشر نقاط التفتيش التي يقف عليها جنود يطلبون الرشاوي والأتاوات. أما المدن التي كانت مختلطة فقد تحولت إلى غيتوهات عرقية، ولكل منها ميليشياته الأمنية. وبدأت الصحف المستقلة تغلق أبوابها الصف تباعا، كما تم اغتيال العديد من الصحفيين.

وخلاصة القول، أنه توجد في النظام السياسي، في جنوب السودان، مشكلة هيكلية  مشوّهة إلى درجة يستحيل إعادة اصلاحها.. وليس بإمكان سيلفا كير أن يتوقع من أي طرف دولي، أن يتقدم لمساعدة نظام مبني على الفساد، كما لا يمكنه أن ينتظر مجىء شركات نفطية لتضخ أموالًا في صناعة نفطية محلية مهترئة. وبسبب أن البلد مشتت عرقيًا، ومجموعاته تستعصي حتى على الدكتاتورية التقليدية.

وينسب دو وال، إلى سفير جنوب السودان لدى الأمم المتحدة، أكوي بونا مالول، قوله: إن العنف في الجنوب، هوجزء من ”منحنى التعلم“ في بلده. فمن واجب السفير أن يبيض صورة نظامه، لكن سفيرهم في الأمم المتحدة، لا يستطيع أن يتجاهل أن مواطنيه في الجنوب، لم يعد باستطاعتهم تحمل نخبة سياسية  فاسدة وجشعة، أوصلت جنوب السودان إلى الخراب من خلال طموحها ونزعتها الحربية.

 

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com