مئوية الثورة العربية الكبرى.. بدايتها حربٌ عالميةٌ أولى وراهنها حربُ أمميةٌ ثالثة – إرم نيوز‬‎

مئوية الثورة العربية الكبرى.. بدايتها حربٌ عالميةٌ أولى وراهنها حربُ أمميةٌ ثالثة

مئوية الثورة العربية الكبرى.. بدايتها حربٌ عالميةٌ أولى وراهنها حربُ أمميةٌ ثالثة

المصدر: خاص - إرم نيوز

أحيت الاحتفالات الأردنية  بـمرور مئة عام على الثورة العربية الكبرى، والتي تصل ذروتها بنهاية هذا الأسبوع، مزيجا  من المشاعرالوطنية  والشجن القومي، بالإضافة لاستحضار تاريخ  إقليمي صاخب لم يحظ بما يتوجب من التوثيق الموضوعي.

ففي فجر يوم الثاني من يونيو/ حزيران 1016، أطلق شريف مكة الحسين بن علي طلقة واحدة من بندقيته، إعلانا للثورة ضد العثمانيين، على وعد إقامة دولة عربية موحدة  تنهي قرونا من تبعية العالم العربي للخلافة التركية، وتتوسط إقليما موعودا بالثروات وبالمشاكل أيضا.

وأعقب تلك الرصاصة  تاريخ موصول من  التغييرات الاجتياحية  في الجغرافيا السياسية والثقافية لمنطقة  ظلّت  من يومها سائلة؛ موضوعة على نار تتجدد  وتتنوع مصادر حطبها.

هي المرة الأولى  في حياة هذا الجيل، التي يتم فيها الاحتفال  بقضية قومية أثارت على مدى 10عقود سيلا لم ينقطع من شتى أنواع التحليلات والاستقطاب والمواقف المتقاطعة بين مختلف العواصم العربية الكبرى، وكذلك  من طرف الأحزاب والقوى السياسية والمدارس الفكرية.

وزاد في مرارة تلك المواقف المتفاوتة، ما تعرضت له تلك الثورة من خذلان الحلفاء الأوروبيين، ومن تراجع عن الوعود التي كانت أعطيت لها، على نحو له في التاريخ الحديث ما يشبهه ويذكّر به.

غير أن أكثر ما يحرّش الغريزة البحثية  لإعادة تبويب ما انتهت إليه المئة سنة، التي أعقبت رصاصة الثورة العربية، هو ما تشهده المنطقة منذ 4 سنوات من إعادة تجزئة وتركيب لنفس الخريطة أو الجغرافيا السياسية، التي كانت فرضت نفسها خلافا لأهداف ورسالة ثورة 1016.

مفارقة  قد تكون  جعلت الاحتفالات الراهنة بها تأخذ الشكل الوطني الحاشد في الأردن، دون أن تحظى بأي  إشارة من إعلام عواصم عربية أخرى عديدة  طالما ناصبتها بالمشاعر المتحفظة، السلبية  وأحيانا بالعداء  الإعلامي والمحاولات الانقلابية.

البداية بالحرب العالمية الأولى  والراهن حرب عالمية ثالثة

في المدخل لإعادة تبويب ما حصل خلال المئة سنة على الثورة العربية، أن بداية هذه المدة كانت الحرب العالمية الأولى، وراهنها الحالي  هو الحرب العالمية الثالثة  كما يسميها الأردن.

حربان كونيتان،  للثورة العربية دور أساس فيهما عنوانه الاحتفالي هو “ النهضة “ و70 عاما من الاستقلال، أما  شاحنه المعنوي فهو الزهو بأن الأردن؛ وريث الثورة العربية هو الدولة الوحيدة في هذا الإقليم التي بقيت آمنة متماسكة وتضطلع بدور مركزي يفوق حجمها، في مواجهة اشتعالات الفوضى  المنظمة أو غير المنظمة.

ومعظم ما سوى ذلك  تغيّر جزئيا أو كليّاً، كما في العراق وسوريا اللتين تخضعان لحالة من الاحتراب الداخلي على نار التجزئة  التي يؤججها الحطب المذهبي والمحاور الإقليمية والدولية.

 في بداية المئة سنة موضع المقاربة، كانت  بريطانيا وفرنسا  تلعبان الدور الأساس  في اتفاقية سايكس- بيكو  التي  جزأت  شرق المتوسط وأثقلته  بما يكفي ويزيد من الألغام السياسية والمذهبية، وأحيانا الثقافية و المنهجية، وكانت روسيا القيصرية إلى جانبهما بعد أن أخذت حصتها من تركيا أيضا، لكنها ما لبثت بعد الثورة البلشفية أن غابت عن المنطقة.

تغيُّر اللاعبين الدوليّين

أما  اليوم في الحرب العالمية الثالثة التي  تدور حول مخلفات سايكس- بيكو، فقد تبدل الكثير من اللاعبين؛ بريطانيا ظلت موجودة وإنْ أعطت مكانها القيادي للولايات المتحدة، تركيا التي انهزمت في الحرب الأولى وغادرت العالم العربي، عادت الآن بدور أساس  تتفاوت توصيفاته، إيران  التي كانت في الحرب الأولى مشغولة بنفسها، هي الآن لا تخفي رغبتها  بإقامة ما سمي بالهلال الشيعي الذي يصل طهران بالبحر المتوسط، مرورًا بالعراق وسوريا ولبنان.

أما اسرائيل -التي كانت جزءا من الترتيبات السرية  للحرب الأولى- فإنها في الحرب العالمية الثالثة الراهنة  حاضرة بقوة في الحيثيات، حتى  وإنْ حرصت على تجنب إعلان ذلك.

باب آخر للمقاربة بين الحربين العالميتين ومفاعيلهما في الخريطة الإقليمية السائلة، هو الذي يستحضر ذاكرة الأقليات، أكرادا وعلويين.

في  الحرب الأولى واتفاقياتها العلنية والسرية، جرى إسقاط أو تأجيل خيارات الدولة الكردية، أما الآن فإن حيثيات الحرب الدولية  في الموصل وسوريا، تزخر بالإشارات إلى أن موضوع الدولة الكردية  قد يستحق عام 2021 ، بينما موضوع الدولة العلوية وارد يحكى به  ضمن الخيارات  النهائية للوضع السوري، الذي تقف عليه روسيا والولايات المتحدة في سياقات تطويل قد تستمر حتى 2020.

في تبويب ما تداعى  بالشرق الأوسط خلال مئة سنة للثورة العربية، تقوم موجات  من الشعارات القومية والدينية التي تعاقبت على الفكر  السياسي، وعلى التشكيلات الحزبية والمدارس الثقافية.

وقد انتهت معظم تلك الموجات  الموسوم معظمها بالتوتر الحدّي، لكي تصبح تاريخًا من الأسى  والفشل  الذي توزعت مسؤولياته على العسكر والمدنيين.

وفي مكان السجالات القومية والاشتراكية والانقلابات العسكرية، ومناهضة النظم الجمهورية للملكية، انتهت الصراعات المتنقلة لتصبح حول المذهبيات وشطط الفتاوى.

النفط والغاز والأنابيب

كما كانت حقول وامتيازات النفط  جزءًا من الترتيبات السرّية بين بريطانيا وفرنسا في وراثة تركيا بالحرب العالمية الأولى، فإن النفط  نفسه حاضر بقوة في حيثيات الحرب العالمية الثالثة الدائرة الآن.

ففي الأيام الأولى لهدنة حرب 1948 كان أنبوب نفط التابلاين المار عبر سوريا، هو المبرر المباشر للمخابرات الأمريكية في تصنيع انقلاب حسني الزعيم، لتصبح  الانقلابات العسكرية  نهجا أخلّ بالمنطقة على مدى 3 عقود، وقلص رقعة  دولة الثورة العربية، مقتطعا منها العراق.

وإذا صحت النظريات التي تتحدث عن العلاقة بين ما يجري في سوريا وبين مشروع خط أنابيب الغاز المطروح مدّه إلى أوروبا من حقول الغاز الضخمة، التي اكتشفت قبل سنوات على طول الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط، فإن  ذلك ربما يفسّر المرابطة الروسية في سوريا، كما يفسر لماذا يعتقد الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن الحرب الأممية على داعش ستستمر بضع سنوات أخرى.

بين أول المئة وآخرها

قبل مئة سنة خرجت الثورة العربية من الحجاز على خيول وإبل ”النهضة“، ترمح  خلف حلم  اكتشف أهله أنه لعبة أمم فيها من التعقيد والمخاتلة ما يستوجب أكثر من سذاجة الاكتفاء بالشرعيات القومية والدينية.

وخلال 10 عقود مرّت من فوق وتحت  جسر الثورة مياه وعواصف جرفت الكثير، وظل الجسر قائما.

واليوم عادت مملكة الثورة العربية لتجد نفسها مضطرة أن تلعب دورًا أكبر من حجمها في الإقليم ذاته، وهو يدخل دورة إعادة تركيب في سايكس- بيكو جديدة، اسمها مختلف، وما زالت قيد الصياغة بلغة مختلفة.

ميزة مملكة  الثورة  فيها أنها تبدوهذه المرّة أكثر احترافًا، وأن  حلفاءها أضعف من أن يغدروها كما فعلوا قبل مئة سنة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com