خالد عبيد لـ“إرم نيوز“: التطرّف أجبر الغنوشي على طلاق الإسلام السياسي

خالد عبيد لـ“إرم نيوز“: التطرّف أجبر الغنوشي على طلاق الإسلام السياسي
Rached Ghannouchi, leader of the Islamist Ennahda movement, speaks during the movement's congress in Tunis, Tunisia May 20, 2016. Zoubeir Souissi

المصدر: إرم نيوز – محمد رجب

أكد الأستاذ الجامعي والباحث في المعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنية خالد عبيد أنّ حركات إسلامية أخرى سبقت حركة النهضة في الذهاب بعيدًا في الفصل بين السياسي والدعوي، وخاصة في الجزائر والمغرب، متسائلًا ”هل سيتحوّل الغنوشي إلى ”سعد الدين العثماني التونسي“ الذي اعتبر ”إسلاميًا علمانيًّا“.

وأوضح الأستاذ الجامعي المختصّ في التاريخ المعاصر، في مقابلة مع ”إرم نيوز“ أنّ حركة النهضة ”لم تتخلّ عن الجانب الدعوي بل سيهتمّ جانب منها بالعمل السياسي، بينما يهتمّ أعضاء آخرون بالعمل الدعوي“، مشدّداً على أنّه ”إذا تخلّت حركة النهضة عن مشروعيتها القائمة على أنّ الدين الإسلامي هو دين الدنيا والحياة، فهي بالتالي ستفقد بطريقة أو بأخرى شرعية وجودها“.

وتحدث الدكتور خالد عبيد عن مسألة ”إمكانية اندثار حركة النهضة“، ومن يقف وراء ”التغييرات“ التي أعلنتها في مؤتمرها الأخير، مشيراً إلى أنّ ”الباجي قائد السبسي ورّط حركة النهضة، في كلمته، في افتتاح مؤتمرها، أكثر مما دعّمها باعتبار أنه وضع لها الخطوط الحمر التي يجب ألا تتجاوزها“.

وهذا نصّ الحوار كاملاً:

nuuuu

س – تابعت مثل بقية التونسيين، المؤتمر العاشر لحركة النهضة. كيف بدا لك على مستوى الشكل، فهناك من اعتبر أنّه موجّه أساسًا إلى الخارج؟.

ج- هو رسالة إلى الخارج، نعم، ولكن خاصة إلى الداخل، لأن النهضويين يريدون أن يؤكدوا للتونسيين أنهم الحزب الأكثر هيكلة وتماسكًا، والأكثر قدرة، مقارنة بكل الأحزاب الأخرى، بالتالي فهو الحزب الأكثر تأهيلاً كي يأخذ مكانه الطبيعي في تسيير الحكم.

س – يرى بعض المحللين أنّ الإصلاحات التي أقرّتها حركة النهضة في مؤتمرها لن تحسم أيّة قضية جوهرية، وما حصل ما هو إلاّ عملية تجميلية سطحية باعتبار أنّ تغيير هوية حزب عقائدي كالنهضة لا يمكن أن يتمّ في سنوات قليلة بل يتطلب ذلك عقودًا طويلة. ما تعليقك؟.

ج- نعم، يمكن أن نعتبر أنّ ما قلتَه حقيقي، ومنتقدو حركة النهضة يؤكدون هذا الجانب، لكن الحركة تؤكد عكس ذلك، بل تؤكد أنها قد تغيرت فعلاً، وهذا ما ستثبته الأيام، فنحن الآن أمام أقوال، وهذه الأقوال لا يمكن أن نحكم عليها، إلاّ من خلال الأفعال، فإذا تجسدت هذه الأقوال إلى أفعال، ورأينا كيف ستصبح حركة النهضة، يمكن أن نجزم ساعتها، هل أنّ الحركة تغيرت فعلاً أو لا، وهل ابتعدت عمّا يسمى بالإسلام السياسي مثلما ذكر زعيمها، أو لا.

س – تحاول قيادات حركة النهضة الإقناع بأن مسألة ”الفصل بين الدعوي والسياسي“، قضية فكرية مفصلية، لكنها استعاضت عنها في الأسابيع الأخيرة قبل انعقاد المؤتمر بمسألة ”التخصص“، فكيف ترى حقيقة مسألة ”فصل السياسي عن الدّعوي“، وقدرة الحركة على وضعها على أرض الواقع من خلال السلوكيات والأدبيات؟

ج- مسألة الفصل بين الدعوي والسياسي، أو التخصص، هي مسألة محسومة منذ فترة داخل حركة النهضة، فالمسألة في الأصل ليست فصلًا بين الدعوي والسياسي، باعتبار أنّها من تطوّر الأشياء، وما قامت به حركة النهضة، الآن، قد سبقتها إليه حركات أخرى تنتمي إلى ما يسمّى بالإسلام السياسي، وهنا أعني الحركة الجزائرية والحركة في المغرب الأقصى(حزب العدالة والتنمية)، ولكن هل أن راشد الغنوشي سيذهب بعيدًا في هذا التوجه ويصبح شبيهًا بسعد الدين العثماني (الأمين العام السابق لحركة العدالة والتنمية في المغرب)، أو لا؟ هذا ما سنعرفه في قادم الأيام، وسعد الدين العثماني ذهب أبعد مما ذهب إليه الغنوشي ولم يقتصر على التخصص والفصل بين السياسي والدعوي بل ذهب إلى القطع بين الديني والسياسي، واعتبر أنّ الخلاف بينهما وهمٌ ولا حقيقة له في الواقع، حتى أنه اعتبر إسلامياً علمانياً، وبالتالي هل أنّ الغنوشي سيذهب أبعد مما أعلن عنه ويصبح بالتالي ”سعد الدين العثماني التونسي“، أو لا؟!

س- كيف يمكن لحركة النهضة، أن تتخلّى، عمليًّا عن الجانب الدعوي، بينما تؤكد وثائق المؤتمر  ثبوتَ المرجعية الإسلامية؟.

ج- حركة النهضة لم تتخلّ عن الجانب الدعوي بل إنها ستهتمّ بالجانب السياسي بينما يهتمّ أعضاء آخرون بالجانب الدعوي، وهذا هو المقصود بمعنى التخصص الذي تشير إليه الأدبيات الجديدة لحركة النهضة من خلال مؤتمرها العاشر، فيمكن أن تكون منتميًا لحركة النهضة، ولست من القيادات، بينما تهتمّ بالجانب الدعوي، مثلما هو الأمر في الجمعيات الخيرية مثلاً. وهي عندما تؤكد الجانب الدعوي، فهي، من حيث تدري أو لا تدري، تثبت على نفسها أنها مازالت تنتمي إلى ما يسمّى بالإسلام السياسي، لأن الدعوة كانت تستعمل فيما مضى من أجل دعوة الناس إلى الإسلام، فهل نحن الآن غير مسلمين وفي حاجة إلى الدعوة كي نصبح مسلمين.

س- قلت في أحد حواراتك إنّ ”الغنوشي يريد أن يجعل من حركة النهضة حزبًا سياسيًا على شاكلة الديمقراطية المسيحية، وهو ما يفقدها مشروعيتها“. كيف ذلك؟

ج- راشد الغنوشي يؤكد معطىً أساسيًّا وهو أنه ينفي عن نفسه صفة الإسلامي السياسي باعتبار الأدران التي لحقت بهذه العبارة من خلال تصرفات القاعدة وخاصة ”داعش“، حتى تحوّل الإسلام السياسي إلى ”داعش“، وهو بالتالي أراد أن يبتعد عن هذه العبارة مستعملًا لفظًا آخر يفهمه الرأي العام الدولي أكثر وهو ”الديمقراطي المسلم“، وهذا اللفظ إذا طبّق بالمفهوم المعروف كما ”الديمقراطي المسيحي“ يعني ذلك أنه سيصبح من الذين يتبنّون مسألة فصل الدين عن الدولة، وإذا تبنّى ذلك نظرياً، على الأقل، ويريد أن يجسّدها، فمشروعية وجود حركة النهضة تقوم على هذا المعطى الأساسي، وهو أنّ الدين الإسلامي هو دين الدنيا والحياة، أي أنه دين شمولي، وإذا نحا راشد الغنوشي هذا المنحى الذي ذكره سيترتب عليه وجوباً أنه سيقع التخلّي عن هذه الفكرة التي قامت عليها كل الحركة الإسلامية في القرنين العشرين والحادي والعشرين، وإذا تخلّى عنها، فإنه بطريقة أو بأخرى، سيفقد شرعية وجوده.

س- هل ذلك يعني أنّ ”اندثار حركة النهضة مجرّد مسألة وقت“!

ج- لا حلّ لحركة النهضة ولا خيار لها إلاّ  ”التّوْنسة قولاً وفعلاً“ (تصبح تونسية قلباً وقالباً، مثلما جاء في كلمة الباجي قائد السبسي في افتتاح مؤتمر حركة النهضة)، وليس قولاً فقط، وإلاّ فإنها ستبقى جسمًا هجينًا لا يمكن أن يتأقلم مهما استعمل من كلمات، ولا أن ينصهر في البوتقة التونسية مثلما انصهرت حضارات عديدة وشعوب عديدة داخل البوتقة التونسية، لقد جاءت غازية وعليها هي أن تتتونس.

س – لكن هل دفعت حركة النهضة إلى هذه التغييرات دفعاً؟ ولماذا؟ ومن يقف وراء ذلك؟.

ج- أولاً، الفكرة الأساسية أنّ حركة النهضة لم تتغير حالياً.. والسؤال الذي يطرح فعلاً: هل دفعت دفعاً كي تتغير، فهي تريد أن تثبت لمن يتتبّعها بأنها قد تغيّرت لكن التغيّر ليس جذرياً، فهو تغيرّ على مستوى الشكل، تقريباً، وهو تغيّر يتأقلم مع المعطيات الجديدة، أكثر من كونه تغيّرا حقيقيا. هو تغيّر يواكب ما حدث في الجزائر أو المغرب الأقصى، وعليه، لا يمكن القول بأنها دفعت دفعاً إلاّ إذا رأينا كيف سيتمّ تجسيد ذلك على أرض الواقع، من خلال الممارسة.

س- ألا يلعب حزب نداء تونس، والباجي قائد السبسي، بصفة خاصة، دوراً في هذه النهضة الجديدة؟ ما القصد من وراء ذلك خاصة وأنّ النهضة تذهب نحو ”المصالحة الشاملة“ و ”رؤية مستقبلية مشتركة لتونس“ مع حزب نداء تونس؟

ج- في الواقع، هي ليست مسألة نداء تونس، بقدر ما هي مسألة الباجي قائد السبسي، وهو الذي يريد أن يدفع حركة النهضة دفعاً كي تتغير حقيقة، ولذلك فإن الخطاب الذي تقدّم به في افتتاح المؤتمر ، هو خطاب، لمن يتمعّن فيه جيّداً، يورّط حركة النهضة أكثر مما يدعّمها باعتبار أنه وضع لها الخطوط الحمر التي يجب ألا تتجاوزها أو إن شئنا فقد وضع لها خريطة الطريق التي يجب أن تسلكها، فإن سلكتها ستصبح مرضيّاً عنها، وإن لم تسلكها فهي ستتحمّل المسؤولية.

س- حزب نداء تونس أصابه التشرذم والانقسام.. فإلى أين تسير الأمور؟

ج- لقد قلت قبل أكثر من عام، إنّ مصير حزب نداء تونس، هو تماماً كمصير حزب ”التكتل الديمقراطي للعمل والحريات“ (حزب التكتّل هو حزب يساري دخل في ائتلاف مع حركة النهضة في حكومة الترويكا، وكان له عديد النواب في البرلمان، لكنه فشل فشلاً ذريعاً في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وليس له مقعد واحد في البرلمان الحالي)، وحتى إن كانت هناك بعض المحاولات لإعادة بنائه، فلا أعتقد أنّها ستنجح.

س- في ظل اندثار حركة النهضة، هل ستظهر أحزاب أخرى تعوّضها؟ (ربما داعشية)

ج- حركة النهضة لن تندثر، لكنها ستجد نفسها، إن آجلاً أم عاجلاً، مضطرة إلى التأقلم مع الواقع التونسي، وليس لها من حلّ غير ذلك، وما قامت به في هذا المؤتمر، ما هو إلاّ خطوة محتشمة نحو هذا الطريق.. وليس لها إلاّ أن ”تتتونس“، فإن ”تتونست“ فعلاً، فهذا هو المصير المطلوب، وإن لم ”تتتونس“ فالتاريخ هو الذين سيحكم عليها.

س- من خلال سلوكيات وأدبيات القيادات.. أليس كذلك؟

ج- والقواعد كذلك.. ولكن السؤال الذي يجب أن يطرح: هل أنّ قواعد حركة النهضة ستلتزم بذلك أو لا؟

س- ألا ترى أنّ ذلك صعب جدّاً؟

ج- قاعدة حركة النهضة متحرّكة وليست ثابتة، وبالتالي يمكن أن تتزايد أو أن تتناقص بأعداد كبيرة، وهذا مرتبط بعدة عوامل والأساس التعامل مع الواقع التونسي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com