”الحاجة أم الاختراع“.. شعار أهل اليمن في زمن الحروب

”الحاجة أم الاختراع“.. شعار أهل اليمن في زمن الحروب

المصدر: أماني زهران- إرم نيوز

يثبت اليمنيون في زمن الحرب، بأنهم أكثر مرونة في التعامل معها، وأكثر تكيفًا مع المشاكل التي تحدث في ظلها، وهذا ما كشف عنه الكاتب الصحفي كريم فهيم، في تقرير نشره بصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.

واستهل الكاتب تقريره بقصة ”نوح طه“، الذي كان ينفخ في بوقه لجذب الأطفال إلى عربة الـ ”آيس كريم“ الخاصة به، لمواجهة ظروف الحياة.

وقال الكاتب، إن الكهرباء أصبحت عملة نادرة في صنعاء، وغير متوفرة في جميع أنحاء البلاد، ولا يوجد كهرباء في المستشفيات، ولا المنازل، ولا حتى لتشغيل جهاز MP3  الأزرق، الذي يمتلكه طه.

 ولحل مشكلته، وضع طه لوحة شمسية في الجزء الأمامي من عربته، حتى يتمكن من شحن وتشغيل جهازه، ليستمع إلى أغانيه.

وكان طه ذكيًا، حيث رأى أن فكرته كانت الأفضل لحل مشكلته، وعن تجربته يقول: ”رأيت الطاقة الشمسية المستخدمة على كرسي متحرك كهربائي، وكانت تلك أفضل فكرة“.

وقال كاتب التقرير، الذي كتبه عقب عودته من زيارته الثالثة لليمن، منذ بدء الحرب هناك، إنه التقى طه في أحد الشوارع المليئة بالمحلات التجارية الكهربائية، ومع كل زيارة، بدا أن اليمنيين يعانون ضغوطًا أكبر، مثل قلة المال، كما أصبحوا أكثر يأسًا في العثور على عمل، ويكافحون من أجل توفير الغذاء والرعاية الطبية أو مكان آمن للعيش.

وجاء في  التقرير: ”يشتهر اليمنيون بأنهم أكثر مرونة، رغم أنهم يعيشون في أفقر بلد في المنطقة، وهو بلد مثقل بعقود من القادة الضعفاء والعاجزين، في التعامل مع الحروب، ويستطيعون التكيف بسلاسة وخلق أدوار جديدة يلعبونها، من أجل الحفاظ على حياتهم وتوفير أبسط متطلبات الحياة“.

وأشار كاتب المقال، إلى التحولات التي لاحظها بين اليمنيين في مجالات عملهم، إذ تحول أطباء الأطفال إلى جراحين، ورجال الأعمال إلى عمال إغاثة، وأصبح أصحاب المحلات الكهربائية التجارية خبراء في الطاقة الشمسية.

وقال خير الله علي القوميسي، 24 عامًا، صاحب محل كهربائي: ”لم نكن نعرف أي شيء، ولكني تعلمت كل ما في وسعي حول الألواح الشمسية، عندما بدأت الطفرة في استخدامها قبل عدة أشهر“.

وأكد القوميسي، أنه بعد جولة له على المواقع الخاصة بالطاقة الشمسية على الإنترنت، أصبح الآن قادرًا على توضيح الفرق بين الألواح الشمسية الصينية والكندية، أو العمر الافتراضي للبطاريات، لزبائنه.

وأضاف: ”حققنا ربحًا كبيرًا، فكل متجر في الشارع أصبح يملك الكثير من الأعمال، حتى هؤلاء ممن لا يمتلكون المحلات، أصبحوا قادرين على تحقيق ربح ولو بسيط“.

وأوضح كاتب المقال، أن الألواح الشمسية أصبحت الآن متواجدة في جميع أنحاء صنعاء، ومتاحة بنظام التقسيط لأولئك الذين لا يقدرون على شرائها دفعة واحدة.

مثال آخر، هو محمد الفندي، الذي كان حتى وقت قريب نجارًا، وأصبح يبيع الآن لوحات الطاقة الشمسية على حافلة صغيرة قديمة، قام بتحويلها إلى مخزن، حيث يقول: ”السوق مفتوحة على مصراعيها“.

وأضاف الفندي، الذي يعتقد أنه سيبقى على هذا النحو لفترة من الوقت: ”حتى إذا وضعت الحرب أوزارها، أشك في قدرة أي حكومة جديدة على إعادة التيار الكهربائي لأكثر من ثلاث أو أربع ساعات في اليوم“.

الحياة في منطقة حرب

يقول كاتب المقال، إن القرب من الخطوط الأمامية للمواجهة في حرب اليمن، يجعل تحولات الأشخاص أكثر تنافرًا.

تجربة تكيف أخرى يقدمها، أحمد ناجي عبده، وهو سائق في ”تاج سبأ“، أحد أفخم الفنادق في صنعاء، والذي يعمل الآن لحساب المؤسسة الخيرية ”أطباء بلا حدود“ كسائق في تعز، المدينة التي مزقها بعض من أشرس المعارك في الحرب الأهلية في اليمن.

وعمل عبده، لإحدى المنظمات الدولية القليلة التي تعمل في المدينة، ولكن منزله أيضًا كان على بعد مسافة صغيرة من إطلاق النار في تعز، واضطرت أسرته إلى التخلي عن الطوابق العليا من المنزل، بعد أن اصطدمت رصاصة طائشة به، وأصبحت الاشتباكات أكثر حدة في الحي الذي يقيم فيه، حيث يقول ”المعارك لا تتوقف حتى في الليل“.

أما بالنسبة لزميلته الدكتورة أروى أحمد سعيد، فقد كانت طبيبة نساء وتوليد في تعز، عندما اندلعت الحرب، وقالت إنها عملت لفترة في المستشفيات المتواجدة بالقرب من عمليات إطلاق النار، وكان الضحايا من المقاتلين والنساء والأطفال.

وذات يوم، قتلت سبع إناث من عائلة واحدة، تتراوح أعمارهن بين 11 إلى 21 سنة، عندما أصاب صاروخ منزلهم، وفي مناسبة أخرى، كان واحدًا من الضحايا رضيع يبلغ من العمر ثلاثة أيام.

وقالت الدكتورة للكاتب الصحفي، أثناء تواجدها في غرفة الطوارئ التي كانت أكثر هدوءًا، حيث تقع على بعد أميال قليلة من القتال، في مستشفى الأم والطفل التي كانت تدار من قبل أطباء بلا حدود، إن العمل الأكثر إلحاحًا كان علاج الأطفال الذين يعانون من مشاكل في الجهاز التنفسي.

إلا أنها اعترفت بأنها ترغب أحيانًا في العودة ثانية إلى أحد خطوط المواجهة، وهي غرف الطوارئ، رغم كل البؤس الذي شاهدته هناك، مضيفة: ”أشعر أنني أقدم المساعدة“.

على بعد أقل من ميل واحد من المستشفى، حيث تعمل الدكتورة أروى الآن، أصبحت جبال القمامة تملأ المنطقة، وهو ما ينذر بالمخاطر التي تواجه العاملين في المجال الطبي، طوال فترة الحرب.

الطفل المريض

وأشار كاتب التقرير، إلى أنه أثناء رحلة مغادرته صنعاء إلى المطار، رأى طبيبًا آخر يحاول تقديم الرعاية في ظروف مروعة.

وأضاف، أن الطبيب كان يرافق أم وأب وابنهما الرضيع محمد، الذي كان مريضًا ويتنفس بمساعدة جهاز التنفس الصناعي اليدوي، وقد أقام لهم وحدة عناية مركزة مؤقتة في صف من المقاعد المتواجدة عبر الممر المتواجد بينه وبينهم، وهي واحدة من عدد قليل من الروابط بين العاصمة والعالم الخارجي.

وقال، إن الطيب جلس على الطاولة أمام والدة الصبي، وشاشة تومض أضواء حمراء، فيما جلس الرضيع على السرير، لا يفارق عين الطبيب، الذي جلس بجوار والد الطفل، وكان يحاول الضغط بلطف على وسادة هوائية.

ولم تتضح حالة الطفل، ولا أحد يريد أن يقاطع الطبيب ويسأله، ولم يقطع هذا الصمت سوى المكالمات الهاتفية المحمومة للأب للأردن، حيث كانت وجهة الطائرة، وطلبه سيارة إسعاف عند مدرج المطار، مشيرًا إلى أن حالة الصبي خطرة، والرحلة التي كانت تستغرق بضع ساعات، أصبحت الآن تأخذ ست ساعات أو أكثر.

وتتوقف الطائرات من وإلى صنعاء الآن، للخضوع لعملية فحص أمني لمدة ساعتين، في المملكة العربية السعودية.

وبينما يكافح الرضيع محمد لالتقاط أنفاسه، ولأن التأخير كان أمرًا قاتلًا، ناشد الطبيب مسؤول الأمن السعودي الذي كان على متن الطائرة فحص جوازات السفر بأقصى سرعة، وأجاب الوكيل: ”يا أخي، نحن نبذل كل ما بوسعنا“، لكن الطائرة ظلت واقفة بشكل لا يحتمل لمدة 45 دقيقة.

وبعد صعود الطائرة، تعالت أصوات دعوات الركاب، في الصفوف المجاورة، لشفاء الطفل، وغادرت الطائرة أخيرًا المملكة العربية السعودية.

كما تجمع أعضاء فريق الطيران حول الأسرة، وكانت هناك عيادة بدائية، حتى وصلت الطائرة للأردن، حيث كانت في انتظارها سيارة الإسعاف.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com