سياسة أوباما في سوريا: ”فليبقى الأسد، ويرحل الشعب“

سياسة أوباما في سوريا: ”فليبقى الأسد، ويرحل الشعب“

المصدر: دمشق – إرم نيوز

قال الباحث في العلاقات الدولية والمستشار السياسي، علي حسين باكير، إن الكثيرين يعتقدون أن ليس للرئيس الأمريكي سياسة بخصوص سوريا، لكن ما يغفله البعض هو أن عدم وجود هذه السياسة هو جزء من استراتيجية، بمعنى أن عدم وجود سياسة ليس حالة عبثية وإنما خطة هدفت إلى تمكين كل من روسيا وإيران وبعض الأطراف الكردية في المنطقة، لملئ فراغ سيتركه الانسحاب الأمريكي. 

وأضاف باكير في مقال له، أنه ”عندما اندلعت الثورة السورية في 2011، بقي الشعب السوري يُقتل علنًا دون أن يبدي أي مقاومة لمدة ستة أشهر، وعندما لم يفعل أحدٌ أي شيء لإيقاف هذا الجنون، بدأت عناصر جيش النظام السوري بالإنشقاق، وتشكيل ما يعرف باسم الجيش الحر، للدفاع عن المدنيين، ولم يكن هناك مجموعات متطرفة مسلّحة ولا قاعدة أو داعش، وهو أمر يتجنب كثيرون ذكره الآن“. 

وتابع المقال -الذي نشرته الأناضول، واستعرض الكاتب خلاله الأهداف الاستراتيجية الكامنة وراء سياسة أوباما المستندة إلى ”عدم فعل شيء“ حيال سوريا- أن ”إدارة أوباما ظلت منذ العام 2011 وحتى 2013، تبحث عن مبررات لموقفها السلبي من الثورة السورية مع تركيزها على أنها لا تريد أن تتدخل عسكريًا في سوريا، رغم أن أحدًا من السوريين لم يطالب بمثل هذا الأمر على الإطلاق. كل ما كانوا يطالبون به هو إما السماح بتزويد المدنيين بما يمكّنهم من الدفاع عن أنفسهم، أو أن يتم منع الدعم الذي يتدفق إلى الأسد من قبل إيران والعراق وحزب الله وروسيا“.

وزاد أن ”أوباما رفض تطبيق أي منهما، ورفض كذلك المطالب بإقامة منطقة آمنة، ومارست إدارته ضغوطًا على الحلفاء الإقليميين كي لا يزودوا الثوار بالأسلحة النوعية، وفي كثير قامت بإيقاف شحنات أسلحة كانت متجهة إلى الجيش السوري الحر“. 

وأشار إلى أنه ”في 2012، سنحت فرصة تاريخية لأوباما لتغيير كل المعطيات في سوريا والمنطقة، حيث قدم كل الأعضاء البارزين في مجلس الأمن القومي الأمريكي، اقتراحًا لتسليح المعارضة السورية، إلا أن أوباما رفض ذلك. كما قدمت CIA له في حينه خططًا مفصلة تتضمن 50 خيارًا لإخراج الأسد من السلطة“.

ويقول مدير (CIA) آنذاك دايفد باتريوس، إنه ”كان من الممكن لهذه الخطط أن تمنع استخدام الأسد للسلاح الكيماوي، وأن تمنع ظهور داعش، وأن توقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا وقتل مئات الآلاف من الناس، لكن أوباما رفضها“. 

وقال المقال إنه ”تبين فيما بعد أن أوباما كان مهتمًا بإرضاء نظام ملالي إيران أكثر من اهتمامه بثورة الشعب السوري أو حريته أو بقيام نظام ديمقراطي في سوريا. ولأنه كان يخشى أن ينسحب الإيرانيون من المفاوضات السرية، فقد تجنب كل ما من شأنه أن يثير غضب أو اعتراض الجانب الإيراني، بما في ذلك طبعًا دعم المعارضة السورية أو الإطاحة بحليفهم الاستراتيجي في المنطقة بشار الأسد“. 

وأضاف ”لم يكن هذا الأمر طارئًا، بل كان امتدادًا لسياسة سابقة. ففي 2009، شهدت إيران الثورة الخضراء، فتجاهل أوباما هذه الثورة وتواصل مع النظام الإيراني، ما أدى إلى تشجيع الحرس الثوري على قمع وإنهاء الانتفاضة الداخلية بوحشية دون مواجهة أية عواقب تذكر“. 

وأشار إلى أنه ”في 2010 عقد أوباما صفقته الشهيرة مع ملالي إيران بخصوص العراق، ما أدى إلى الإطاحة بالديمقراطيّة الوليدة في ذلك البلد، فبدلًا من أن يصبح إياد علاوي رئيسًا للوزراء، أحضرت الصفقة الأمريكية – الإيرانية نوري المالكي“.

وتابع ”وفي 2011، العام الذي اندلعت فيه الثورة السورية، بدأت اللقاءات السرية بين الجانبين تتكثف، ورغم أن العام 2012 شهد أكبر تدفق للميليشيات الشيعية بقيادة الحرس الثوري إلى سوريا لدعم الأسد بعلم ومعرفة الجانب الأمريكي، فإن أوباما لم يفعل شيئًا، بل على العكس قرر في 2013 إجراء محادثات سرية مع إيران برعاية سلطنة عُمان“. 

وخلال كل تلك المدة، كان الأسد قد استخدم كل ما في ترسانته من أسلحة ضد الشعب السوري. وفي آب/ أغسطس 2013، استخدم السلاح الكيميائي، ضارباً بخطوط أوباما الحمراء عرض الحائط.

وكانت هذه اللحظة –بحسب المقال- بمثابة فرصة أخرى لأوباما لتصحيح أخطائه الاستراتيجية، لكن بدلًا من أن يتم معاقبة الأسد والإطاحة به، قام أوباما بعقد صفقة الكيميائي مع روسيا. 

ويقول السيناتور الأمريكي جون ماكين، واصفاً الوضع: ”لم يؤد ذلك إلى انتهاك كل التزام أخلاقي لنا بمنع وقوع الفظائع الجماعية ومعاقبة مستخدمي الأسلحة الكيميائيّة فقط، بل أدى أيضًا إلى إعطاء الأسد الضوء الأخضر لتسريع الحرب الطائفية ضد المعارضة السورية المعتدلة. وعلاوة على ذلك فقد أدى تقاعس الرئيس إلى تدمير مصداقية الولايات المتحدة لدى حلفائها العرب وإلى هز الثقة بأمريكا لدى حلفائها حول العالم“. 

وبعد أقل من شهر فقط على استخدام الأسد للسلاح الكيماوي، أجرى أوباما وروحاني محادثة هاتفية هي الأولى من نوعها منذ العام 1979. ومع نهاية العام كان الطرفان قد توصلا إلى اتفاق وُصف بالتاريخي.

وقال المقال إنه ”في 2014، كانت إيران قد قررت مصير رئيس في العراق، وأسقطت رئيسًا في لبنان، وعطلت رئيسًا في اليمن وأبقت رئيساً في سوريا. بمعنى آخر فقد سيطرت إيران على هذه البلدان سياسيًا وعسكريًا دون أي رد فعل أمريكي، فيما يبدو اعترافًا رسميًا لإيران بما كانت تطالب به لعقود“. 

وأضاف ”ركزت إدارة أوباما بعد ذلك على إعطاء الروس دورًا أكبر في المرحلة اللاحقة، حيث كان الدور الروسي في الملف السوري قد بدأ بالتبلور بعد الصفقة الكيميائية، وأخذ إطارًا رسميًا في بداية العام 2014 من خلال اتفاق جنيف-2“. 

ولتبرير كل هذه الخطوات، تحدثت إدارة أوباما عن استعدادها لدعم المعارضة السورية المعتدلة. لكن هذا القرار جاء متأخرًا جدًا، فقد أدت سياسة أوباما لاسيما بعد المجزرة الكيماوية إلى ولادة وتكاثر المجموعات المتطرفة في سوريا، وقد تم استغلال هذا الأمر لتبرير التقاعس ضد الأسد، وتبين فيما بعد أن الدعم المقدم للمعارضة هو لـ ”ذر الرماد في العيون“، فبرامج التدريب والتسليح لم يؤمن بها أصلًا وعمل على إفشالها، وفقًا للمقال.

وفي نهاية العام 2014، كانت إدارة أوباما تدعم (PYD)- الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيا- بشكل رسمي وعلني، وسحبت بعد ذلك بطارية صواريخها من الحدود التركية، ممهدة الطريق للانخراط العسكري الروسي المباشر في الملف السوري بضوء أخضر وتشجيع من إدارة أوباما تحت شعار مكافحة الإرهاب. 

إغضاب الحلفاء

وأثارت توجهات إدارة أوباما حنق حلفاء أمريكا المفترضين في المنطقة، مثل تركيا والسعودية، فقد أضرت سياساته هذه بأمنهم القومي، وقوّت من منافسيهم وأعدائهم، وفاقمت من تصدير المشاكل إليهم، وسمحت بتدمير سوريا تمامًا وقتل مئات الآلاف من المدنيين وتهجير الملايين.

وعندما حاولت هذه الدول طرح الحلول، مثل إقامة منطقة آمنة، وتسليح المعارضة المعتدلة بأسلحة نوعية، والضغط على الأسد لإخراجه من السلطة، رفضت إدارة أوباما ذلك بشدة، وجعلت موضوع محاربة الإرهاب أولوية. 

وأشار المقال إلى أن ”إدارة أوباما كانت تعتقد أن التركيز على ملف الإرهاب سيؤدي إلى تجاوز التناقضات بين مصالح روسيا وإيران من جهة، ومصالح تركيا والسعودية من جهة أخرى، وعندها يصبح الجميع في خندق واحد ويتم تجاوز مشكلة الأسد. لكن ما حصل هو العكس، فهذه الدول كانت تقول دومًا ما لم يتم إخراج الأسد فإن التطرف سيزداد والطائفية ستزداد والإرهاب سيزداد واللاجئين سيزدادون والوضع سيتدهور، ولن يكون هناك نتائج حقيقة في التركيز على داعش دون الأسد لأن التنظيم نتيجة وليس سببًا لما يجري في سوريا“. 

وأضاف ”وفي منتصف العام 2015، بدأت التحضيرات الروسية للتدخل العسكري في سوريا لصالح دعم الأسد، ورافقت اجتماعات فيينا-1 وفيينا-2، انطلاق العمليات العسكرية لتخدم هذه الفكرة وتعطي شرعية لدخول روسيا المسار السياسي والعسكري في سوريا. وكل ما جرى بعد ذلك هو لإضعاف المعارضة السورية المعتدلة أكثر وانهاء الثورة السورية وإعادة إنتاج نظام الأسد“.

وتابع ”لقد روّجت الإدارة الأمريكية لأن روسيا ستضغط على الأسد، وأن إيران ستتراجع، وأن الجميع يجب أن يذهب إلى التفاوض. ما حصل حقيقة بعدها هو أن الأسد لم يتعرض لأي نوع من أنواع الضغط، بل على العكس دعمته روسيا بشكل علني سياسيًا وعسكريًا، كما أرسلت إيران علنًا مزيدًا من قواتها وميليشياتها“. 

ولفت إلى أنه ”خلال المفاوضات في 2016، لم يتم إجبار الأسد حتى على تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بالتوقف عن استخدام استراتيجية التجويع ضد المدنيين، والإفراج عن آلاف المعتقلين تعسفيًا، وإيقاف القصف بالبراميل، واستهداف المنشآت المدنية عمداً كما ينص عليه القرار الدولي 2254“. 

وكان أوباما قال مطلع آذار/ مارس 2016، خلال مقابلة مع مجلة (ذا أتلانتك) إنّه ”فخور جدًا بعدم استهدافه للأسد بعد المجزرة الكيماوية“.

وفي نهاية الشهر ذاته، كانت إدارة أوباما وافقت على عدم مناقشة مستقبل الأسد في المفاوضات، وهكذا انتقل كلام الإدارة الأمريكية من ”الأسد يجب أن يرحل“ في العام 2011 إلى ”الأسد لا يمكن أن يختفي فجأة“، ثم لاحقًا إلى ”لا مانع من بقاء الأسد لفترة معينة“ وصولًا إلى الحقيقة الحالية التي تُقر رحيل الشعب السوري وبقاء الأسد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com