ليبيا.. اضطراب في طرابلس تزامنًا مع تعثر حكومة الوحدة

ليبيا.. اضطراب في طرابلس تزامنًا مع تعثر حكومة الوحدة

المصدر: طرابلس- إرم نيوز

بعد خمس سنوات من الانتفاضة التي أطاحت بمعمر القذافي، أصبح الوضع في طرابلس مضطربا يتأرجح بين الحرب والسلام.

فثمة مظاهر للحياة الطبيعية في العاصمة الليبية، إذ يلاحظ أحيانا مشاهد غير متوقعة، كمشهد هواة التزلج الشراعي على الأمواج وهم ينزلقون على الموج الهائج، ومشهد مجموعة من هواة ركوب الدراجات تنطلق على طريق الكورنيش.

إلا أن الجماعات المسلحة التي تسيطر على المدينة تمثل عاملا مزعزعا، حيث يقف مسلحون ملثمون عند حواجز أمنية على الطرق الرئيسة، كما أن كتائب مسلحة تستعرض عضلاتها في استعراضات تتم ليلا.

وهنا يكمن الغرض من تشكيل حكومة وحدة، اختير أعضاؤها في الخارج، بمقتضى خطة تدعمها الأمم المتحدة.

وبعد شهرين من توقيع الاتفاق بدعم ليبي محدود، تكشف أحاديث لبعض السكان والمسؤولين وكذلك سلسلة من الحوادث الأخيرة أن مقاومة أصحاب المواقف المتصلبة في طرابلس وفي الشرق مازال لها ثقلها، مما يقلص المساحة التي يمكن للخطة أن تنجح فيها.

ويقدم المتشددون في طرابلس أنفسهم على أنهم الأوصياء الحقيقيون على الانتفاضة إذ يحمون البلاد من ثورة مضادة ومن التدخل الأجنبي في شؤونها، أما المتشددون في الشرق فيقولون إنهم ينقذون البلاد من التطرف الإسلامي.

وكل من الجانبين يتحدث باسم فصائل مسلحة تملك السلطة الحقيقية في ليبيا، وتخشى أن تفقد النفوذ والحماية والقدرة على الاستفادة من الموارد المالية المتضائلة سريعا في البلاد في أي عملية انتقال سياسي.

وفي ساحة الشهداء بالعاصمة الليبية حيث تمر العائلات بعشرات الرجال الذين وقفوا يؤدون صلاة المغرب، يبدي البعض تأييده لحكومة الوحدة، ويقولون إنهم سئموا العنف ونقص السيولة المالية وارتفاع الأسعار.

وقالت فردوس بوخطوة التي نزحت أسرتها بسبب الاشتباكات في بنغازي وتزور طرابلس مع ثلاثة من أولادها: ”كفانا، لا يوجد سوى حل واحد، المصالحة والمسامحة“.

المتشددون

ويردد آخرون صدى انتقادات المتشددين في طرابلس.

ويقول عبد الكريم صديق المدرس المتقاعد من ضاحية جنزور: ”الأمم المتحدة لا تلعب دور الوسيط، فهي منحازة نحو الشرق، لا يمكنهم جلب السلام إلى ليبيا، بل هم يصبون الوقود على النار.“

ويردد مجموعة من الصبية أنهم شاهدوا على فيسبوك صورا لرئيس الوزراء المكلف فايز سراج في لقاء مع خليفة حفتر قائد القوات الشرقية وهو حليف سابق للقذافي لا يثق فيه الغرب الليبي.

وعلى مدى ما يقرب من عامين كانت طرابلس تحت سيطرة فصائل مسلحة كونت تحالفا يعرف باسم فجر ليبيا للسيطرة على العاصمة.

وأعاد هذا التحالف البرلمان القديم المسمى المؤتمر الوطني العام، بينما انتقل البرلمان الذي انتخب حديثا شرقا إلى طبرق.

وانشق تحالف فجر ليبيا إلى فرق الآن، وقالت كتائب رئيسة إنها ستوفر الأمن لحكومة الوحدة، لكن الوضع متقلب.

 وتقضي الخطة التي تدعمها الأمم المتحدة بأن يتحول المؤتمر الوطني العام إلى مجلس استشاري، وقد عقد بضع عشرات من المعتدلين لقاءات استعدادا لهذا الأمر.

وبعد أن عطل محتجون جلستهم الثالثة في الأسبوع الماضي، قال أحد الحاضرين ويدعى بلقاسم قزيط إنهم ربما يفكرون بالاجتماع في مدينة مختلفة.

وفي اليوم نفسه ظهرت على قناة تلفزيونية تحظى بشعبية، مجموعة تنظم احتجاجات منتظمة ضد حكومة الوحدة في ساحة الشهداء لتعلن أن حكومة الوحدة ”غير قانونية“ وتحذر من سفك الدماء ومن نار الفتنة في العاصمة.

وفي ساعة مبكرة من يوم الجمعة قال الرجل المرشح لرئاسة مجلس الدولة إن قذائف صاروخية أطلقت على مكتبه في طرابلس.

وسارع مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا للتنديد بالحادث، رغم أنه اتضح فيما بعد أن العقار سليم لم تصبه أضرار.

ويوم الأحد اعتقل لفترة وجيزة ثلاثة أعضاء في لجنة مكلفة بإجراء الاستعدادات الأمنية في طرابلس للحكومة الجديدة، الأمر الذي أدى إلى إدانة جديدة من الأمم المتحدة.

وقال قزيط إن احتمالات نشوب اشتباكات كبرى إذا جاءت حكومة الوحدة إلى طرابلس ضئيلة، لأن أغلبية الليبيين يؤيدونها.

غير أنه في ضوء الحاجة لتكوين قوة أمنية موحدة وتراجع إيرادات النفط إلى نسبة بسيطة من قيمتها السابقة، ستحتاج الحكومة لخفض مرتبات كتائب الثوار السابقين التي حملت الدولة عبء رواتب عشرات الآلاف من رجالها بعد الانتفاضة، وسيكون ذلك أمرا صعب التنفيذ.

وأضاف قزيط: ”السياسة في طرابلس لا علاقة لها بالأيديولوجية بل بالمال.“

اشتباكات

رغم أن ما شهدته طرابلس من عنف في الآونة الأخيرة اقتصر على اشتباكات بين الحين والآخر بالأسلحة النارية واشتباكات معزولة، فقد كانت بنغازي ثاني أكبر المدن الليبية كساحة قتال لقوات حفتر ولمجموعة من الفصائل المسلحة من بينها تنظيم داعش.

وبعد أن مرت وعود سابقة ”لتحرير“ المدينة دون أن يتحقق منها شيء تولى الجيش على مدى الأسبوعين الماضيين السيطرة على عدة مناطق رئيسة، الأمر الذي سمح لبعض السكان بالعودة لبيوتهم وبالبدء في إصلاح الشوارع من آثار الحرب.

وفي حي الليثي الذي تم تأمينه في الآونة الأخيرة قال خيري محمد القطراني البالغ من العمر 42 عاما، وهو أب لأربعة أولاد إنه تمكن من العودة إلى بيته ”بفضل خليفة حفتر الذي أحبطت عملية الكرامة (التي يقودها) خطط داعش للسيطرة على بنغازي.“

وقال القطراني إنه يأمل أن يكون الجيش قوة محايدة في المستقبل، لكن الجمود العسكري شهد انفراجا في الوقت الذي واصل فيه حلفاء حفتر في مجلس النواب وهو البرلمان الشرقي تعطيل الموافقة على حكومة الوحدة التي تضم مهدي البرغثي خصم حفتر وزيرا للدفاع.

وقال ايساندر العمراني مدير شمال أفريقيا بمجموعة الأزمات الدولية إن التحرك العسكري الأخير ”يرتبط ارتباطا كبيرا بحاجة حفتر لتأكيد وضعه باعتباره منقذ الشرق في وجه التحديات داخل معسكره.“

وقد وقعت أغلبية من أعضاء مجلس النواب إعلانا يدعم الحكومة الجديدة، لكنها شكت من أن المتشددين لجأوا إلى التهديدات والقوة البدنية لمنع التصويت.

وقال المحامي أيمن النصر إن ”أزمة ثقة“ بمجلس النواب في طبرق تعني أن التصويت على إقرار الحكومة أصبح مستحيلا.

ويتزايد سخط الدبلوماسيين الغربيين الذين يقولون إنه ليس بوسعهم تقديم دعم متواصل لمقاتلة تنظيم داعش في ليبيا سوى بناء على طلب من حكومة وحدة.

ويسيطر التنظيم المتطرف على بلدة سرت مسقط رأس القذافي، وقد توسع في عدد من المدن الأخرى.

وشن التنظيم هذا العام سلسلة من الهجمات على منشآت في ”الهلال النفطي“ الساحلي في ليبيا.

وربما يضطر الدبلوماسيون الآن للعودة إلى المفاوضات التي يمكن أن يعقدها ما يتحقق من تقدم عسكري في بنغازي واستمرار شعبية حفتر.

ويقول منتقدو حكومة الوحدة إنها تشكلت قبل الأوان، أي قبل ضم الفصائل المسلحة للعملية السياسية.

ويقول العمراني إنه ما لم يحدث ذلك بمساعدة من القوى الإقليمية التي أيدت الجانبين فإن الصراع الليبي لن يحل.

ويضيف: ”السياسيون الذين يقفون كوكلاء لا يمكنهم التفاوض لحسابهم في نهاية الأمر.“

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com