القبيلة في ليبيا من الولاء للقذافي إلى التعطش للسلطة

القبيلة في ليبيا من الولاء للقذافي إلى التعطش للسلطة

المصدر: جهاد ضرغام - إرم نيوز

تحتل القبيلة مركزا ساسيا في تركيبة المجتمع الليبي، الذي يتشكل من أعراق مختلفة، وقبائل العربية وأخرى غير عربية.

ولم يكن للقبيلة في ليبيا دور يذكر طيلة 42 عاماً قضاها القذافي في الحكم، سوى الولاء الأعمى خدمة لنظامه، وبعد سقوطه انفجر هذا النسيج وتحول دور القبيلة من الحبو على الهامش لتتغول بعد ثورة 17 فبراير/ شباط، وأضحت الهوية القبلية آلة لحصد الأرواح و تعزيز الانقسامات.

القبيلة تاريخياً

يرى مفتاح احمادي عميد بلدية زليتن في حديث مع إرم نيوز، بأن ”القبيلة في ليبيا أنتجتها الدولة العثمانية إبان حكمها ، حيث كانت تتعمد خلق ولاءات لحكمها من خلال شيخ القبيلة، أو وجهائها أو أعيانها، وهو أمر استمر بشكل تقليدي للأسف طول هذه السنوات وحتى يومنا هذا، بشكل ألغى مفهوم الدولة على أساس المواطنة، وليس على أساس العرق الاجتماعي ”.

ويضيف خليفة عبد الله أستاذ بكلية الآداب جامعة الجبل الغربي، أن القبيلة في عهد نظام القذافي كان ولاؤها وتمجيدها لشخصه خدمة لنظامه، مما أثر على العلاقات الاجتماعية و مزق النسيج الاجتماعي .

ويستحضر عبد الله وضع القبيلة في عهد القذافي ويقول: “ عندما يضع القذافي شخصا من قبيلة معينة على رأس منصب كبير ومهم، نجد أن قرارات التعيين في الوظائف الحكومية و قرار الإيفاد للخارج، تخص شريحة و فئة واحدة تنتمي إلى قبيلة صاحب هذا المنصب، وللأسف تواصل السير على هذا النهج حتى يومنا ”.

ويشاطر محمد المبشر رئيس مجلس أعيان ليبيا، الرأي السابق، قائلا في حديثه مع إرم نيوز ”القبيلة في عهد القذافي شوهت و همشت أدوارها، و انحسر ولاؤها للنظام دون سواه“ مضيفا “ لكن حتى بمجيء ثورة 17 فبراير لم يُقدم مشروع حقيقي لكيفية بناء الدولة، كونها حملت شعار ليبيا قبيلة واحدة، وهو فهم مغلوط لأن ليبيا مختلفة باختلاف قبائلها و مدنها و مناطقها، و الاختلاف سنة محمودة شرعاً، وهذه بداية إفساد الأدوار الحقيقية للقبيلة ”.

القبيلة و السياسة

بدوره، علق آدم أحمد داجي عضو مجلس حكماء سبها، أن السياسة استغلت القبيلة والأطراف السياسية تحاول إذكاء الصراعات والاقتتال بين القبائل، بهدف المحافظة على مناصبها السياسية في السلطة .

وأشار داجي في تصريحه لإرم نيوز، بأن ما تعانيه ليبيا من صراعات هو من الأجندة الخارجية التي تدعم أطرافا سياسية داخل البلاد، وفسر هذا الطرح ”لا يخفى على أحد أن هناك أطرافا سياسية تسببت في الاقتتال على سبيل المثال، بين قبيلة التبو و القبائل العربية ممثلة بأولاد سليمان، وهذه الأطراف قد يكون وراءها سياسة و أجندة خارجية تنفذها دول بعينها“.

وقدم عضو مجلس حكماء سبها مثالا آخر، من خلال استعراض المصالحة التي تمت بين التبو و الطوارق في أوباري جنوب البلاد، وبأن هذا الخلاف خير دليل على أن هذه الصراعات تم خلقها، ولم يتمكن الأشقاء في الداخل من إيقافها.

وأكدت ليلى بن خليفة الناشطة الحقوقية في حديث هاتفي مع إرم نيوز، بأن بعض القبائل أصبحت تتصدر المشهد السياسي الليبي، من خلال بعض أعيان و مشايخ القبائل، وهم ليسوا سياسيين، مما أدى إلى فشل سياسي بامتياز .

وتابعت، “ على سبيل المثال خرج علينا أحد أعضاء المجلس الرئاسي لحكومة السرّاج ممثلا في شخص النائب علي القطراني، وقال أن ما يهمه فقط حقوق إقليم برقة، و كأن ليبيا اختزلت في إقليم أو قبيلة، وتناسى تمثيله لليبيين بمختلف توجهاتهم و انتماءاتهم“.

وعلق مفتاح احمادي عميد بلدية زليتن على هذا الرأي بالقول ”للأسف نحن مجتمع قبلي و عقب سقوط النظام السابق، برزت مظاهر التحيز للقبيلة و للمدن، خاصة في شرق البلاد وجنوبها، ولاحظنا أن القبيلة مؤثرة في المشهد السياسي، فعندما يقوم نواب ينتمون للمنطقة الشرقية بتصريح عبر وسائل الإعلام ويتوعدون و يهددون، بأن هذا المنصب أو ذاك لم يتم منحه أو تمريره إلا على جثثهم“ ، وأنهى حديثه متأسفاً ”هذا الأسلوب عقيم و لا يبني دولة، ويزيد من حدة الانقسام والتشرذم بين الليبيين ”.

وعن أسباب تدخل القبيلة في السياسة، يفسر محمد المبشر رئيس مجلس أعيان ”ليبيا المصالحة“ بأن ”الفراغ الذي تعيشه ليبيا على جميع الأصعدة، اضطر القبائل للتدخل في الشأن السياسي، و تواصل هذا الوضع سيؤثر بشكل كبير وسلبي على بناء الدولة“.

القبيلة والسلاح

في ظل الفراغ الذي يضرب مفاصل الحياة في ليبيا، و غياب دولة القانون و المؤسسة العسكرية و الأمنية، فان مشهد الدروع المسلحة و المليشيات بات هو ما يسيطر على الحياة السياسية، بعد تطور العصبية القبلية، والتي تغلبت على التوجه الأيديولوجي العام .

ويقدم المبشر رؤيته حول هذا الطرح قائلا ”دور القبيلة في ليبيا ليس هو دورها في أفغانستان و اليمن – مثلا- فهي لم ترتق لمستوى أن تؤثر في الدولة بشكل يتحكم بمفاصلها كلياً، وهناك بعض القبائل تحاول فرض رأيها السياسي و العسكري تحت إشراف الجماعات المسلحة .

وأضاف بأن السلاح لا يبني دولة و كذلك الأشلاء لا تبنيها، و يجب على الليبيين تجسيد مبدأ الاستماع لبعضهم و التنازل فيما بينهم، وهذه هب الثقافة التي نحتاجها لتجاوز كل الخلافات مهما عظم شأنها .

أما ليلى بن خليفة، فترى بأن المليشيات احتموا تحت غطاء القبيلة وليس العكس، بالرغم من أن الجماعات المسلحة التي ترتكب جرائم القتل والسرقة والخطف، والتي ساهمت في عدم استقرار الدولة، معروفة بالأسماء لدى القبائل التي تنتمي إليها.

وأضافت ”القبائل لا تسعى الى أدوار اجتماعية محددة، بل تحاول فرض ضغوط لتحقيق مكاسب لأبنائها، وعن طريق التهديد والوعيد بقوة السلاح والسلاح فقط.

القبيلة و حكومة الوفاق

يرى متابعون للشأن السياسي الليبي أن التعاون بين القبائل و حكومة الوفاق الوطني لا مناص منه، و أن على هذه الأخيرة التعامل بشكل عملي مع القبائل، ومحاولة فتح قنوات اتصال فيما بينهما، بهدف التقريب من وجهات النظر، والاستماع إلى المطالب التي يمكن من خلالها تجاوز الهوة بين القبيلة والسياسي .

ويتوقع عميد بلدية زليتن، بأن الحكومة المقبلة يمكنها النجاح في حال واحدة، وهي قيام رئيسها بتبني خطة زيارة لجميع مدن و قبائل ليبيا، و طلب دعمها ووقوفها معه، حينها سيشعر الليبيون-يقول احمادي- بأن الرئيس الجديد لديه حافز قوي لإعادة هيبة الدولة، وليس موظفا مثل سابقيه من المسؤولين، الذين يتنقلون بين الفنادق الفارهة، دون الإحساس بحالة المواطن والاقتراب من معاناته .

وعن الاستراتيجية التي يمكن لحكومة الوفاق الفوز بتحديها، قال خليفة عبد الله الأستاذ الجامعي ”ينبغي على الحكومة الجديدة العمل في خطين متوازيين، الأول إنهاء جميع المظاهر المسلحة والثاني عدم الوقوع فريسة الجهوية في منح مناصب الدولة ضمن التقسيم القبلي، لأن ذلك يضع الحكومة تحت ضغط قبلي ”.

أما المبشر، فيؤكد حاجة الحكومة الجديدة، وسعيها إلى استبدال البندقية بالمعول أو القلم، وتشجيع الشباب على الانخراط في مؤسسات الحكومة على اختلافها، وهو أمر يحتاج رغبة صادقة وبرامج حقيقية قابلة للتطبيق .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com