قصة جندي سوري ذبحته ”داعش“ تكشف فساد الجيش النظامي

قصة جندي سوري ذبحته ”داعش“ تكشف فساد الجيش النظامي

المصدر: خاص – إرم نيوز

نشرت صحيفة ”نيويورك تايمز“ الأمريكية، تحقيقاً سلطت خلاله الضوء على الكثير من الجوانب المتعلقة بواقع جيش النظام السوري، الذي تفتك فيه الرشوة والفساد والفشل الإداري خاصة فيما يرتبط بقيادة دفة الحرب الدائرة مع فصائل المعارضة المسلحة، الأمر الذي جعل الجنود السوريين يتوجهون للمعارك وهم يدركون مصيرهم والذي يكون أشبه بالانتحار.

واستعرضت الصحيفة في تحقيقها قصة الضابط السوري المدعو ”أبو المجد“، والتي تكشف من خلاله العديد من خبايا واقع الجيش السوري ”الأسدي“، وتكشفها لنا تباعاً خلال السطور القادمة.

وتقول الصحيفة إن ”أبو المجد“ هو ضابط شرطة سوري، نشأ في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، جنوب دمشق، حيث يعيش عدد كبير من السوريين أيضاً، وكان يرسل الأخبار من الخطوط الأمامية للمعارك، كما كان نافذة مهمة في الحرب الدائرة في بلاده.

وبعد فترة قصيرة من اندلاع الثورة السورية، التي بدأت باحتجاجات سياسية وحملات أمنية شنها النظام على معارضيه، فقدت أسرة ”أبو المجد“ منزلها، فاضطرت كغيرها من العائلات للتنقل من حي إلى آخر هرباً من مصير مجهول.

وكان الرجل أحد الموالين للنظام، ونجل ضابط متقاعد من الجيش السوري كان في أيام خدمته من ذوي الرتب الدنيا، وكان لا ينشر الأعلام السورية أو صور مسلحين قتلى عبر حسابه على ”الفيسبوك“، بل كان يشارك صوراً لأصدقائه وأبناء أخيه.

وانضم ”أبو المجد“ إلى جهاز الشرطة قبل عام من اندلاع الثورة، على الأقل، وكانت مهمته مطاردة تجار المخدرات، ولكن ضغطت الحرب على الجيش، فأرسل وحدات عديدة إلى مواقع الاشتباكات، ونُقل ”أبو المجد“ إلى نقاط التفتيش في الخطوط الأمامية، وشارك بدوريات لمراقبة نشاط المتمردين.

أزمة معيشية

نشر ”أبو المجد“، بتاريخ 19 (مايو/ آيار) صورتين له، ظهر في إحداهما مرهقاً ويدخن الأرجيلة، فيما بدا في الثانية والابتسامة ترتسم على وجهه وهو يوشك ركوب حافلة إلى مدينة تدمر، مدينة الصحراء السورية الواقعة تحت قبضة ”داعش“.

ومع تراجع قيمة الليرة السورية ونفاذ المدخرات الشخصية، قال ”أبو المجد“ مازحاً إن راتبه الشهري بالكاد يكفي لشراء ”معسل التفاح“ لأرجليته وهو النكهة المفضلة له، وأضاف الرجل، الذي كان يحب إحدى بنات عمومته وبلغ قلقه منتهاه لأنه لن يستطيع الزواج منها أبداً: ”كنت في (سبتمر/ أيلول) دون تلفاز وكهرباء وأعيش في المنفى، أنا ميت“.

وعندما حصل أبو المجد على إجازة، ذهب إلى دمشق، حيث شعر بالغيرة من الجنود الذين يخدمون في العاصمة، ويتمتعون بالكهرباء والشراب والنساء.

وقال لنا إنه حلُم بأن ”داعش“ ألقى القبض عليه، وبعد فترة وجيزة هاجمت عناصر التنظيم المتطرف مواقع أمنية بالقرب من حقل ”غاز الشاعر“، مما أسفر عن مقتل عدد من أصدقائه.

وفي (نوفمبر/ تشرين الثاني)، كتب ”أبو المجد“ أنه يعاني من البرد والأمطار التي تحيط بهم وهم في انتظار وصول تعزيزات.

وشكا من أن ميلشيات ”حزب الله“ اللبنانية، التي تدعم الجيش النظامي، كسبت أكثر من المقاتلين السوريين، وأن القوات عند نقاط التفتيش مشغولة في تحصيل الرشاوي.

حب الوطن

وعلى الرغم من الإحباطات المحيطة به، رأى ”أبو المجد“ أن على المرء ألاّ يتحول ضد حكومته مهما فعلت، موضحاً أن لا يوجد شيء يسمى ضد أو مع بشار الأسد، بل هناك شيء يسمى الوطنية والقومية والولاء، واستطرد: ”نحن سوريون، واجبنا الدفاع عن أمتنا، فإما أن تكون مع الدولة أو مع الجماعات الإرهابية“، وتمنى لو استيقظ في منزله القديم ليجد أن الحرب كانت حلماً.

وفي شهر (مارس/ آذار) الماضي، تحدث ”أبو المجد“ عن خيبة أمل شديدة، حيث قال إنه خاض عراكاً بالأيدي مع عمال الإغاثة في دمشق بسبب ما قال إنه توجيه المساعدات الغذائية إلى غير مستحقيها وبمساعدة المسؤولين المحليين، وبسبب معاملتهم السيئة لطالبي المساعدة وشتمهم بألفاظ نابية ومعاملتهم كأنهم متسولون.

وفي الشهر التالي، قال كشف عن حالة عميقة من الغضب تلمّ به بعد نقل ابن عمه المجند الجديد إلى محافظة إدلب، حيث فقد الجيش وقتها السيطرة على تلك المنطقة، وقال إن ابن عمه و9 آخرين كانوا محاصرين دون مركبات، وحفروا حفرة للاختباء بداخلها.

أنا أنتحر

وحين وصل مقاتلو تنظيم ”داعش“ إلى مشارف تدمر الأثرية، كان ”أبو المجد“ يقضي إجازته في دمشق، وحاولت والدته أن تبقيه هناك عن طريق إخفاء بطاقة هويته.

وكان أبو المجد قد قدم طلباً للانتقال إلى موقع خدمة قريب من مكان سكنه، حسب الإعلان الرئاسي قبل بضعة أشهر والذي أعطى الحق للجنود اختيار مكان الخدمة في أقرب مكان لسكنهم، لكن ”أبو المجد“ قرر في اليوم التالي أن يعود من إجازته، وسرعان ما علم أنه سيتم إرسال وحدته إلى تدمر، وأن القادة سيبلّغون عن أي شخص لم يلتحق بصفوف الجيش.

وقال أبو المجد حينها: ”أنا أنتحر، وأمشي على قدماي نحو الموت، ولكن لا أستطيع أن أفعل شيئاً، فأنا أتمنى أن لا أستيقظ غداً“.

رسائل تقرع طبول القلق

نشر ”أبو المجد“ خلال عدة أيام متوالية مجموعة من المنشورات التي كانت تنذر بأن شيئاً سيئاً يلوح في الأفق وقد يداهمه، ففق 16 (مايو/آيار) كتب منشوراً قال فيه: ”الله، الوطن، الأبطال يعيشون في المقابر واللصوص في القلاع).

ونشر في اليوم التالي منشوراً قال فيه إنه ذهب إلى عرّافة قالت إنها رأته انتقل إلى مكان لطيف أخضر مليء بالأشجار، قد يكون الجنة !، وبتاريخ 18 من الشهر ذاته أجبرت الألغام الأرضية، المزروعة على جنبات الطريق، حافلته على العودة، فيما شارك في اليوم الذي تلاه آخر لقطات له… ثم لا شيء.

وعلمنا أن عناصر ”داعش“ قامت بقطع رأس موظفي الحكومة في الشارع العام، وأصيب الجنود في المدرج القديم، وأُعطي الخبز للسكان، وألقت الحكومة القنابل، وادعى المسؤولون أن جميع المدنيين تم إجلاؤهم، فيما توارى ناشطون معارضون لكل من الأسد و“داعش“ عن الأنظار.

وأظهر لنا ضابط مخابرات، صوراً لشاب كنا التقينا به في تدمر، وهو في طائرة هيلكوبتر محملة ببراميل متفجرة، وفي كثير من الأحيان أُسقطت هذه البراميل على الأحياء الثائرة، وقال ضابط المخابرات إنه رأى ”أبا المجد“ في المطار العسكري، وقد أصيب في الساق والكتف.

وتم تجميد حسابات ”أبي المجد“ بمواقع التواصل الاجتماعي، وقد كان آخر ما كتبه: ”أنا في تدمر، لا تحزنوا عليّ، إنا لله وإنا إليه راجعون“.

وفي 23 (يوليو/ تموز)، سمعنا من عائلة ”أبو المجد“ أنه كان في عداد المفقودين رسمياً، وفقدت عائلته الأمل في سماع أي خبر عنه من مكتب الأمن.

كيف انتهت الحكاية

في الأشهر التي تلت ذلك، وصلنا إلى اثنين من ضباط الشرطة، الذين بقوا على اتصال مع ”أبي المجد“ حتى النهاية، و3 من سكان تدمر الذين شهدوا مصيره.

ففي يوم 19 (مايو/ آيار)، استقل نحو 60 ضابطاً وجندياً حافلات غير مدرعة متجهة إلى تدمر مع سترات واقية لكن دون أي سلاح.

وشعر ”أبو المجد“ بالرعب حينها، وبقي يقول: ”نحن ذاهبون إلى الموت“، وذكر أحد زملائه الضباط أنه اقترح على ”أبي المجد“ أن يستأذن من السائق وكأنه يريد أن يشتري السجائر، ثم يلوذ بالفرار، إلا أنه رفض ذلك.

ونزل الجنود في مطار عسكري على مشارف مدينة تدمر، وفي الليل تعرض موقعهم للهجوم، حيث قُتل الكثيرن وفر آخرون، بينما اختبأ ”أبو المجد“ في منزل عائلة من معارفه.

وكان تنظيم ”داعش“ يهدد بقتل أي شخص موالٍ للحكومة، وبعد 8 أيام لم يعد ”أبو المجد“ قادراً على تحمل تهديد حياة العائلة، فخرج إلى الشارع.

والتزاماً بطلب ”داعش“ من الرجال في المدينة بأداء الصلاة في المساجد، دخل ”أبو المجد“ المسجد، فاقترب منه مقاتل وسأله إن كان مع الشرطة فأجابه: ”نعم“، فردّ عليه المقاتل :“هل تذكرت الآن التوبة؟“.

في الشارع العام أعلن المسلحون اعتقاله، وذكروا اسمه كاملاً، وقالت لنا شاهدة عيان في وقت لاحق: ”رأيت 10 من أفراد ”داعش“ يحمل أحدهم السيف وقطعوا رأسه“، وبقيت الجثة بالشارع لعدة أيام وفقاً لشهود عيان آخرين.

وقال أحد الأقارب : ”أنا ألوم الحكومة، ماذا يفعل 200 جندي ضد 2000 ”داعشي“ ؟ ليس لديّ مشكلة في الموت، بل في الطريقة.

بينما كنا في تحقيقنا بوفاة ”أبي المجد“، بدأت عناصر ”داعش“ بتدمير الآثار في تدمر، حيث نتذكر ”أبا المجد“ في الصور لدينا وهو يبتسم ابتسامة عريضة، ويلعب على الصخور.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com